By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

🌻🌻🌻فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ🌻🌻🌻
الشيخ عادل الكلباني
قال الله تعالى:

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ }.

قال: (فَبِهُدَاهُمُ)، ولم يقل: (فبهم)، فيه إشارة إلى أن الاقتداء يكون بالمنهج لا بالأشخاص.!!

كثر تناقل هذا القول في تويتر، والرسائل النصية، وبينت خطأه مرارا هناك، وأفرده في مقالي هذا لزيادة البيان والإيضاح.

وأنبه أولا على أن :

التدبر للقرآن قد رفعت رايته في السنين القليلة الماضية حتى بلغ حد التعسف في الإشارة،

وأدى إلى الخطأ الواضح،

ومن أسباب ذلك والله تعالى أعلم نزع الآية، أو الآيات من سياقها، ومحاولة فهمها من دون الرجوع إلى معناها تفسيرا، وإفراد دلالتها مجردة منه.

ومن أهم أسباب ذلك هو وجود الفكرة قبل النظر في القرآن،

ومن ثم البحث عن آية أو آيات يفهم منها ولو من بعيد ما أصله المتدبر من قبل.

وأما خطأ الاستنتاج هنا فهو نتيجة عدم الجمع بين الآيات،

وعدم النظر في منهج القرآن في التقرير ودقته في الخطاب.

وإنما قال في الآية هنا:

(فَبِهُدَاهُمُ) لأن المخاطب هو النبي الموحى إليه بشريعة غراء مهيمنة على ما سبقها، صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي لا يؤمر باتباع نبي، وحين ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان لا ينقض نزوله ختم النبوة بحبيبنا صلى الله عليه وآله وسلم، ذلكم أنه يأتي تبعا له وليس مصدقا له.

ولو أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع من سبقه لما كان له مزية عنهم بل لكان من أتباعهم لا من أقرانهم بله أن يكون أفضلهم وأشرفهم.

ويزيد القول وضوحا قوله في موضع آخر:

{ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } في وقت قال إبراهيم عليه السلام:

{ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } فتأمل.

وقال تعالى:

{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } فهو مأمور باتباع ⏪🚥⏪الشريعة والمنهج لا الأشخاص🚫 لمكانته ونبوته، فتأمل.🚥

وكيف يؤمر باتباع الأنبياء والأنبياء هم الذين أمروا بتصديقه واتباعه لو أدركوه

{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}

وفي الحديث :{ والذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني } صححه ابن الجوزي وابن كثير وحسنه الألباني.

فالآية إذا جاءت على الأصل، والفهم يصح القول به في حقه صلى الله عليه وآله وسلم فقط، لا في حق من سواه، قال الألوسي:

وفي أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بهديهم دون الاقتداء بهم ما لا يخفى من الإشارة إلى علو مقامه صلى الله عليه وسلم، عند أرباب الذوق. اه.

فالخطأ هو تعميم النص على عدم وجوب اتباع الأشخاص، والآيات كثيرة في رد هذا القول كما قال جل في علاه:

{ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } فنص على الأمر باتباعه لا باتباع منهجه وشريعته.

وقال تعالى:

{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }

⏪فالأسوة به وفيه، ⏩ومنه يعرف المنهج وتؤخذ الأحكام.

وهذا ما قرره تعالى في قوله:

{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ، وفي الحديث

(ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة).

وليس هذا فحسب بل كل نبي ومصلح يدعو الناس إلى اتباعه، كما قال الذي آمن من قوم فرعون:

{ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} وقال هارون لبني إسرائيل بعد اتخاذهم العجل:

{ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} .

وأخال هذا كافيا في بيان المراد، فاستلال الدلالة على عدم اتباع الأشخاص من الآية لا يصح،

بل النهي عن اتباع الأشخاص غير صحيح أيضا،

وفي الحديث (من دعا إلى هدًى، كان له من الأجرِ مثلُ أجورِ من تبِعه، لا يُنقِصُ ذلك من أجورِهم شيئًا) ويثبت ذلك قوله جل وعلا:

{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } فقال: (اتَّبَعُوهُم) ولم يقل اتبعوا منهجهم، فاتباع دعاة الخير والهداية واجب شرعا وعقلا.

