إعداد /حسين متولى

الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (1/4)
الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي
 (الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين )
الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فالدعوة الإسلامية خير موضوع، لأنها دعوة الإسلام وحقيقته الربانية الكبرى، وهذه الدعوة اليوم أذن الله لها أن تعود من جديد بقوة وإيمان، لتتبوأ مكانها الأول، وقيادتها للعالم الذي تنكب الطريق الحق، وذهب لاهثاً وبقوة وراء الشهوات والنزوات، والكفر والإلحاد، إلا بقية من أمة الإجابة والهدى أمة الإسلام، التي لم تراوح مكانها بعد لتتسلم مفاتيح القيادة لهذه البشرية اللاهثة خلف السراب، القابعة خلف الحجب والدنايا، لتدلها على طريق هدايتها وسعادتها، وسلامتها و أمنها،..
ولكن ثمة طريق طويل وشاق بين التكوين لهذه القيادة الرائدة للبشرية، وبين التمكين لها الموعود لها من الله تعالى في الأرض، نعم بدأت ملامحه تلوح في الآفاق، ودبت الصحوة الإسلامية في كل مكان، وبذرت بذورها لكنها لا تزال في حاجة كبيرة إلى العناية والمتابعة، في حاجة إلى التهذيب والتربية، وفي حاجة كذلك إلى التصحيح والتقويم، وفي حاجة إلى البصيرة والتبصير، وكل ذلك لا يكون إلا بجهد الأمة ودعاتها الصادقين، وجنود الدعوة القائمين بها والمخلصين، وحماية هذه الدعوة وشبابها من أعدائها المنافقين والمتربصين. ومن هنا كان لزاماً علينا أن نبسط بشيء من الكلام في هذا المحور الكبير الجليل – الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين – وإنه حقاً لموضوع يحتاج إلى جهود كبيرة ومخلصة، حتى تؤتى ثمارها بإذن ربها، ولا بد فيه من الوقوف على أحداث السيرة النبوية أولاً، وهنا نقف مع عدة محاور في هذا الموضوع الجليل.
أولاً: الدعوة الإسلامية وحقيقتها.
الدعوة الإسلامية: تعني الدعوة إلى الإسلام دين الله الحق، المنزل من عند الله تعالى، الذي أرسل به جميع أنبيائه ورسله، هداة للعالمين ورحمة لهم، وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي اصطفاه الله لهذه الدعوة والرسالة الخاتمة لجميع الدعوات والرسالات:” وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً..الآية”، والدعوة الإسلامية تعني إقامة شريعة هذا الدين في الأرض، وإقامة عقائده وشرائعه ومبادئه وأخلاقه، كما أنها تعني صياغة الحياة البشرية كلها بصبغة الربانية والعبودية لله تعالى وحده لا شريك له، كما قال تعالى:” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين”، وقال تعالى:” أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه…الآية”.
نعم صبغة قائمة على عبوديتها لله وحده وإيمانها بكتبه ورسله، عبودية قائمة على إفراد الخالق المعبود بالخلق والأمر:”ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين”، عبودية لا تتجه إلا على أصول العقيدة والتوحيد، ولا تقوم إلا على الحق والإيمان، فلا عقيدة تستقر في القلوب إلا عقيدة الإيمان بالله والإيمان برسله، والإيمان بكتبه وشرائعه، والإيمان بالبعث بعد الموت والدار الآخرة دار الجزاء الحق، ولا شريعة تحكم الحياة البشرية وتقوم مسيرتها، وتهذب أخلاقها، وتصلح مجتمعاتها، وتبني سياستها واقتصادها، وحربها وسلمها، إلا شريعة هذا الدين الحق ؛ لأنه الدين المنزل من عند الله وحده، فليس من دين غيره يقبل عند الله كما قال تعالى:” إن الدين عند الله الإسلام..الآية”، وكما قال أيضاً لمن اعتقد ديناً يدين به سواه:” ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” ؛ ولأنه الدين الذي ارتضاه لها:” ورضيت لكم الإسلام ديناً..الآية”،”ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون” ؛ ولأنه الدين الذي ضمنه الله تعالى كل جوانب السعادة والهداية في الحياة الدنيا وفي الآخرة:” فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى…الآيات” ؛ ولأنه دين الحق الجامع لكل مظاهر الحياة البشرية وفق منهج الله تعالى، الشامل الكامل والصالح لكل زمان ومكان:” لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون”.
فالدعوة الإسلامية دعوة إلى الإسلام نفسه، دعوة إلى إنقاذ البشرية من الهلاك والضياع والتيه في الظلمات، والسير في ركب الشيطان وأتباعه، ودعوة إلى تحقيق سيادة ملك الله في الأرض وفي دنيا الناس، ودعوة إلى قيادة البشرية بمنهج الله تعالى الخالد الباقي إلى يوم الدين، وإفراده سبحانه بالعبادة والتشريع دون من سواه من المخلوقات، ودعوة لبناء النفس والإنسان الصالح لإقامة خلافة لله في الأرض، ودعوة لتحرير النفس البشرية من رق العبودية والذلة لغير خالقها، تحريرها من سلطان الشيطان عليها بكيده ومكره، وتحريرها من الخوف من ذوي السلطان والطاغوت الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وتحريرها من تقديس الذات والمال واللهث وراء أعراض الدنيا الفانية القليلة، وتحريرها من الخوف والطمع إلا في خالقها وموجدها سبحانه وتعالى، ودعوة لتزكية الأنفس والقلوب بمعرفة خالقها والتقرب إليه والطمع في رحمته وجنته، ودعوة للتصدي للشيطان الرجيم ومكائده وحبائله، والوقوف أمام فساد أتباعه وأعوانه الذين يتملقون البشرية ويلهثون خلف الشهوات الكامنة، واللذات المحرمة، ولا يراعون لها أدباً ولا حرمة ولا كرامة، ودعوة لبناء مجتمع رباني نظيف قائم على رعاية الآداب، وحفظ الحرمات.
إنها ليست دعوة لقمع البشرية واستعبادها، والسيطرة على مقدرات الشعوب وأقواتها، ونهب أموالها وممتلكاتها، كما فعلته في القرون المتأخرة الشيوعية الخبيثة المادية، بأفكارها ومعتقداتها الإلحادية الكافرة، أو كما تفعله أمريكا وأوربا بمباركة وتخطيط يهودي صليبي ماكر، أو حتى ما يفعله أرباب الأموال والثروات من الهنود واليابانيين والصينيين، كما أنها ليست دعوة للخروج على حكم الله وشريعته، بدعاوى التقدم والعلم والانفتاح العلمي أمام البشرية مما يجعلها ليست في حاجة إلى شريعة تحكمها ولا دين ينظم شؤون حياتها، كما أنها ليست دعوة مستمدة من العقل والفكر البشري القاصر عن إدراك حقائق الأشياء، ولا الوصول إلى جميع مدلولاتها ليصوغ لها قوانين بشرية في شتى مجالات الحياة، ثم يحكمها فيها ويقول لها هذا هو القانون العصري الذي يتناسب مع طبيعة هذا الزمان، كما أنها ليست دعوة أيضاً للتعدي على آداب الإنسان وحياءه وحرماته، وليست دعوة للفوضى والإباحية والفواحش والمنكرات على حساب شريعة الله والآخرة، لكنها دعوة ربانية طاهرة، تسموا بالإنسان إلى حيث هو عند الله من التكريم والرفعة، وتسموا بأخلاقه وآدابه فيرتفع بإيمانه بالله، على دنايا النفس وحب الشهوات واللذات التي تقودها كثيراً إلى الهلاك والخسران.
وهذه المعاني كلها جمعتها هذه الدعوة، التي هي بحق دعوة الإسلام، لأن الإسلام دين الفطرة الذي يولد عليه كل مولود:” كل مولود يولد على الفطرة”، وهذه الفطرة تعنى أن الكون والإنسان لم يخلقاً عبثاً ولا هملاً كما أخبر سبحانه وتعالى في كتابه:”أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق… الآيات”، وكما قال في موضع آخر:” أيحسب الإنسان أن يترك سدىً”، بل وبالغ سبحانه في نفي العبث واللهو في الخلق والأمر عن نفسه فقال تعالى:” وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق…الآيات”، فالكون والإنس والجن، والنجوم والأفلاك، والجبال والبحار، والسماوات والأرض جميعاً، خلقها الله تعالى لحكمة جليلة، وغاية نبيلة، كما أخبر تعالى:” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، إنها غاية العبودية لله تعالى وحده لا شريك له، وهذه غاية الوجود الإنساني والبشري على هذه الأرض، ومن هنا كانت الدعوة إلى هذه الغاية الربانية الجليلة، هذه معاني وملامح الدعوة الإسلامية التي أنشأها الله تعالى على يد نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الأطهار رضي الله عنهم.
ثانياً: الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين.
* نظرة على الواقع الجاهلي:المستقرئ للسيرة النبوية وواقع الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية وبعدها، يلمح الفارق الكبير بينهما، ويقف في اندهاش لما يراه من عظمة البناء الإسلامي، والتعليم النبوي، الذي أقامه الله تعالى لهذا الدين بالتمكين له، وجعله منهج حياة إسلامي، بعد أن ولت الجاهلية على أدبارها بما تحمله من عقائد وشركيات وثنية، وبما تحمله من تصورات ومعاملات وأخلاق وتشريعات جاهلية، وكتب السيرة والتاريخ سطر فيها حال الجاهلية كلها، وما وصلت إليه البشرية آنذاك من انتكاس في الفطرة، وانحطاط في الإنسانية، وتقديس للآلهة المصنوعة العاجزة، لقد عاش العرب في مثالب الجاهلية يرتعون، وفي ظلمات الشرك والوثنية يعمهون، وخلف شهواتهم ورذائلهم ينكبون، هذا هو زمان البعثة المحمدية حقاً جاهلية وأية جاهلية، وكما قال أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى:” بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً، فإذ كل شيء فيه في غير محله، فمن أساسه ومتاعه ما تكسر، ومنه ما التوى وانعطف، ومنه ما فارق محله اللائق به وشغل مكاناً آخر، ومنه ما تكدس وتكوم.نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته،رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل مالا يملك لنفسه النفع والضر، رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البديهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس، يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك. وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث، ويستمرئ الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم، ولا يحب الصديق الناصح. رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظيا، والصالح محروماً شقياً لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر،ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك.رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة ورأى القسوةوالظلم إلى حد الوأد وقتل الأولاد.رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية، والجواد تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية، والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والإبداع في إرضاء الشهوات. رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق، ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة.رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه “.( ماذا خسر العالم:78،77).