 

Advertisements

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

الهدي النبوي في الخطبة
أيها الإخوة الأفاضل رواد المنابر وفرسانها، حري بنا ونحن نردد كل جمعة: وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، أن نكون أول من يتأسى به في كل كبيرة وصغيرة، سيما خطبة الجمعة. والنقاط التي بين يديك تذكرة مختصرة قطفها إخوانك في المنبر من “زاد المعاد من هدي خير العباد” لابن القيم، بتصرف وزيادات يسيرة (1/ 186-191 و 364-440)

كان صلى الله عليه وسلم ينتظر اجتماع الناس، ثم يخرج إليهم ويسلم.
ثم يتوجه إلى المنبر، وكان منبره ثلاث درجات.
وكان في جانب المسجد الغربي قريباً من الحائظ.
فإذا صعد المنبر استقبل الناس وسلّم عليهم.
ثم يجلس فيشرع بلال في الأذان.
فإذا فرغ بلال من الأذان شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل (أي بين الأذان والخطبة).
فيقوم ويستقبل الناس بوجهه.
ويستفتح الخطبة بحمد الله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله.
ويتشهد فيها بكلمة الشهادة، ويشير بالسبابة.
ويقول: أما بعد.
وكانت تحمرّ عيناه.
ويعلو صوته.
ويشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.
ويكثر من ذكر الله عز وجل.
وينتقي جوامع الكلم.
فيعلمّهم قواعد الإسلام، ويذكر الجنة والنار، ويأمر بتقوى الله تعالى، ويُبيّن موارد غضبه، ومواقع رضاه.
ويخطب أحياناً بالقرآن، فيقرأ سورة (ق) ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم كان يرتلها، على كثرة ما قرأها على المنبر.
وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم.
وكان يأمر وينهى ويعلم أثناء الخطبة إذا عرض ما يقتضي ذلك.
وكان يقطع الخطبة لحاجة تعرض له.
وكان يدعو الرجل باسمه في خطبته.
وكان يشير بالسبابة عند ذكر الله تعالى ودعائه.
ويستسقي إذا قحط المطر, ويرفع يديه.
وكان يختم خطبته بالاستغفار.
فإذا انتهى من الخطبة الأولى جلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية. {ولم يصح أنه كان يخطب خطبتين في غيرخطبة الجمعة، وقياس خطبة العيدين على الجمعة، لا وجه له}.
وكان يُقصر الخطبة غالباً، ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس.
فإذا فرغ من الخطبة الثانية نزل فصلى بالناس.
وكان يطيل الصلاة، فيقرأ بسبّح والغاشية، أو بالجمعة والمنافقون، ولم ينقل عنه أنه قرأ بغير ما ذكر. فتنبه والزم غرزه تهتدي.
فإذا فرغ من الصلاة دخل بيته وصلى ركعتين.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا

كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً :
وهذا القيام مذكور في كتاب الله تبارك وتعالى ، قال الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً إنفضوا اليها وتركوك قائماً .. }1 ، أي على المنبر تخطب ، هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم: أبو العالية، والحسن، وزيد بن أسلم، وقتادة .
وقال ابن كثير : وفي قوله: {وتركوك قائماً} دليل على أن الإمام يخطب قائماً2، وسبب نزول هذه الآية مارواه سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فخرج الناس وبقي إثنا عشر رجلاً، فنزلت {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}3، ورواية مسلم صريحة في قيام النبي صلى الله عليه وسلم : فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فأنتقل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً ، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة {وإذا رأوا تجارة أو لهواً إنفضوا إليها وتركوك قائماً}4 .
وفي لفظ آخر للحديث عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: بينما النبي يخطب يوم الجمعة، وقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لايبقى منكم أحد لسال بكم الوادي النار)) فنزلت هذه الآية {وإذا رأوا تجارة …. الآية}5.
وقد إشتد إنكار السلف على من يخطب قاعداً: فعن أبي عبيدة عن كعب بن عجرة رضي الله عنه : أنه دخل المسجد وعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً ، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقال الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}6 .

1 – سورة الجمعة ، من الآية رقم (11) .
2 – تفسير القرآن العظيم (4/367) .
3 – رواه البخاري (كتاب الجمعة-باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة –1/166)، ومسلم (كتابالجمعة –باب في قوله تعالى (وإذا رأوا) –2/590) عن جابر .
4 – رواه مسلم (كتاب الجمعة-باب في قوله تعالى {واذا رأوا} –2/590} .
5 – حديث صحيح ، رواه أبو يعلي (3/468 ، 469) .
6 – رواه مسلم (كتاب الجمعة-باب في قوله تعالى{ واذا رأوا} –2/591) .

وكان صلى الله عليه وسلم يخطب على منبر:
أصل كلمة (المنبر) : نبر الشيء رفعه ، وبابه (ضرب) ومنه سمي (المنبر) لإرتفاعه7 .
ما قبل إتخاذ المنبر:
كان صلى الله عليه وسلم يخطب مستنداً إلى جذع شجرة قبل أن يتخذ منبراً، ودليل ذلك مارواه البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبدالله قال: ((كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه))8، قال الخطابي رحمه الله تعالى : العشار : الحوامل من الإبل التي قاربت الولادة9 .
كان الحسن رحمه الله تعالى إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عبادالله الخشبة تحن إلى رسول الله شوقاً إليه لمكانه من الله صلى الله عليه وسلم ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه10 .
أصل صنع المنبر ، وصانعه ، ومم صنع :
الأصل في صنع المنبر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بصنعه ، وصنعه له غلام صحابية وصنع من طرفاء الغابة ودليل ذلك: حديث أبي حازم بن دينا: أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد أمتروا في المنبر مم عوده؟ فسألوه عن ذلك ؟ فقال: والله إني لأعرف مماهو، ولقد رأيته أول يوم وضع وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة- امرأة قد سماها سهل- مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها، وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقري فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلموا صلاتي 11.
(والطرفاء) هو الأثل ، نوع من الشجر ، (والغابة) أصلها كل شجرة ملتف والمراد بها هنا: موضع من عوالي المدينة جهة الشام، وقوله الراوي: (فوضعت) أنث لإرادة الأعواد والدرجات، وقوله (فسجد في أصل المنبر) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه 12 .

7 – مختار الصحاح (642) يتصرف .
8 – البخاري (كتاب الجمعة-باب الخطبة على المنبر-2/398) .
9 – أعلام الحديث (1/582) .
10 – رواه أبو يعلي (5/143) .
11 – رواه البخاري (كتاب الجمعة-باب الخطبة على المنبر-2/397) .
12 – فتح الباري (2/399 ، 400) .

عدد درجات المنبر:
منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو ثلاث درجات ، فكان صلى الله عليه وسلم يخطب على الثانية ويجلس على الثالثة ، ودليل ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مطول فيه: ((فصنع له منبر له درجتان ويقعد على الثالثة))13 .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله ….) ، وقال ابن النجار : إستمر على ذلك إلا ما أصلح منه إلى أن أحترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فأحترق ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبراًثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً، فأزيل منبر المظفر، فلم يزل ذلك إلى هذا العصر، فأرسل الملك لمؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبراً جديداً …)14 .

13 – حسن لغيره رواه الدارمي (1/25) وابو يعلي (5/142) وأنظر أخبار مدينة الرسول (ص81) .
14 – فتح الباري(2/399) وأخبار مدينة الرسول (80 – 82) .

التنبيه على مخالفة الناس هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في صنع المنبر:
وهكذا كان منبر الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات يقف رسول الله عليه الصلاة والسلام على درجتين منها، فيخطب الناس، فلم يكن هناك تكلف في صنعه ولامبالغة في إظهاره على خلاف مانراه اليوم من مظاهر التكليف والمباهاة والمبالغة في صنع (المنبر) فنرى منابر مرتفعة بدرجات كثيرةوهذا مع مافيه من مخالفة ماكان عليه منبر رسول الله فيه مشقة على الجالسين حين يرغبون في تطبيق سنة الإلتفاف إلى الإمام بالوجوه كما كانت عادة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .وكذا من الغربة في المنابر تطويلها، حتى يؤدي طولها إلى قطع الصفوف الأولى للمصلين وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((من وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله عز وجل)) 15 .