* ظهور دعوة الإسلام:هذا هو النظام الجاهلي الأول، الذي كان يعج بالهبوط الإنساني في كل شؤون حياته، وفقدانه لبدهيات الحياة المستقيمة السوية، لقد طال الفساد والخواء والضلال كل حياتهم، واستحال التغيير والإصلاح عند الكثير منهم، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره على العالمين، وتشرق أضواء نوره وشريعته على هذه القلوب الغارقة في بحار من شهوات النفس والدنيا الفانية، والواقعة في مستنقع الرذيلة الآسن، فكانت البعثة الربانية والمحمدية، بعثة الإنقاذ والهداية لهذه البشرية الجاهلية التائهة، كانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تغييراً حقيقياً وكبيراً لم يشهد مثله على طول التاريخ البشري كله، وما هذا إلا لأن مشركي جزيرة العرب جمعت فيهم جل أدواء وأمراض الأمم السابقة لها، التي لم تجتمع لأمة قبلها فكان الأمر جلل، كيف الطريق إلى تخليص هؤلاء من جميع هذه الأمراض والأدواء القاتلة، ولكن شاء الله ذلك، بحكمته وإرادته وقدرته كما أخبر سبحانه وتعالى بذلك في كتابه العزيز:” هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون”، فكانت البعثة وبداية تنزل الوحي الرباني بغار حراء على النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب السنة والسير والتاريخ بينت ذلك ودونته، فقد كان فتحاً من الله تعالى ومنة على هذه البشرية كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا إلى هذه الرسالة الربانية، فاستجاب له بعض من الناس أول الأمر لتصديقهم له قبل البعثة ويقينهم في دعوته، فبدأ التكوين النبوي لجيل هذه الدعوة، ورعيلها الأول من خيار الصحابة رضي الله عنهم وكان ذلك باصطفاء من يدعوهم للإسلام، وقوة تأثيرهم على أفراد ذلك المجتمع الجاهلي، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى:” لقد وضع محمد صلى الله عليه وسلم مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب، أصاب الجاهلية في مقتلها أو صميمها، فأصمى رميته، وأرغم العالم العنيد بحول الله على أن ينحو نحواً جديداً ويفتتح عهداً سعيداً، ذلك هو العهد الإسلامي الذي لا يزال غرة في جبين التاريخ “(ماذا خسر العالم:82).
* غربة الإسلام الأولى:ولكن مع بزوغ شمس الإسلام للوهلة الأولى وإشراقها على أرض الجزيرة المظلمة القاتمة بالشرك والضلال، وبزوغ رسالة الدعوة الإسلامية لهداية الخلق إلى توحيد خالقهم وإفراده بالعبادة وحده، بدأت الجاهلية الأولى بإعلان العداوة لهذا الدين، وإعلان الحرب الكبيرة على هذه الدعوة الإسلامية الجديدة، التي تريد هدم صرح الجاهلية، وهدم كل معتقداتها وتشريعاتها الباطلة وما تحمله من تصورات وأفكار، فبدأت قريش أولاً وهم أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان رفضها وعنادها لهذه الدعوة التي جاء بها ابنها، مع أنهم جميعاً كان بينهم بقايا من الحنفاء ومن أهل الكتاب أمثال زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، ولكن هؤلاء ما كانوا يلقوا شيئاً من أذاهم ولا عنادهم ومكابرتهم، لكن الموقف هذا تغيراً تماماً تجاه دعوة الإصلاح والهداية دعوة الإسلام، فشعر المسلمون الذي آمنوا بهذا الدعوة واتبعوا رسولها، بشيء كبير من الغربة بين هؤلاء القوم فلم يعودوا لهم أولياء ولا أنصاراً، بل تحولت إلى نوع من العداء والاعتداء على الأموال والأبدان بالتنكيل والتعذيب المفرط.
وبدأ المشركون في طريق جديد من الغضب والمقت على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه وآمن به وبرسالته، لقد سلكوا كل طريق لصد الناس عن الإيمان بالله ورسوله، وما تركوا أسلوباً ولا طريقاً إلا سلكوه ضد دعوة الإسلام، فمن ذلك: ما جاء في تاريخ السيرة النبوية وكتبها من السخريةوالاستهزاء والتكذيب بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبأتباعه وأصحابه رضي الله عنهم، وتصور معي هذه الغربة الموحشة في قلوب الصحابة، حيث السخريةبهم وبنبيهم ورسالته وكتابه، والقرآن ذكر شيئاً كثيراً من ذلك كما في قوله تعالى:” وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون” ( الحجر:6)، وقوله تعالى:” وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب “(ص:4)، وقوله تعالى:” وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون “(القلم:51)، ولا ريب أن كل هذا سنة من سنن الله تعالى التي وقعت في الأمم الخالية قبلنا كما قال تعالى:” ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون”(الأنعام:10).
ومن ذلك: صد الناس عن سماع القرآن ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولما جاء به، واتهام القرآن والرسول بأنه ساحر وكذاب وكاهن وشاعر إلى آخر هذه السلسلة البائسة من التهم العريضة لأهل الإيمان والحق، قال تعالى:” وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون”(فصلت:26)، ومن ذلك: التعذيب والتنكيل لأصحابه والمؤمنين به المتبعين له، فلقد عذب كثير من الصحابة رضي الله عنهم، من أمثال سيدنا بلال بن رباح، وعمار بن ياسر وأبيه وأمه الذين قضوا نحبهم في سبيل الله تعالى، ومصعب بن عمير، وصهيب بن سنان الرومي، وأبو فكيهة أفلح الذي كان مولىً لبني عبد الدار، وخباب بن الأرت، وزنيرة أمة رومية التي أسلمت ثم عمي بصرها، ثم شفيت فقالوا سحر محمد، وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعاً وغيرهم كثير ممن آمنوا في طليعة الدعوة الإسلامية.
ومن ذلك أيضاً: إثارة الشبهات الباطلة الكاذبة حول القرآن والرسول، وأنه ما هو إلا بشر مثلهم، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج وينام، كما حكى القرآن عنهم ذلك قال تعالى:” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُورا ً، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما ً، وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرا ً، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورا ً، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً” (الفرقان:4-9)، واتهموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون، وما كل ذلك إلا ليصدوا عنه الناس وعن أتباعه وتصديقه في رسالته ونبوته، وكذبوا البعث بعد الموت والخروج من القبور، وغير ذلك مما حكاه الله لنا في كتابه العزيز.
ومنها أيضاً: تقديمهم الإغراء والعروض الرخيصة من تولية الملك والسلطان عليهم، وجلب المال له ولأصحابه وجعلهم من أئمة الثراء والغناء بينهم، وتزويجه بالنساء والتمتع بهن على الفرش، وشفائه من أمراضه وعلله إن كان الذي نزل به من الأدواء وأنواع السحر، حقاً إنه السفه البشري الذي أضل العقول والقلوب عن هذا النور والحق، وعن هذا البيان الشافي الهادي الواضح، وعن هذا الإعجاز البين القاهر، لقد غلب عليهم الكفر والمعاندة للحق، والجحود والتكذيب مع كمال علمهم بأنه الصادق الأمين، ولكنها السنن الربانية الجارية في الكون لحكمة يريدها الله تعالى، للتمكين لهذا الدين، والتمهيد الرباني لظهوره على سائر الأديان من دونه والنحل الجاهلية المعاندة.
ومنها أيضاً: محاولاتهم المتكررة لقتل النبي صلى الله عليه وسلم ومطاردته ونفيه، واجتماع قريش على ذلك بغية الوصول إلى شيء من التصدي لمد هذه الدعوة الجديدة عليهم، وقد أثبت القرآن ذلك ليكون لنا العظة والعبرة من أعداء الدعوة وأصحابها في كل زمان ومكان كما قال تعالى: “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ “.
* عوامل الثبات والتمكين:ومع تنوع أساليب الجاهلية في مدافعة الحق والغلبة عليه، إلا أن الله ثبت نبيه ورسوله، وثبت الصحابة الذين آمنوا معه، وصدقوا نبوته ورسالته، ثبتهم لا لأنهم أصحاب الثروات والأموال، ولا لأنهم من ذوي الجاه والسلطان، ولكن ثبتهم لعدة عوامل جليلة وجدت في هذا الجيل المؤمن.
وأولها: أنهم أصحاب عقيدة صادقة، وإيمان لا تزعزعه الرياح والأعاصير من الشهوات والشبهات ؛ ولأنهم أيقنوا أن هذا الدين هو فطرتهم التي تصرخ في أعماق نفوسهم أنه لا إله إلا الله وحده، لا يشاركه ولا ينازعه في ربوبيته ولا ألوهيته منازع أو شريك ؛ ولأنهم جعلوا التوحيد طريقهم إلى الله والدار الآخرة، وجعلوا إفراد الله وحده بالعبادة من الذبح والنذر والطواف وغيرها أحق وأجدر، لأنه المعبود المستحق لذلك فلا شريك له، ولا منازع له، ولا مماثل ولا مكافئ له ؛ وثبتهم لما رأى الإيمان خالط بشاشة قلوبهم فأضاء لها الطريق من جديد إلى الله المعبود سبحانه.
وثانيها: أن الله علم منهم صدق المتابعة والاستجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلقد آمنوا بالله ورسوله، وصدقوه وتابعوه بمجرد الوقوف معهم بإثبات حقيقة الباطل الذي عليه أمر الجاهلية، وأنها عبدت من دون الله ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، من الأصنام والأحجار والأوثان، وما إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإسلامه من ذلك ببعيد.
وثالثها: إعراضهم عن زينة الحياة الدنيا وزهدهم فيها، فلم يكونوا ممن يريدون شيئاً من متاع الدنيا وزخرفها، ولا متعها وقصورها.
ورابعها: الكتاب المنزل القرآن الذي ملأ قلوبهم معرفة بالله وإجلالاً له، وتعرفاً على أسمائه وصفاته، وبيان وعد الله لهم بما أعده لأولياه وعباده في الدار الآخرة في جنات النعيم، من الثواب العظيم، والنعيم الخالد المقيم، وترغيبهم فيها وذكر بعض ما فيها من اللذات والفرش والنظر إلى وجه الله جل جلاله، فقاموا يتلون ويتدبرون هذا الكتاب، وقاموا به ليلهم متهجدين عابدين حتى تورمت أقدامهم بذلك أول الأمر وكتب السنة فيها من ذكر القيام والتلاوة شيء كثير.
وخامسها: اليقين القلبي الذي أوقعه النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم بأن الله سيمكن لهم ويبدل خوفهم أمنا وسلاماً، ويجعل العاقبة لهم، فبشرهم ووعدهم وجعل الأمل يدب في قلوبهم، فما كذبوا على استضعافهم، ولا نكلوا على قلتهم، بل صدقوا وثبتوا حتى يأتي أمر الله:” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”، بشر عمار بن ياسر، وبشر سراقة بن مالك، وبشر خباب بن الأرت وغيرهم فأيقنوا وصدقوا.
* البناء والتمكين: لما ثبت النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من جيل الدعوة الأول، وصبروا على الكيدوالمكر، والصد والاستهزاء، والإعراض والإغراء، وتركوا كل متاعهم وأموالهم، بل ونساءهم وأبنائهم وعشيرتهم لله ورسوله، وكانوا مثالاً واقعياً للثبات على المبادئ والحق، والتضحية الصادقة من أجله ونصرته، لما كان هذا حالهم مكن الله لهم في الأرض، وأذن لهم بالتمكين الموعود لأهل الحق والإيمان، والتوحيد والمتابعة، فلقد أذن لهم بالهجرة إلى المدينة ولرسوله، تمهيداً لعالم ومجتمع إسلامي جديد، مجتمع لا يعرف الجاهلية، ولا يعرف الشرك والوثنية، ولا يعترف بألوهية المخلوقات، ولا بفساد المعاملات، ولا بقيام الحروب والعداوات من أجل لا شيء، ولا يستمد شرائعه وأخلاقه من تصورات بشرية، أو عقائد وأفكار رومانية أو نصرانية، مجتمع لا تتملقه النفوس الدنيئة من أصحاب الشهوات الرخيصة، لقد أزالت الهجرة كل ذلك فالهجرة تجب ما قبلها، لقد قام صرح شامخ للإسلام ودعوته بعد عدة محاولات للهجرة والبناء للحبشة، وزالت غربة الإسلام والرسالة الأولى، ولم تعد غريبة على أرض الجزيرة، بل ظهرت كالشمس المنيرة في رابعة النهار، وعلا صوت الحق والإيمان على أبواق الجاهلية الخاوية، زالت الغربة بهذا التمكين، الذي قام على أكتاف خيرة البشر بعد الرسل إنهم أصحاب الرسول وأتباعه، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه:”فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً “، وكما جاء في الحديث النبوي بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء “.
كان الإسلام ودعوته غريباً على عادات وتصورات وعقائد الجاهلية، كان غريباً في عقيدته وتوحيده:”أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ “، وكان غريباً في نظامه وشريعته:” قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ “، وكان غريباً في أخلاقه:” إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً”، وكان غريباً في كل شؤونه وأحكامه:” يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم “، وكان غريباً في سياسته وحكمه:” وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم “، ” أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون “، وكل هذا البناء الشامخ كان السبب في انقلاب الجاهلية بكل مقوماتها وتصوراتها وعقائدها على الدعوة الإسلامية، والوقوف بينها وبين الناس وإيمانهم بها، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله:” والتقى أهل مكة بأهل يثرب. لا يجمع بينهم إلا الدين الجديد. فكان أروع منظر لسلطان الدين شهده التاريخ. وكان الأوس والخزرج لم ينفضوا عنهم غبار حرب بعاث. ولا تزال سيوفهم تقطر دماً. فألَّف الإسلام بين قلوبهم. ولو أنفق أحد ما في الأرض جميعاً ما ألَّف بين قلوبهم. ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وبين المهاجرين. فكانت أخوة تزري بأخوة الأشقاء. وتبذ كل ما روي في التاريخ من خلة الأخلاء. كانت هذه الجماعة الوليدة- المؤلفة من أهل مكة المهاجرين وأهل يثرب الأنصار- نواة للأمة الإسلامية الكبيرة التي أخرجت للناس ومادة للإسلام، فكان ظهور هذه الجماعة في هذه الساعة العصيبة وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده. وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها. لذلك قال الله تعالى لما حض على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار: ” إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ “.(ماذا خسر العالم:84)
هذه إشارات سريعة للوقوف على واقع الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين في بداية العصر الإسلامي النبوي الأول، وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم صياغة جيل الدعوة الفريد، من مرحلة البناء والتكوين، إلى مرحلة القيادة والتمكين، إنه منهج فريد حقاً في كل مقوماته وإنجازاته..
*********************************
الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (2/4)
(المنهج السلفي وطريق التمكين)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: طريق التمكين اليوم، طريق جهد وشاق، وقد أودع الله تعالى في كتابه وكونه سنناً ربانية وجارية، لإقامة هذا الدين في الأرض وفي دنيا الناس، وفصل لنا سبحانه معالم التمكين لدينه وشريعته، ودل عليها وأمر بها:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “.
ولا ريب أن الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة وملحة إليها، لما حل بالعالم كله من البلايا والرزايا والعقوبات الربانية، في شتى جوانب الحياة البشرية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، التي تجري في الكون وفق السنن الربانية التي أرادها الله تعالى، فمن وفق إليها وفق لطريق النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، ومن خذل عنها فهول المخذول، ولعلنا وقفنا فيما أشرنا إليه من قبل، أن طوق النجاة، وطريق التمكين لهذا الدين إنما منطلقه الأول والرئيس، في العودة الجادة الصادقة لهذا الدين، وشريعته المنزلة المتمثلة في هدي الكتاب والسنة والاعتصام بمنهج وفهم الصدر الأول من سلف الأمة بدأً من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم جميعاً، والذي يتمثل فيما يسمى اليوم ” بالسلفية ” أو” الفرقة الناجية” أو “الطائفة المنصورة” أو” أهل الحديث والأثر” أو المصطلح العام الجليل” أهل السنة والجماعة” وكما جاء في الحديث: “فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ” حديث حسن، ولهذا جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم الميزان الحق حين وقوع الفتن والافتراق في أمته كما جاء في الحديث المحفوظ المشهور حديث الافتراق الذي وقعت فيه الأمم، والذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة” قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: “من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي” وفي بعض الروايات: “هي الجماعة” رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
والسلفية تعني: الاتجاه المقدم للنصوص الشرعية على البدائل الأخرى منهجاً وموضوعاً الملتزم بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه علماً وعملاً، المطرح للمناهج المخالفة لهذا الهدي في العقيدة والعبادة والتشريع. (السلفية وقضايا العصر:49). أو هي: اصطلاح جامع يُطلق للدلالة على منهج السلف الصالح في تلقي الإسلام وفهمه والعمل به، وللدلالة على التمسك بهذا المنهج والعض عليه بالنواجذ إيماناً وتصديقاً واتباعاً.
ويقوم هذا المنهج على ثلاثة قواعد هامة وأصيلة:
– صحة المعتقد.
– صحة المنهج.
– صحة السلوك.
وكما ذكرنا فإننا نؤكد على وجوب سلوك هذا المنهج الرشيد في دعوة الناس إلى الإسلام من جديد، لأنه المنهج الوحيد الكفيل بالتمكين لهذه الأمة الإسلامية وعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة الأول، وهو المنهج الكفيل ببناء حضارة إسلامية مثالية، كما تمثلت كذلك طيلة القرون الماضية، وذلك لما يحمله من نظم في العقيدة والعبادة والتشريع الوسطي الشامل، ولقد مكن الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم في الغربة الأولى للإسلام في زمان النبوة، باقتفائهم هذا الطريق وهذا المسلك للكتاب والسنة، وكم رأينا من عوامل الثبات والتمكين لهم، التي جعلت منهم السادة والقادة والفاتحين، من أمثال أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وسيف الله المسلول خالد بن الوليد، وجعلت منهم الأمراء والخلفاء الراشدين، من أمثال الخليفة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم أجمعين، وجعلت منهم الدعاة والعلماء والقراء والمفسرين، من أمثال مصعب بن عمير وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وحملة مشاعل العلم والدعوة في جل ربوع العالم من حولهم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً رضي الله عنهم جميعاً، والتاريخ الإسلامي والفتوحات الإسلامية التي خاضها المسلمون الأوائل فيها دلالة واضحة على عظمة وجلال هذا المنهج الإسلامي الرشيد، الذي حملوه شريعة ومنهاجاً، سيفاً ومصحفاً، حتى دانت لهم الفرس والروم، والعرب والعجم.