15 – صحيح ، رواه النسائي (كتاب الإمامة – باب من وصل صفاً – 2/93) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحمرت عيناه،
وعلا صوته، وأشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ، ودليل ذلك : حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خطب أحمرت عيناه وعلا صوته وأشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم..) حديث بطوله16 .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته ويجزل كلامه ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكمل فيه من ترغيب أو ترهيب ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمراً عظيماً، وتحذيره خطباً جسيماً) 17.
( الجزل ) خلاف الركيك18 .
وقال النووي رحمه الله (ويكون مطابقا للفصلً) فيه لفتة مهمة في تفاعل الخطيب مع موضوع الكلام الذي يخطب به، فاذا كان الكلام عن النار وعن الجهاد فهذا يقتضي تفاعلاً ، ورفعاً للصوت وغضباً أكثر من الكلام عن رحمة الله وعن الرجاء وعن الجنة وهكذا ، وقال الأبي رحمه الله : (وهكذا تكون صفة الواعظ مطابقة للذي هو يتكلم فيه، حتى لايأتي بشيء ضده)19 .
16 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب تخفيف الصلاة والخطبة – 2/592 ) .
17 – المنهاج (6/155 ، 156 ) .
18 – لسان العرب (11/109) .
19 – إكمال الكمال المعلم (3/21 ، 22) .

وكان صلى الله عليه وسلم يقبل على الناس بوجهه:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند منبره من الجلوس ، فاذا صعد المنبر إستقبل الناس بوجهه ثم سلم))20، وعن عطاء والشعبي رحمهما الله تعالى قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس ثم قال: السلام عليكم21

20 – رواه الطبراني في الأوسط(2/226/مجمع البحرين) قال الهشمي: وفيه عيسى بن عبدالله الأنصاري وهو ضعيف.المجمع(2/18) ورواه البيهقي (3/205) من طريق عيسى به واللفظ به .
21 – هذا المرسل رواه عبدالرزاق (5281) عن عطاء وفيه عنعنه إبن جريح، وعن الشعبي رواه عبدالرزاق أيضاً (5281) وإبن أبي شيبة (2/114) وفي إسناده مجالد بن سعيد، قال إبن حجر: ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره، التقريب(ص338) .

وكان صلى الله عليه وسلم يتوكأ على عصاً أو قوس:
فعن الحكم بن حزن الكلفي قال: وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة فدخلنا عليه فقلنا يارسول الله زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر – والشأن اذ ذاك دون – فأقمنا بها أياماً ، شهدنا فيه الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام متوكئاً على عصاً أو قوس ، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال: ((أيها الناس إنكم لن تطيقوا – أو لن تفعلوا – كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا))22.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : (وكان الخفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف)23 .

22 – رواه أبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر الألباني ، التلخيص الحبير (2/65) وصحيح أبي داود (1/240) .
23 – زاد المعاد (1/189) .

وكان صلى الله عليه وسلم يشير بأصبع السبابة
فعن حسين بن عبدالرحمن السلمي قال: كنت إلى جانب عمارة بن روبية24 وبشر يخطبنا25، فلما دعا رفع يديه فقال عمارة يعني قبح الله هاتين اليدين – رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا ورفع السبابة وحدها26 .
وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بين أصبعه السبابة والوسطى ففي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه في وصف خطبة رسول الله وفيه : ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى27

24 – عمارة بن روبية الثقفي صحابي جليل رضي الله عنه التجريد (1/395) .
25 – بشر هو ابن مروان الأموي أمير العراقين وأخو عبدالملك بن مروان، وهو المذكور في بيت الأخطل النصراني الذي تستدل به الجهمية على تأويل الاستواء بالإستيلاء وهو قوله :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولادم مهراق
26 – رواه مسلم (2/595) ، وأحمد (4/136) واللفظ له وسنده حسن .
27 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب تخفيف الصلاة والخطبة – 2/592) .

وكان صلى الله عليه وسلم يقطع الخطبة لحاجة :
ومن تلك الحاجات التي عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع الخطبة من أجلها تنبيهه صلى الله عليه وسلم على ضرورة صلاة ركعتين – تحية المسجد – فعن جابر رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أصليت يافلان))؟ قال: لا، قال: ((قم فأركعها))28
والرجل المبهم هنا هو سليك الغطفاني 29 .
والسنة في هاتين الركعتين تخفيفها ، فعن جابر مرفوعاً : ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما))30، ومن تلك الحاجات تعليم العلم لرجل غريب مسافر يفوته التفقه في الدين لو اقتصر على سماع خطبة الجمعة ثم انصرف .
فعن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال فقلت: يارسول الله ، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لايدري مادينه ، قال: فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى الي فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ثم اتى خطبته فأتم آخرها31 ، قال الأبي رحمه الله : فيه أن مثل هذا من التعليم والأمر بالمعروف في الخطبة ليس من اللغوو ولا يقطعها32 .

28 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب التحية والإمام يخطب – 2/596) .
29 – رواه مسلم – الإحالة السابقة – وانظر تنبيه المعلم (ص168) .
30 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب التحية والإمام يخطب – 6/164)
31 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب حديث التعليم في الخطبة – 2/597) .
32 – إكمال إكمال المعلم (3/30) .

وكان صلى الله عليه وسلم يجلس بين الخطبتين :
دليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما))33 ولايتكلم صلى الله عليه وسلم في هذا الجلوس ، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ، ثم يقعد قعدة لايتكلم))34، واستدل به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على (وجوب) الجلوس بين الخطبتين ، لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك وأكثر العلماء على (عدم وجوبه)35 .
وقدر هذا الجلوس : حدده العلماء بقدر جلسة الإستراحة وبقدر ما يقرأ سورة الإخلاص.
وقال ابن حجر زمن القعود بين الخطبتين لايطول36 ، وحكمته قيل للفصل بين الخطبتين وقيل للراحة ورجح ابن حجر الأمر الأول والله أعلم37 .

33 – رواه البخاري (كتاب الجمعة – باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة – 2/406 الفتح) .
34 – رواه أبو داود (1/240) صحيحه) وحسنه الألباني .
35 – المغني (3/176) .
36 – الفتح (2/409) .
37 – الفتح (2/406) .

وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة ويطيل الصلاة:
أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وتفجرت من بين شفتيه الشريفتين صلى الله عليه وسلم ينابيع الحكم، فكان إذا خطب تكلم بكلمات لو عدهن العاد، لأحصاهن. لأن القصد من الخطبة هو التذكير والوعظ من غير إثقال ولا إملال ولذلك كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بتقصير الخطب، وعلى رأسهن خطبة الجمعة وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن قصر الخطب مما يدل على فقه عند الرجل قال صلى الله عليه وسلم: ((من مئنة فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته))38 ، والمئنة هي : العلامة 39 .
ولذا أمر في حديث بتقصير الخطبة فقال صلى الله عليه وسلم : ((أطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة))40 .
وعن عمار بن ياسر قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقصار الخطب)41 .
وهكذا كان التوجيه منه صلى الله عليه وسلم هو هديه الذي سلكه وسار عليه ، وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لايطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات42 .
وإن كان يطيل صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة أحياناً، لكن أغلب أحواله هو التقصير، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وكان بقصر في خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة)43 ، وما الضابط في طول صلاة الجمعة؟ الجواب ماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ يوم الجمعة بسبح والغاشية، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية.
وصح عنه أنه قرأ في الركعتين بالجمعة والمنافقون، فقد أم أبو هريرة الناس بالمدينة يوم الجمعة لما استخلف عليها ، فقرأ بالجمعة والمنافقون ثم قال بعدما انصرف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما44 .

38 – رواه مسلم (2/594) .
39 – لسان العرب (13/397) .
40 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب تخفيف الصلاة والخطبة – 2/594) .
41 – رواه أبو داود (1/205) 206 / صحيحه) وحسنه الألباني .
42 – رواه ابو داود(1/205/ صحيحه) وحسنه الألباني .
43 – زاد المعاد (1/191) .
44 – رواه مسلم (كتاب الجمعة – باب ما يقرأ في صلاة الجمعة –2/598) .

وكان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه على المنبر حين الإستسقاء :
وكان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه على المنبر حين الإستسقاء :
ودليل ذلك حديث أنس بن مالك أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ثم قال: يارسول الله هلكت الأموال وأنقطعت السبل فادع الله يغثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، الله أغثنا )) قال : أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولاقزعة45، وما بيننا سلع46 ، من بيت ولادار .قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً . قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائماً، فقال: يارسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا ، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: ((الله حولينا ولاعلينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)) فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس47 . (الترس) بالضم من السلاح مايتقى به ضرب السيوف وطعن الرماح48 ، (سبتا) أي اسبوعاً ، من السبت إلى السبت 49 ، (والآكام) هي الروابي ، و(الظراب) الجبال الصغار50 .
ووصف أنس رضي الله عنه رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه في الإستسقاء بوصفين قال في أحدهما : (.. كان لايرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الإستسقاء حتى يرى بياض إبطيه)51 .والآخر قال فيه : ( . فأشار بظهر كفيه إلى السماء )52 .
وكان الناس يرفعون أيديه مع رفعه صلى الله عليه وسلم : ففي احدى روايات أنس : (فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا ورفع الناس أيديهم معه يدعون … الحديث53
45 – القزعة : قطعة من الغيم ، النهاية (4/59) .
46 – سلع: نفتح أوله وإسكان ثانيه بعده عيين مهملة ، جبل يقع شمال المدينة ، المعالم الأثيرة (ص142) ومعجم المعالم الجغرافية (ص160) .
47 – رواه مسلم (كتاب صلاة الإستسقاء – باب الدعاء في الإستسقاء – 2/613) .
48 – لسان العرب (6/32) .
49 – النهاية (2/331) .
50 – النهاية (1/59) ، (3/156) .
51 – رواه البخاري (كتاب الإستسقاء – باب رفع الإمام يده في الإستسقاء – 2/517) ومسلم (كتاب الإستسقاء – باب رفع اليدين بالدعاء في الإستسقاء – 2/612) .
52 – رواه مسلم في الموضع السابق .
53 – رواه البخاري (كتاب الإستسقاء – باب رفع الناس أيديهم مع الإمام – 2/516) .

هدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي في خطبة الجمعة :
1 – هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في افتتاح خطبه بالحمد، والتشهد والصلاة والسلام وقول أما بعد:
قال ابن القيم رحمه الله : ولم يكن يخطب خطبة صلى الله عليه وسلم إلا افتتحها بحمد الله ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة ، ويذكر فيها نفسه بإسمه العلم54 .
ودليل ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة : ((إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) ثم يقرأ آيات ثلاثة وهي {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون} { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} 55 , فهذا الحديث فيه حمد الله وفيه الصلاة والسلام على رسول الله وفيه الشهادتان وفي رواية للحديث ذكر فيها لفظة أما بعد56 ، قال صديق حسن خان : كان النبي صلى الله عليه وسلم يلازمها – يعني لفظة أما بعد – في جميع خطبه وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد57 .
ومما يؤكد ذكر الشهادة في خطبة الجمعة وأنها آكد ما ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء))58 ، والجذماء : المقطوعة59 .

54 – زاد المعاد (1/189) .
55 – حديث صحيح رواه أحمد (1/392) وللعلامة الألباني رسالة مستقلة في روايات هذه الخطبة .
56 – رواها مسلم (كتاب الجمعة – باب تخفيف الصلاة والخطبة – 2/592) من حديث جابر ..
57 – الأجوبة النافعة (ص56) .
58 – رواه أبو داود (كتاب الأدب- باب في الخطبة – 3/918/صحيح أبي داود) وصححه الألباني .
59 -النهاية (1/252) .

سلامه صلى الله عليه وسلم على الناس حين وقوفه على المنبر :
روي في هذا حديث مر بنا في (هديه صلى الله عليه وسلم في مقابلة الناس بوجهه) وفيه ثم قال: (السلام عليكم ) وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك )60 .
وعن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم )61 ، وثبت هذا عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى أنه كان إذا استوى على المنبر سلم على الناس، وردوا عليه62

60 – من وجهين مرسلين: وثالث عن ابن عمر مرفوعاً في إسناده ضعف .
61 – رواه ابن ماجة (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها – باب ماجاء في الخطبة يوم الجمعة – 1/352) وحسنه الألباني صحيح ابن ماجة (1/183) .
62 – رواه ابن ابي شيبة (2/114) بإسناد حسن .

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

شروط صلاة الجمعة
تنقسم شروط صلاة الجمعة إلى قسمين :
1. شروط وجوب
2. شروط صحة

تنقسم شروط الوجوب الى قسمين

متفق عليها

الإسلام

العقل

الذكورية

ومختلف فيها

الاستيطان ببناء؟
البلوغ

اشتراط المدن للجمعة
الحرية

اشتراط المسجد
الإقامة

إذن السلطان ؟
عدم العذر

سماع النداء؟
العدد الذي تنعقد به

أما شروط صحة الجمعة فهي :

تقدم الخطبة على الصلاة

الوقت

أولاً : شروط الوجوب المتفق عليها:
1- الإسلام .
2- العقل .
و هما شرطان في وجوب جميع الأحكام الشرعية و صحتها باتفاق الأمة و الأدلة متوافرة علي ذلك :