وإن كل محاولة للتمكين بعدهم في ظل الواقع المعاصر اليوم وما يحمله من عداء ومكائد وتفرق، لن تصل إلى كمال مرادها، وقوة تمكينها لهذا الدين، إلا إن سارت خلف هذا الركب الإيماني الرباني، وتلمست آثارهم، وحثت الخطى خلفهم، ولا يعني هذا مجرد التقليد الأعمى الذي لا يجاري التوازن بين ثوابت الشريعة وبين متطلبات الواقع المعاصر وما استحدث فيه كما تقول المدارس التغريبية والمدرسة العقلانية، لقد رأينا اليوم بعد معرفتنا لواقعنا المعاصر الأليم، أن كثيراً هم من يقولون ويبرهنون لنا أنهم سائرون خلف طريق السلف والصحابة والتابعين، ولكنهم حقيقة الأمر خالفوا طريقهم، وسلكوا مسالك للدعوة والتمكين لا تمكنهم من إثبات هذه الأقوال والدعاوى، فوقعوا في مسالك متناقضة من الجمع غير المتوافق بين مذهب السلف والخلف، وبين الصوفية والسلفية وربما العلمانية من باب حرية العقيدة، والوطن يسع الجميع والكل، وخلطوا كثيراً بين السنن والبدع التي إن تجمعت أخرجت أصلاً كلياً كبيراً، يدخل هذا المسلك الدعوي في مزالق الانحراف البعيد عن منهج أهل السنة والجماعة.
لقد وقف المنهج السلفي على طول التاريخ الإسلامي كله أمام كل الفرق والمذاهب التي فارقت وخالفت الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون، بدأً من الخوارج والقدرية والشيعة والمرجئة ومن سار على منوالهم، وقارع بعض الصحابة هؤلاء من أمثال عبد الله بن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم جميعاً، كما تصدى جاهداً أمام العقل المعتزلي والفلسفي وأصحاب التأويل والتعطيل، وبين فساد ما ذهبوا إليه وخالفوا فيه من الحق والسنن، وفي العصر الحديث اليوم وقف المنهج أيضاً بقوة وثقة ثابتة أمام التيارات والأفكار والمذاهب المحاربة للإسلام من الشيوعية الماركسية والعلمانية والاشتراكية وغيرها وما تولد منها، وقف ليبين للناس معالم الطريق والتمكين، ومعالم الشريعة والدين، ومعالم الحضارة الإسلامية المثالية الأرقى، ولهذا لم يتوقف هؤلاء عن معاداته والتشهير به، والنيل منه، والكيد له ولأتباعه، ورميهم بالتخلف والجمود والرجعية والأصولية.
*المعادون للمنهج السلفي:-
لقد وقف أمام المنهج السلفي ودعوته الصافية، التي تمثل منظومة شاملة كاملة في جميع الحياة البشرية عقيدة، وعبادة، وأخلاقاً، ونظماً، اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، لأنه من عند الله وحده:” ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ” فريقان معاصران:
الأول: المدرسة العقلانية، التي تنوعت فيها آرائهم ومذاهبهم حتى وصلت بسبب اعتمادهم على عقولهم دون الوحي المعصوم أو بالتأويل المخالف إلى حد كبير أحياناً من التناقض والاختلاف، وزعموا أن المنهج السلفي ما هو: إلا مذهب جديد مبتدع في الدين، والتمذهب به بدعة، فهو لا يعني إلا مرحلة زمنية وصفها الرسول ? بالخيرية، وأنه ليس في الإسلام طائفة متميزة تُسمى بالسلفية، وقالوا كذلك: بأن الالتزام في العصر الحاضر بالمنهج السلفي الذي سار عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين أمرٌ لا موجب له، لأن هذا المنهج إنما هو موقف اجتهادي منهم ولا يلزم غيرهم الأخذ به، وأن السلف أهل السنة والجماعة يتنكرون للعقل ويغضون من شأنه وينحون به جانباً، ويُنكرون استخدام القياس، ويحكمون بالضعف أو الوضع على كل ما ورد في فضل العقل من أحاديث، والقائلون بهذا يعتمدون على الجمع التراثي من المذاهب والفرق جميعاً.
أما الذين اتخذوا موقف التحديث في الفكر الإسلامي المعاصر من هذه المدرسة العقلانية، فقالوا: بأن سنة رسول الله ? تنقسم إلى سنة تشريعية يلزم العمل بها، وسنة غير تشريعية لا يلزم العمل بها، وأنه يدخل في القسم الثاني مسائل باب (المعاملات) في الفقه الإسلامي، لأنه من أمور دنيانا التي نحن أعلم بها، كما يدخل فيه تصرفات الرسول ? في القضاء والإمامة، وقالوا أيضاً: أن قضايا الاعتقاد مسائل فكرية، وأن الفكر يتغير بتغير الزمان والمكان، فالعقيدة إذن متجددة متغيرة وعلى المسلمين أن يختاروا ما يناسبهم من المناهج بحسب الظروف والملابسات التي يعيشونها، وقالوا أيضاً: أن أصول الفقه علم مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وأنه نظرٌ مجرد، كله مبالغة في التشعيب والتعقيد بغير طائل، ومقولات نظرية عقيمة لا تلد فقهاً البتة، بل تُولِّد جدلاً لا يتناهى، وقالوا أيضاً: أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، وأنه لا يمكن تطبيق الشريعة على المستجدات والظروف والأحوال المختلفة المتباينة إلا بتأسيس معقولية الأحكام الشرعية، وذلك: باتخاذ تحقيق المصالح أساساً للتشريع، وبجعل دوران الحكم الشرعي مع الحكمةوالمصلحة لا مع العلة، وبربط الأحكام الشرعية بأسباب نزولها.
والمتأمل لهذه الأقاويل والنزعات العقلية، يتبين له أن العقل البشري عقل قاصر عن إيجاد حلول ثابتة وصالحة لكل الأزمان والأجيال والأعصار، والأخطر من ذلك في مسلكهم هذا ذوبان الشريعة الإسلامية وأحكامها على مر العصور، حيث أننا لو تعاملنا مع نصوص الكتاب والسنة كما تقدم آنفاً بهذا المنطلق المنعزل عن فهم الوحي وفق المراد الرباني والنبوي الصحيح، لأدى ذلك إلى نقصان الأحكام الشرعية في شتى مجالات الحياة سياسية كانت أو اقتصادية أو أخلاقية أو تعبدية أو عقدية أيضاً، ولأدى إلى ذوبانها على مر العصور والأزمان فرأينا شريعة وأحكاماً متناقضة تماماً مع الوحي المعصوم من الكتاب والسنة، لأن هذه المدرسة وقفت من نصوص الوحيين المعصومين موقفاً متناقضاً، حيث يقولون إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل على النقل، ولا ريب أن هذا سخف من القول وضلال، إذ إن موجب العقل يقتضي خلاف ما ذهبوا إليه، لأن الله تعالى ما أوجد العقل ليتناقض مع وحيه المنزل، هذا من وجه، أما الوجه الآخر أن نصوص الكتاب والسنة لا يكون فيها اختلاف ولا تعارض في الأصل، لأن الله تعالى لا يجمع في شريعته ودينه ما يخالف بعضه بعضاً وينقض بعضه بعضاً، إنما التعارض في قصور الفهم الصحيح لمراد الله تعالى ومراد رسوله، وقد تكلم الفقهاء والأصوليون في هذه المسائل وبينوا طرقاً كثيرة في رفع توهم التعارض بين النصوص الشرعية. وأما الوجه الثالث: أنهم ما حققوا الإيمان والتسليم لمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ إن العقل يقتضي أن التسليم والإذعان من كمال الإيمان بالوحيين الصافيين القرآن والسنة، كما قال تعالى:” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينا”، وقوله تعالى”: فلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما “،وكلام على بن أبي طالب رضي الله عنه أن الدين لو كان بالعقل لكان المسح على الخفين من أسفل، فهذه المدرسة العقلية لا تحمل منهجا ً عقدياً صحيحاً واضحاً تقدمه لأتباعها والمخدوعين بها، ولا تحسن إلى اليوم إلا ضرباً من علوم المناطقة والفلاسفة، الذين عارضوا الشرائع بالآراء والفلسفات الكلامية، وهم يظنون أنهم على باب من العلم لا يحسنه غيرهم، فأنكروا الغيبيات كالملائكة وعذاب القبر ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية، ومنهم من وقع في التأويل الباطل الذي ليس له من الشرع دليل ولا برهان.
الثاني: المدرسة التغريبية، التي تفرعت هي الأخرى ما بين اتجاهات علمانية وماركسية شيوعية، وهؤلاء خلطوا كثيراً وتخبطوا كمن سبقوا في فهمهم لحقيقة السلفية ومذهب السلف، فقد أدخلوا كل منتمٍ للإسلام تحت أي مسمىً في مفهوم السلف والسلفية دون تمييز منهم بين المناهج والمعتقدات، وهذا مسلك خطير حيث يبن عورهم العلمي، وجهلهم التاريخي سواء للسلفية أو سائر الفرق المنسوبة للإسلام.
لقد بنوا طريقة تعاملهم مع السلفية على ما نشأ عندهم في القرون الوسطى المظلمة، حيث رجال الكنيسة والمعبد، الذي لا يحسنون قيادة الحياة ومواكبة الركب الحضاري، لأنهم كانوا منشغلين بكنائسهم ومعابدهم وطقوسهم، ومن هنا نشأت دائرة الانفصام بين الدين والدنيا عندهم، واعتقدوا بذلك أن سبب كل تخلف عن ركب المدنية والحضارة، إنما منشأوه من التدين والدين، فصارت العلمانية والتمرد على القيم والانفتاح المنفلت هي شعارات التقدم والرقي للمدنية المزعومة، ومن ثم تعامل هؤلاء مع المنهج السلفي الإسلامي بنفس المعطيات والآفات، فحكموا عليها وعلى أتباعها وأنصارها، والداعين إليها بأنهم من الذين يريدون عودة العالم من جديد إلى عصور الظلام والجهل والتخلف، فوسموها بالتخلف والرجعية والتأخر عن مواكبة مستجدات الواقع المعاصر، مع أن السلفية الإسلامية هي عدو للتخلف والتأخر والرجعية، كما أنها أساس وعماد للحضارة الإسلامية طيلة عشرة قرون متتالية، وستظل هكذا بأمر الله وحده.