أما الإسلام : فلقوله تعالى ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) ، و لأن في إيجاب ذلك عليهم تنفيراً ، فعفي عنه ، و قال صلى الله عليه و سلم في حديث معاذ : ” ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، فإن هم أجابوك لذلك ، فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم و الليلة ” (1).
و كذا قوله تعالى : ( و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ) [ التوبة : 54 ] قال أهل العلم : فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعدياً لا تقبل منهم ، فالعبادات التي نفعها غير متعد من باب أولى لا تقبل منهم (2).
قال النووي في المجموع : ” … و أما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا تجب عليه الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و غيرها من فروع الإسلام . و أما في كتب الأصول فقال جمهورهم هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان . و قيل : لا يخاطب بالفروع . و قيل : يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا و السرقة و الخمر و الربا و أشباهها دون المأمور به كالصلاة .
و الصحيح الأول ، و ليس هو مخالفاً لقولهم في الفروع ، لأن المراد هنا غير المراد هناك ، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم ، و إذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ، و لم يتعرضوا لعقوبة الآخرة . و مرادهم في كتب الأصول : أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر ، فيعذبون عليها و على الكفر جميعاً ، لا على الكفر وحده ، و لم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا ، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين ، و في الفروع حكم الطرف الآخر و الله أعلم “(3).
و أما المرتد فيلزمه الصلاة في الحال ، و إذا أسلم لزمه قضاء ما فات في الردة .
قال النووي في المجموع : ” قال الشافعي و الأصحاب : يلزم المرتد إذا أسلم أن يقضي كل ما فاته في الردة أو قبلها ، و هو مخاطب في حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم ، و إذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج و صلاة و غيرهما و الله أعلم “(1) .
و قال الشيرازي في المهذب : ” و إن كان مرتداً وجبت عليه ، و إذا أسلم لزمه قضاؤها ، لأنه اعتقد وجوبها و قدر على التسبب إلى أدائها ، فهو كالمحدث “(2) .

و أما العقل : فلقوله صلى الله عليه و سلم : ” رفع القلم عن ثلاثة ، عن النائم حتى يستيقظ ، و عن الصبي حتى يشب ، و عن المعتوه حتى يعقل “(3) . و في رواية : ” و عن المجنون حتى يفيق “(4) .
و زوال العقل إما أن يكون بجنون ، و يلحق به كل من زال عقله بسبب مباح ، و أن يكون بسبب محرم ، كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله .
فأما الأول : و هو من زال عقله بسبب غير محرم ، كمن جن أو أغمى عليه ، أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره علي شرب مسكر فزال عقله ، فهذا قال فيه النووي : ” … لا صلاة عليه ، و إذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث ، سواء قل زمن الجنون و الإغماء أم كثر . هذا مذهبنا .و قال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان الإغماء دون يوم و ليلة لزمه قضاء ما فات فيه ، و إن كان أكثر فلا .و نقل ابن حزم عن عمار بن ياسر و عطاء و مجاهد و إبراهيم النخعي و حماد بن أبي سليمان و قتادة أن المغمى عليه يقضي .
دليلنا القياس على المجنون و على ما فوق يوم و ليلة … “(5) .
و قال ابن قدامة في المغني : ” و المجنون غير مكلف ، و لا يلزمه قضاء ما ترك في حالة جنونه ، إلا أن يُفيق في وقت الصلاة ، فيصير كالصبي يبلغ ، و لا نعلم في ذلك خلافاً … “(6) .
و قال الحزمي : ( و المغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه ) .
قال ابن قدامة : ” و جملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم ، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها علي النائم ، كالصلاة و الصيام .
و قال مالك و الشافعي : لا يلزمه قضاء الصلاة إلا بعد أن يُفيق في جزء من وقتها …
و قال أبو حنيفة : إن أغمى عليه خمس صلوات قضاها ، و إن زادت سقط فرض القضاء في الكل ، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء ، كالمجنون … ” (1).
قال ابن قدامة : ” و لنا ما روي أن عماراً غشي عليه أياماً لا يُصلي ثم استفاق بعد ثلاث ، فقيل : هل صليت ؟ فقال : ما صليتُ منذ ثلاث (2). فقال أعطوني وضوءاً فتوضأ ، ثم صلى تلك الليلة . و روى أبو مجْلز أن سمرة بن جندب قال : المغمى عليه يترك الصلاة ، أو فيترك الصلاة ، يُصلي مع كل صلاةٍ صلاةً مثلها . قال : قال عمران : زعم ، و لكن ليصليهن جميعاً . روى الأثرم هذين الحديثين في سننه . و هذا فعل الصحابة و قولهم ، و لا نعرف لهم مخالفاً فكان إجماعاً ، و لأن الإغماء لا يُسقط فرض الصيام ، و لا يؤثر في استحقاق الولاية علي المغمى عليه ، فأشبه النوم …
و لا يصح قياسه على المجنون ، لأن المجنون تتطاول مدته غالباً ، و قد رفع القلم عنه ، و لا يلزمه صيام و لا شيء من أحكام التكليف ، و تثبت الولاية عليه ، و لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام ، و الإغماء بخلافه ، و ما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها ، كالنوم ” (3).
و دعوى الإجماع لا يسلم لها ، فقد ذكر الدارقطني و البيهقي في سننهما عن ابن عمر أنه أغمي عليه يوماً و ليلة فلم يقض . و في رواية : ثلاثة أيام و لياليهن . و روى محمد بن الحسن عنه القضاء في اليوم و الليلة (4).
و أما الثاني : و هو من زال عقله بسبب محرم ، بأن شرب المسكر عمداً عالماً به مختاراً ، أو شرب دواء لغير حاجة و هو مما يزول به العقل فزال عقله ، فلا تصح صلاته في ذلك الحال ، فإذا عاد عقله لزمه القضاء .
قال ابن قدامة : ” … و أما السكر و من شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت ، فلا يؤثر في إسقاط التكليف ، و عليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله . لا نعلم فيه خلافاً ، لأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح ، فبالسكر المحرم أولى ” (5).