ولم يقفوا عند هذا التغريب بل تعدى ذلك إلى إيجاد مدرسة أخرى من بين هؤلاء المسلمين، تحمل سمومهم وأفكارهم وحقدهم على هذا الدين، وأضفوا عليهم ألقاباً زائفة ليوهموا السائرين في ركابهم أنهم ” المثقفون، والمتقدمون، والتنويرون، والتطويريون، والنخبة “، إلى غير ذلك من أنواع النفخ والتكبير الذي لا يعدوا نفح الكرة بشيء من الهواء المعبأ، فرجعوا إلى بلدانهم حاملين لكل تغريب وغريب، ووقفوا أما دعوة الإسلام تأويلاً وتعطيلاً وتجهيلاً، فخرج منهم الكتاب والأدباء والمثقفون، الذي حملوا على الشريعة الإسلامية بالهدم للثوابت والأصول، والاتهام بأنها قاصرة عن مواكبة مسيرة الحضارة العالمية المسرعة في التقدم والمدنية، بل وعملوا على إحياء وتمجيد كل خبيث وماضٍ من التراث الفرعوني والإغريقي والروماني والوثني، وإحياء النعرات القومية والوطنية والحزبية، التي لا تزيد في أمة الإسلام إلا تفرقاً وشتاتاً، واحتراقاً من لفح الجاهلية الغربية المعاصرة منها والبائدة على طول التاريخ.
ومن هنا وقفت المدرستان العقلية والتغريبية موقف العداء الصارخ لدعوة الإسلام عموماً، المتمثلة في السلفية خصوصاً دون غيرها من سائر الدعوات والحركات الدعوية المعاصرة إلا ما ظهر منها، وتولد من كل هذا أجيال وأجيال، أصابها الخور والوهن وحب التقليد الأعمى لكل دخيل ومستغرب، ولو كان يتنافي بوضوح ودلائل وبراهين مع مسلمات وأصول الشريعة الإسلامية، هذا من حيث العداء للمنهج والإسلام.
*المخالفون للمنهج السلفي:-
أما من حيث المخالفة للمنهج السلفي في طرائق العمل الدعوي ووسائله وطبيعته ومنهجه، فيدخل في ذلك الجماعات الدعوية المعاصرة، والتي تحتسب غالباً في الصف الإسلامي بجميع مناهجها وتصوراتها، واتفاقها جملة على نصرة الإسلام، والسعي الحثيث لإقامة خلافته الراشدة من جديد، والمعادون للإسلام ودعوته يقفون منها كلها موقف العداء الصراح والخوف من توجهاتها وأهدافها، وهم لا يفرقون حقيقة الأمر بين الموافق منها للمنهج الإسلامي والمخالف في كثير أو قليل، فهي عندهم تمثل المشروع الإسلامي برمته، والمتأمل لواقع هذه التوجهات الدعوية والتجمعات يظهر له وجوهاً كثيرة مختلفة في طبيعة العمل والدعوة للإسلام حيث وجود الاختلافات السائغة وغير السائغة، والبدع والخلط بين الحق والباطل، والتي رجعت على جهود كثيرة من العاملين للإسلام بنوع من التردي أحياناً، والتناحر والتشاحن أحياناً أخرى، وأيضاً التفسيق والتبديع والتكفير مرات ومرات، لماذا…؟؟ لأن جل هذه الدعوات والحركات لم تتخذ من المسلّمة الشرعية ألا وهي: اتباع منهج الصحابة والسلف وتعاملهم مع نصوص الشرع من الكتاب والسنة، لم تتخذها طريقاً لبناء عمل دعوي صحيح، فوقفوا عند حبهم للصحابة والسلف رضي الله عنهم، واكتفى هؤلاء بالثناء والترضي عليهم، ولا بأس بالاستدلال ببعض فتاويهم ومواقفهم التي توافق ولا ريب كثيراً مما ذهبوا إليه، وربما عابوا كثيراً على إخوانهم المخالفين لهم المتبعين لمنهج السلف قولاً وعملاً واعتقاداً، وقالوا بقصور نظرهم وضيق أفقهم، عن إدراك الشمولية والوسطية لحقائق هذا الدين الكبير، ولبعدهم أيضاً عن معترك الفكر والسياسة الواقعية، ومن هنا فلديهم قصور في النظر، وضحالة في الفهم، وضيق في الأفق، وحقيقة الأمر أنهم أخطأوا الطريق إلى الحق بهذا القول والتصور الذي خالط عقولهم ومنهجهم، لأن الخلط بين المنهج شيء، وبين تطبيق المنهج من حملته شيء آخر، نعم قد يقع الخطأ وتزل القدم، من بعض أناس يحسبون على الدعوة وهم في الحقيقة ثقل عليها، وهذا واقع عندهم وعند غيرهم، ثانياً: أن الاعتبار الذي ينبني عليه المنهج والعمل إنما يكون بصحة المنهج وسلامته اعتقاداً وتصوراً وسلوكاً، فلا اعتبار في الشرع للأفراد بدون ما يحملونه من مناهج ومعتقدات تحملهم على الحركة والبذل والدعوة والعمل، فإذا صح المنهج وسلم المعتقد، ننظر إلى سلوك العاملين ومدى توافقه مع ما يحملون من مناهج ومعتقدات وتصورات عن طبيعة العمل الدعوي أو غيره. ثم أمر ثالث أكدنا عليه بأدلته الواضحة البينة لكل أحد بما سبق: أن حب الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يقتضي ذلك متابعتهم والسير على طريقتهم ومنهجهم في التلقي الفريد، والتعامل الصحيح مع هذا الدين وعقيدته وشريعته، هذا بمقتضي الحب والموالاة لهم، أما بمقتضي الشرع فقد أوجب الله ورسوله ذلك إيجاباً بالأمر البين في كتابه وسنة رسوله، بوجوب اتباعهم والأخذ عنهم وعدم المخالفة لهم في شيء مما شرع الله تعالى ورسوله، إلا ما كان من قبيل ما يجد من أحكام ومعاملات تتزل عليها الأحكام الشرعية وفق منهجهم ومذهبهم، لأن الشرع لا يتعارض مع ما يجد من وسائل ومستحدثات في أمور الحياة البشرية كما توهم ما لا بصيرة عنده بالشريعة وأصولها، ولا يقف منها موقف المعارضة والمباينة إلا إن تحقق بها إفساد وإخلال يرجع على مسائل الشريعة وأعراف وأخلاق الأمة ومعتقدها ودينها، ولا حاجة لي هنا أن أعيد ذكر الأدلة في ذلك لأنها أشهر من أن تذكر، إنما الإشكال، في حقيقة الاستجابة لله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته وأصحابه فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، لأن المسلم المتبع حقاً، المتسنن باتباع الهدي والسنة، لا يخالف في ذلك، بل يسلم ويذعن، ويرضى ويؤمن كما قال تعالى:” وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً “، فدلت الآية على وجوب متابعة سبيل المؤمنين والحذر من الوقوع في الوعيد لمخالفة هذا السبيل الذي سلكوه، وكما ذكرت كتب اللغة والتفسير أن السبيل هو الطريق، وأن أول المؤمنين الذين سلكوا طريق الإيمان والمتابعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم هم الصحابة رضي الله عنهم، فهم أول من عرف الإيمان والتسليم وكذلك السمع والطاعة وكذلك أيضاً الاتباع للأثر،ولهذا جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم الميزان الحق حين وقوع الفتن والافتراق في أمته كما جاء في الحديث المحفوظ المشهور حديث الافتراق الذي وقعت فيه الأمم، والذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة” قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: “من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي” وفي بعض الروايات: “هي الجماعة” رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.، وكذلك قوله تعالى:” َلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما “.
فالمقصود إذاً أن المعادين والمخالفين لمنهج ومذهب السلف، وقعوا في كثير من المخالفات الشرعية الخطيرة والكبيرة مع تفاضل بينهم فيما وقعوا فيه، وكل بحسبه إلا أصحاب المناهج المستغربة والعلمانية والشيوعية الملحدة، فهؤلاء ولا ريب ليسوا على شيء، والمتأمل في واقعنا المعاصر اليوم يعلم يقيناً أن جل هذه المناهج أو كلها لن تنصر ديناً، ولن تعيد مجداً مسلوباً، ولا حقاً مغصوباً، ولن تفلح أن تقيم للإسلام دولة على كتاب وسنة بينين واضحين، يهتدي بهما الناس، ويعيشوا آمنين مطمئنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأقواتهم، ولن تفلح كذلك أن تحارب عدواً يأخذ خيرات أمتنا، وينهب ما تملكه من مقدرات وثروات وكنوز، أو يحتل أرضاً، ويهتك شرفاً، ويذل عزيزاً من المسلمين، كما أنها وفي أفضل أحوالها سيسمح لها بإقامة بعض الشعائر والعبادات، والمشاركة هنا وهنالك في بعض المشاريع السياسية والاقتصادية دون أن تكون هي مالكة زمام الأمر، أو صاحبة القرار المتفرد بالمرجعية التي تريد وتنتمي، وهذا إن وقع فلا ريب أن حل ذلك أمر ميسور لديها بقرار حكومي أو دستوري كما يقولوا هؤلاء، وهذا رأيناه في بلاد الجزائر وتركيا، وكما يحدث بالتزوير في مصر وبعض البلاد الإسلامية الأخرى، وما مشروع حركة حماس في أرض القدس وفلسطين المباركة منا ببعيد، حيث العداء له، والتصدي لسياسته ومرجعيته، فكيف إذا ساد الأمر كل البلاد وفق الشريعة الإسلامية الصحيحة المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفق منهج وفهم السلف الصالح من صدر هذه الأمة المباركة.
إن الواجب الملزم يفرض على كل الدعاة إلى الله تعالى وإلى شريعة الإسلام، أن يلزموا ما كان عليه السابقون الأولون من الصحابة والتابعين من مسائل الاعتقاد والمنهج والعبادة والسلوك في شتى شؤون الحياة الإسلامية كلها، لأن اتباعهم فيه السعادة والهدى، وفيه العز والسيادة والتمكين، فهم مكنوا في الأرض بهذا المنهج، وحكموا العالم وفتحوا البلاد، ودونوا الدواوين، واستخدموا العمال، وبنوا الحضارة في كل ميادين الحياة والعلوم، في حين أن أوروبا وغيرها كانت تعج في ظلمات الكفر والشرك من جانب، وظلمات التخلف المدني والإنساني من جانب آخر، فمن الظلم إذاً أن يوصم أصحاب هذا المنهج بأنهم لا يحسنون قيادة العالم ولا فقه الواقع، ولا يفقهون من شؤون الحياة والاقتصاد إلا ما يفقه العوام.
إن المنهج السلفي طريق للتمكين الإسلامي، لأنه منهج رباني فريد، ومنظومة شاملة كاملة في جميع الحياة البشرية عقيدة، وعبادة، وأخلاقاً، ونظماً: اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، إنه منهج شامل لأنه من عند الله وحده:” ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ” نعم، قد يقع الخطأ والخلل في حملته لأنهم بشر، لكنه يظل المنهج الرباني المعصوم، الذي يجمع بين الأصالة والثوابت، وبين التغيرات والمستحدثات وفق منهج الله وشريعته.

*******************************************

الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (3/4)

(قيام المجتمع الإسلامي بواجباته الشرعية)

ينبغي على المجتمع المسلم أن يقوم بدوره في بناء جيل التمكين، وأن يساهم بدوره في مسيرة الدعوة الإسلامية، ولا يقف موقف المشاهد أو المتخاذل، فلا يقدم شيئاً ولا يؤخر، وقد بين الله تعالى لنا أن بني إسرائيل لما تخاذلوا عن القيام بأعباء الشريعة، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي المنكر، حل بهم عقاب الله ولعنته وغضبه كما قال عز وجل:” كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ “(المائدة79)، لقد حق عقاب الله عليهم لأنهم أهملوا الوجبات التي تصون مجتمعهم من الانحراف والضياع، وتقودهم إلى الخير والرشاد.

فيجب على أمة الدعوة والهدى أن تقوم بواجبها الذي رسمه الله تعالى لها قال تعالى:”وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ، وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”(آل عمران: 104-110).

فهذه الآيات تبين للمجتمع المسلم ما يجب عليه تجاه دينه ونفسه، صيانة له وأماناً، لأن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحصل بها من الخير والصيانة للمجتمع المسلم الخير الكثير.ومن هنا جاءت الشريعة بها حتى في طرقات المسلمين العامة، وتوجب فيها عدم التغاضي عن هذه الفريضة.

والمتأمل في السنة النبوية يرى ذلك كما جاء في الحديث عند الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما:عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم والجلوس في الطرقات” فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه” قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: “غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر”.لأن المعروف دلالة على كل خير، وإرشاد لكل بر، والمعروف هو كل ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم من الخير والبر والتقوى، فالمسلم في طريقه لا يكون إمعة لا يدل الناس على الخير وما فيه الصلاح والهداية لهم، وإنما يرشد ويعلم ويحث الناس عليه، فإذا وجد مسجداً يحتاج إلى تمام بناء أو ما شابه ذلك حثهم وأمرهم بالصدقة، أو إذا وجد فقيراً محتاجاً أو مريضاً أو كبير السن فإنه يأمرهم بذلك الخير وإن استطاع هو فليكن أول فاعل لذلك الخير ليكون قدوة للناس وإماما لهم إلى الجنة ورضوان الله تعالى. لأن الأمر بالمعروف من أجل فرائض الإسلام التي تناسها كثير من الناس اليوم إلا من رحم الله تعالى، فبها قام الإسلام، وهى خيرية هذه الأمة دون غيرها من الأمم “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله “.

أما النهي عن المنكر:فالمنكر والمحرم كل نهي نهانا عنه الله ورسوله، وجاءت الشريعة بتحريمه والوعيد عليه، وكما قلنا أننا جميعاً في سفينة واحدة فإن غرقت غرق الجميع، فالمسلم ليس بالفاقد للبصيرة، وليس بالمتغابي عن الواجبات والمنكرات والحرمات، يهز كتفيه للمنكر ثم يقول أمر لا يعنيني فلم أتدخل فيه، هذا ولا ريب نوع من السلبية القاتلة التي يكون آخرها عقاب وغضب من الله تعالى، ولن يلحق شخص بعينه بل على كل المجتمع يقع العقاب، وترك النهى عن الشيء المنكر والمحرم من أنقص صفات بني إسرائيل التي ذكرها الله تعالى لنا في القرآن، حتى نأخذ الدرس والعبرة منهم “كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون”.

إن المجتمع الغربي والأوربي وغيره من المجتمعات الكافرة، لا تلتفت كثيراً إلى شيء من هذه المنكرات أو تعبأ بوقوعها، إلا فيما كان عائداً لهم بشيء من مصالح الدنيا الفانية الرخيصة، فهم لا ينكرون منكراً ولا يعرفون معروفاً إلا بقايا ورثوها وتناسوها على طول الزمان، فجل شوارعهم تحولت إلى دور سينيما، وملاهي ليلية، ذات اليمين وذات الشمال، ومواقعة للفاحشة اللهم إلا خشية ملاحقة القانون الذي لا يردعهم ولا يهذب نفوسهم وأخلاقهم.

وطرقات المسلمين اليوم قد وقعت فيها كثير من مخالفات الشريعة وتعدي حرمات الله تعالى من الغش في البيع والشراء، والظلم،…وتبرج النساء والعري والتهتك المائع الرخيص،…وانتشار المقاهي ودور السينيما وعلوا الأصوات بالغناء والفحش من القول والبذئ منه … وغير ذلك.

فالمسلمون يجب عليهم في حياتهم عامة، وفي طرقهم خاصة النهي عن كل ما يغضب الله تعالى، ويخالف شريعته وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا يشارك الناس بعضهم بعضاً في معاصيهم ومحرماتهم.

بل الواجب على المسلم أن ينهي ويأمر ويرشد ويعلم …ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والأسلوب المهذب المقبول للنفوس، حتى لا يفسد من حيث يريد الإصلاح، أو يهدم من حيث يريد البناء، فالأمر بالمعروف إنما يكون بالمعروف، والنهي عن المنكر إنما يكون بغير منكر.

وهذا أمر جاء به القرآن وجاءت به السنة النبوية ويحتاج إلى مزيد بيان وبسط في موضع آخر، والحديث جمع آداباً جليلة حقاً لو استقام المسلمون عليها لرأينا مجتمعاً راقياً في أخلاقه، عالياً في آدابه، آمنا في معاملاته، …لأنه أقام شريعة الله تعالى فيما أراد الله له.

كما يجب على المجتمع الإسلامي ألا يرضي أن يحكم حياته وأوضاعه القوانين الغربية الكافرة، بل على المجتمع أن يعلن في كل موقف رفضه لهذه القوانين التي هي من صنع البشر، وليست من منهج الله، والتي تبعده عن منهج القرآن والسنة، الذي ضمن الله لنا السعادة في الدنيا والآخرة.

فالإسلام عقيدة وشريعة، وأي تجزئة بينهما تعني كفر بهذا المنهج الرباني كما قال تعالى: ” أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ “(البقرة85). فعلينا أن نعتز بهذا الدين، وأن نعتصم بحبله قال تعالى: ” وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ “(الحج78). هذا واجب المجتمع الإسلامي الذي يسعى للنصر والتمكين، ويسعي لرضى الله تعالى والسعادة في الدنيا والآخرة.

*************************************

الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين(4/4)

(قيام العلماء والدعاة بواجبهم وتوحيد الصف المسلم)

نستطيع هنا بداية أن نقف مع مكانة العلماء والدعاة ودورهم الكبير في توحيد الصف المسلم،وبناء جيل التمكين الإسلامي بالوحدة على منهج السلف الصالح، بإيجاز في نقاط سريعة :

– إن العلماء ورثة الأنبياء ، ورثوا العلم والدعوة ، وورثوا الصلاح والهدى ، ولا يمكن للأمة أن تتحرك بدون علمائها ومشورتهم وقولهم، وكم رأينا ثبات الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله أمام فتنة القول بخلق القرآن ، وأمام علماء السوء الذي زجوا به وبأمثاله من أهل العلم إليها ، ومع ذلك صبر على هذه الفتنة العمياء ، لأنه لو زل وهو صاحب الكلمة الصواب ، والرأي المسموع، لزل خلفه عالم كثير ، فالعالم دوره كبير في نصرة الحق، وخدمة الدعوة، والحركة لها ، وكم وقف العلماء في وجه الطغيان ، ينصرون الحق ، ويجاهدون في سبيل الله تعالى ، والتاريخ مملوء بذكر آثارهم وثمار صدقهم وجهادهم .

لقد رفع الله تعالى من منزلة العلماء كما قال تعالى: ” يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ” وقال تعالى:” هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وبين أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى فقد قال جل شأنه :” إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء” ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الاستزادة من شيء إلا العلم قال تعالى:”وقل ربي زدني علما ” واستشهد بهم سبحانه في أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال تعالى :” شهد الله أنّه لا أله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط “، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:

أحدها:استشهادهم دون غيرهم من البشر.

والثاني:اقتران شهادتهم بشهادته .

والثالث:اقتران شهادتهم بشهادة ملائكته .

والرابع:أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإنّ الله تعالى لا يستشهد من خلقه إلا العدول.

والأحاديث الشريفة طافحة بذكر فضل العلم وبيان فضل العلماء نذكر منها حديث معاوية : ” من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ” متفق عليه ، ومنها حديث أبي هريرة : ” ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة” رواه مسلم ، ومنه حديث أبي أمامة : ” فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ” ثم قال صلى الله عليه وسلم ” إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير” رواه الترمذي .

فالآيات والأحاديث تبين فضل العلماء وخطورة القدح فيهم لأن لحومهم مسمومة فمن تكلم فيهم فقد هلك بتعريضه نفسه لغضب الله تعالى ففي الحديث القدسي :” من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ….”الحديث. رواه البخاري، والعلماء بلا شك من أولياء الله تعالى ، قال الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة : وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.

– فالواجب على العالم الذي حمل أمانة العلم والدعوة ألا يركن إلى زهرة الدنيا ، ويجعل الدعوة جانباً مهملاً في حياته ، كلا ، بل عليه أن يكون رحالة سائحًا في محلات مدينته, ومدن قطره, يبلغ دعوة الإسلام.

انظر مثلاً كيف كانت رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام , وتبشر به, ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة , ألا ترى أن الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام , فلما أخبره بها وقال: “لا أزيد عليهن ولا أنقص” كيف كان قد بدأ سؤاله بأن قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا محمد, أتانا رسولك, فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ ” رواه مسلم. أتاهم رسوله داعيًا, وكذلك الناس تُؤتى , ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية , ولو فصلت كلمة هذا الأعرابي لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لقوم هذا, وكيف فارق أهله وبيته وأولاده, وكيف اجتاز المفاوز وصحراء من بعد صحراء، وكيف تعرض للمخاطر والحر أو البرد, ليبلغ دعوة الإسلام.

وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها, لابد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح وتكلم وزعم, ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة, فافقه سيرة سلفك وقلدهم, تصل, وإلا, فراوح في مكانك، فإنك لن تبرحه… ويروي لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي, أن رجالاً “خرجوا من الكوفة, ونزلوا قريبًا يتعبدون, فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود, فأتاهم ، ففرحوا بمجيئه إليهم , فقال لهم : ما حملكم على ما صنعتم ؟ قالو: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد , فقال عبد الله : لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا”.

“كان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق, أو اتباع للأمر, سأل عنه, وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة, وأحب أن يعرف أحواله”. لم يكن بالمنعزل المتواري الهارب من الناس, فالداعية يفتش عن الناس، ويبحث عنهم, ويسأل عن أخبارهم, ويرحل للقائهم, ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم, ومن انتظر مجئ الناس إليه في مسجده أو بيته, فإن الأيام تبقيه وحيدًا, ويتعلم فن التثاؤب .

قالوا في التعريف بموسى بن حزام شيخ البخاري والترمذي: “إنه كان ثقة صالحًا, لكنه كان في أول أمره ينتحل الإرجاء, ثم أعانه الله تعالى بأحمد بن حنبل، فانتحل السنة, وذب عنها, وقمع من خالفها, مع لزوم الدين, حتى مات” ( ).

– ولكن نرى على الجانب الآخر ممن لا يريدون لدعوة الإسلام أن تسمع ، ولا أن يهتدي إليها الناس ، يقفون موقف التنقيص والتشويه وإثارة الشبهات ، حول هذه الكواكب المنيرة ، والنجوم الزاهر ، ورثة ميراث النبوة ، وحملة راية العلم والإصلاح ، ويقولون هؤلاء العلماء لا يصلحون لشيء من السياسات ، ولا يعيشون إلا مع الكتب والأوراق ، ولا يعلمون أحداث الواقع ، ولا يفقهون الدوامات السياسية ولا الاقتصادية ، فهم مع أنفسهم وكتبهم ، وبين أطباق الطعام يتنقلون ، وفريق آخر ينظر إليهم بعين السخط والبغض ، لأنهم صاروا من المقربين إلى ذوي الملك والسلطان ، وصارت فتاواهم وأقوالهم توافق هوى الحكام والساسة . وهؤلاء العلمانيون والمنافقون يأتون كل يوم بالشبهات حول الدعاة إلى الله تعالى ، وأنهم أصحاب دنيا وشهرة ، وأنهم لا يجيدون إلا لغة الصياح على المنابر ، في حين أنهم يرون أنفسهم من المثقفين والمتنورين غير ذلك ، فتلك النظرات والاتجاهات من الاتجاهات ساهمت كثيراً في تشويه صورة ومكانة أهل العلم ، إضافة إلى المنتسبين إليهم دون فهم ولا علم ولا بصيرة .

ولكن كل هذا ينبغي أن يطرح جانباً ، لأن جل هؤلاء لا يمثلون شيئاً من حجم الدعاة والعلماء الربانيين والصادقين ، السائرين على منهاج العلم والنبوة ، نعم هناك أخطاء وزلات ، نعم هناك أهواء وهفوات ، نعم هناك جهل وتقصير ، نعم هناك حب الجاه والسلطان ، ولكن هذا لا يعني تعميم الأحكام ، ولا تضييع المكانة السامية لأهل العلم التي رفعهم إليها ربنا سبحانه وتعالى .

إن الأمة تقع في الضلال والفتن والبدع إذا لم يقودها العلماء الربانيون ، إن الأمة تخنع للطغاة والظالمين إذا لم يصدع العلماء والدعاة بكلمة الحق في وجوه الطغاة والظالمين ، إن الأمة تموت وتفنى يوم أن يُحقر العلم وحملته ودعاة الحق ، وكم قرأنا وأدركنا مكانتهم يوم أن جاء التتار بالدمار ، ويوم أن جاء الصليبيون بخيولهم وأذنابهم ، وتصدى العلماء وقالوا كلمة الحق ، وحثوا الناس على رفع رايات الجهاد في سبيل الله تعالى ، واسترداد مقدسات المسلمين .

وهل وقف اليوم بأمر الله تعالى وحده في وجه الطغيان الصليبي الغربي والصهيوني على العالم العربي والإسلامي إلا العلماء والدعاة إلى الله ، لقد أذن الله لمسيرة دعوة الإسلام أن تعود من جديد ، ولولا أن الله غالب على أمره ، لضاعت القدس وفلسطين وكل العالم الإسلامي من أول يوم دخل فيه اليهود وغيرهم إلى ديار المسلمين ، فلتجتمع الأمة من جديد حول علمائها ، وليكونوا هم من يقود دفة الدعوة ومسيرتها ، وإلا فلا خير في أمة لا تعرف قدر علمائها ودعاتها .

– بقي لنا توحيد الصف المسلم، وأعني به توحيد جهود العاملين للدعوة ونصرة الإسلام، لأنهم هم المعنيون أولاً وأخيراً؛ لأن جمهور المسلمين اليوم صاروا أتباعاً وجلهم على التقليد، إلا من وقف على شيء من البحث والعلم وأقوال العلماء، فنحن نرى بسبب التفرق والوقوع في دائرة الاختلاف السائغ وغير السائغ، متابعة للجماهير بحسب ما غلب عليه الظن أنه الحق، فترى جمهوراً مع جماعة وآخر مع أخرى وهكذا.

فالمقصود أن يقوم الدعاة والعاملون للإسلام بتوحيد صفوفهم، ونزع الحقدوالحسد والبغضاء من قلوبهم، وأن يقفوا وقفة رجل واحد يريد الحق والإسلام، لأن الاختلاف والتفرق كما نراه الآن أظنه هو العقبة الكبرى أمام إقامة خلافة الإسلام ونصرة المسلمين، لماذا..؟ لأن الحكام والظالمين نعم هم عقبة كبيرة في مسيرة الدعوة والتوحد، لكنها عقبة زائلة بزوال أسباب إيجادها، فالله تعالى ما سلط هؤلاء على الأمة والتحكم فيها إلا يوم أن تحول بأس الأمة فيما بينها ، فصار الاختلاف والتفرق والشحناء والحسد، والتزكية للنفس والمنهج ولو كان على غير سنة، فسلط الله علينا هؤلاء بسبب عدم اتباعنا لكتاب الله وسنة رسوله، وهذا حق لا يماري فيه إنسان فضلاً عن متابع للكتاب والسنة.

كما أن الجماعات والدعوات اليوم كل منها يريد أن يصل أولاً قبل الآخر، بل ويرى نفسه جديراً بالوصول قبل إخوانه العاملين معه، فهو يرى من نفسه صاحب باع طويل في الدعوة، وتجربة كبيرة أيضاً….إلخ.

ومع وجود عقبة الحكام الظالمين كثيراً، لكنها عقبة تذوب وتتلاشى أمام وحدة الصف المسلم، ووحدة الدعاة بصدق وإخلاص للحق وتجرد، كما أمرنا ربنا بقوله تعالى:” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا..الآية”، وكما قال ابن القيم رحمه الله:” لا تظن أن العدو غلب ولكن الحافظ أعرض”.

إن الدعاة والعلماء إذا توحدت جهودهم ودعوتهم، فلن يقف في وجههم شيء بأمر الله ، لأنهم عندها يد واحدة ، ويد الله مع الجماعة، ولأن الجماهير ستكون معهم تؤيدهم وتنصرهم بهذا الدين بحب ومتابعة وشغف للعدل والسلام. ولكن هنا ستظهر أمامنا عقبات كبيرة، إذ كيف تتوحد هذه الدعوات والجماعات، وهي ترى نفسها أجدر وأحق بالتقدم والفهم والقيادة.. وكيف تتوحد وهي ترى نفسها أدق فهما ، وأقدر على فهم واقع الأمة وحدها دون غيرها من الدعوات..بل ولربما ترى نفسها أولى بالخلافة والحكم.

والمتأمل في جل هذه الاختلافات يجدها ترجع بالجملة إلى أمرين:

الأول:الجهل بحقيقة الدعوة وأصولها ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم. وقد تعجب من هذا وتقول:وهل أحد اليوم يجهل حقيقة الدعوة وأصولها، بعد هذا التعدد الدعوي والفكري واختلافاته، والجواب نعم.؟ لأننا بينا وأشرنا وأكدنا مراراً ، على أصل كبير في طريق الدعوة الإسلامية، أكثر الدعاة والعاملين اليوم لا يلتفتون إليه مع أنه من أجل الأصول وأكبرها، وهو الأصل الوحيد بعد الكتاب والسنة الذي لو حققته الجماعات والدعوات ، لرفع محل الخلاف والشقاق والنزاع بينهم، ولتوحدت صفوفهم، هذا الأصل يكمن في متابعة الصحابة والسلف الأول قبل كل شيء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك بقوله:” فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً..ثم قال.فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين..الحديث” وقوله أيضاً:” الجماعة ما أنا عليه وأصحابي”.

نعم فإن منهج السلف هذا هو الإسلام بصفائه وشموله..وما الجماعات الدعوية العاملة اليوم إلا دعاة إلى هذا المنهج..فلا يظنن ظان أن دعوته بديلاً عن منهج السلف أو مغايرة له..كلا، إنما الواجب أن تكون كل الدعوات إلى هذا المنهج فحسب.

فاختلاف الدعاة الآن في صورة فهمهم لمنهج السلف وطرق تطبيقه، فمن هنا يزعم كل فريق الصواب والمتابعة دون غيره، مع قرب أو بعد، في صحة هذه المتابعة أو خطأها.

فالدعوات السائدة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن منهج السلف، وإنما يجب أن تكون إليه لا إلى غيره ولا إلى نفسها، هذا هو الذي تخبطت فيه بعض الدعوات اليوم.، ولم تقف على حقيقة المتابعة لهذا المنهج. ومن جهل هذا الأصل الكبير فإن في دعوته قصور وخلل، أولاً لما أشرنا إليه، وثانياً لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا عند وقوع الاختلاف والتفرق في الأمة، وخروج الفرق النارية كذلك أن نلزم جماعة المسلمين التي وصفها بقوله:” الجماعة ما أنا عليه وأصحابي”. فالمتأمل ببصيرة وفهم، يعلم جيداً الطريق الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته عند وقوع الافتراق والاختلاف.

ولست إلى اليوم أدري..لماذا يختلف العاملون في الدعوة ومنهجها، وقد بينه الرسول هنا أشد بيان..؟؟ لعلي أقول إذاً إنه اتباع الهوى ، ومجاراة النفوس على التحزب البغيض، والموالاة لغير الكتاب والسنة، ولكن نحسن الظن بإخواننا إن شاء الله.

الثاني:اتباع الهوى مع بعض العلم المجاري لهذا الهوى في القلب، فهذه العقبة الخطيرة من أعظم التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية في هذه الظروف الحرجة ، وما يقع من فصائل العمل الإسلامي خير شاهد على ما نقول ، وهذا واقع مر لا يغفل عنه إلا من حبس نفسه في مكتب مكيف أو جلس يُنَّظرُ للحركة من برج عاجي !! فما زلنا نرى من أبناء الحركة الإسلامية من إذا تكلم عن جماعته التي ينتمي إليها ويدعو لها تغاضى عن جميع أخطائها ولو بُين له ذلك بالدليل من القرآن والسنة الصحيحة، وعارض نور الضُحى بنور السُّهى وظل يبرر ويبرر حتى تصل أخيراً هذا الأخطاء – أحياناً – إلى محاسن!

فجماعته هي جماعة المسلمين ، وهى وحدها التي على الحق وما عداها من الجماعات فهي على الباطل ، وكل ما تفعله جماعته فهو شرعي وكل ما يصدر عنها فهو الصواب ، وكل تاريخها أمجاد ، وكل رجالها وقادتها ملائكة !! فإن تحدث عن شيخه أو أميره في الجماعة ، بالغ مبالغة كبيرة ، فشيخه هو الأوسع علماً ، والأقوى حُجة ، والأنصع دليلاً ، وإن قال شيخه قولاً صار حجةً لا ينبغي أن تناقش ، وإن أفتى شيخه فتوى صارت مُلزمةً لا ينبغي أن تُرد ، بل وقد يوالى ويعادى إخوانه عليها ، علماً بأن الله تعالى ما تعبدنا بقول فلان أو فلان من العلماء والأئمة كلا، إنما تعبدنا بما جاء في القرآن الكريم وما صح عن رسوله الأمين ? وكل عالم أو إمام يؤخذ منه ويُرد عليه إلا المعصوم ، فهو وحده الذي يؤخذ منه ولا يرد عليه ، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحىُ يوحى، ومن أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية – طيب الله ثراه – قوله: “وصاحبُ الهوى يُعميه الهوى ويصمٍّه ، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ، ولا يطلبه ولا يرضاه بهواه ، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السَّنة ، وأنه الحق ، وهو الدين ، فإذا قدر أن الذي معه ، هو الحق المحض دين الإسلام ، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ، ليُعظم هو ويثنى عليه ، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً ، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله ، ولم يكن مجاهداً في سبيل الله فكيف إذا كان الذي يَّدعى الحق والسنة هو كنظيره ، ومعه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة ؟! ” وهذه العقبة الخطيرة – اتباع الهوى – تحتاج من الدعاة إلى صبر طويل وإلى جهاد مرير لهوى النفس وشهواتها والاستعلاء على رغباتها طاعة لله وطمعاً في رضاه وهذا لا يكون إلا بالتجرد والإخلاص والعمل ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ، بغض النظر على لسان من أُعلنت كلمةُ الحق ما دامت كلمةُ الحق ستقال ، وبغض النظر عن من الذي سيرفع راية الإسلام ما دامت راية الإسلام ستظل مرفوعة خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء ، وبغض النظر عن مكاننا على طريق الدعوة هل هو في مكان الصدارة والقيادة أم هو في المؤخرة بين صفوف الجنود ما دام عملنا على طول الطريق خالصاً لله جل وعلا. ( )

فالمقصود:أن هذين الأمرين:الجهل واتباع الهوى هما أشد العقبات على تنوعها، أما توحيد الصف المسلم لمواجهة الطغاة والظالمين في الداخل والخارج، فطريق النجاة وتوحيد الأمة والدعاة يرجع بعد كل هذا إلى:

1- رفع الجهل من النفوس والمناهج بحقيقة الدعوة وأصولها وفق الكتاب والسنة، ومتابعة أهل العلم في بيان ذلك.

2- الاتفاق على أن منهج السلف هو المنهج الإسلامي الوحيد الذي يحتوى في أصوله ومبادئه، أصول توحيد الأمة والصف المسلم، كما أنه يدعى إليه لا إلى غيره . فنحن ندعوا إلى الأصيل لا إلى البديل عنه، وكما جاء:” ومن شذ شذ في النار”، فيجب على الأمة اتباعه دون تذبذ أو التواء.

3- التجرد والإخلاص ، وترك متابعة الأهواء والنفوس والمناهج التي تخالف الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.

4- توحيد الهدف والغاية من كل هذه الدعوات، بأن يكون تحكيم شريعة الله في الأرض ، وتعبيد الناس لهذا الشرع الذي هو تعبيد لهم لله وحده دون من سواه من البشر والقوانين والطواغيت.

5- ثم تربية الجيل المؤمن على ذلك، وكما أشرنا من قبل، عندها لن يتأخر وعد الله لنا بالنصر والتأييد والتمكين كما قال تعالى:” إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

المصدر: شبكة القلم الفكرية
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s