فائدة :
قال النووي : ” قال أصحابنا رحمهم الله : إذا لم يعلم كون الشراب مسكراً ، أو كون الدواء مزيلاً للعقل لم يحرم تناوله و لا قضاء عليه ، كالإغماء ، فإن علم أن جنسه مسكر ، و ظن أن ذلك القدر لا يسكر وجب القضاء لتقصيره و تعاطيه الحرام .
و أما ما يزيل العقل من غير الأشربة و الأدوية كالبنج و هذه الحشيشة المعروفة فحكمه حكم الخمر في التحريم و وجوب قضاء الصلوات و يجب فيه التعزير دون الحد . و الله أعلم “(1) .

3-الذكورية :
قال ابن قدامة : ” و الذكورية شرط لوجوب الجمعة و انعقادها ، لأن الجمعة يجتمع لها الرجال ، و المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ، و لكنها تصح منها لصحة الجماعة منها ، فإن النساء كن يصلين مع النبي صلى الله عليه و سلم في الجماعة ” (1).
و أخرج أبو داود من حديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” الجمعة حق واجب علي كل مسلم إلا أربعة : مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض ” (2).
قال النووي : ” … نقل ابن المنذر و غيره الإجماع أن المرأة لا جمعة عليها … و نقل ابن المنذر و غيره الإجماع على أنها لو حضرت و صلت الجمعة جاز ، و قد ثبتت الأحاديث الصحيحة المستفيضة أن النساء كن يصلين خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم في مسجده خلف الرجال ، و لأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام ” (3).
و قال النووي : ” … و لا تجب على الخنثى المشكل للشك في الوجوب ، و ممن صرح به القاضي أبو الفتوح و البغوي و صاحب البيان ” (4)

ثانياً : الشروط المختلف عليها :

1-البلوغ : لقوله صلى الله عليه و سلم : ” رواح الجمعة واجب على كل محتلم ” (*).
قال ابن قدامة : ” … و أما البلوغ فهو شرط أيضاً لوجوب الجمعة و انعقادها في الصحيح من المذهب ، و قول أكثر أهل العلم ، لأنه من شرائط التكليف ، بدليل قوله عليه السلام : ( رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ )(5) .
و ذكر بعض أصحابنا في الصبي المميز رواية أخرى أنها واجبة عليه بناء علي تكليفه ، و لا مُعَوَّل عليه ” (6).

و سبق ذكر حديث طارق بن شهاب مرفوعاً عند أبي داود ” الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة : مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض ” .
و لكن الصبي يؤمر بها لسبع و يضرب عليها لعشر ، لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه و سلم في حديث سبرة ” مروا أبنائكم عليها لسبع و اضربوهم لعشر “(1) .
قال النووي : ” و اعلم أن قوله صلى الله عليه و سلم : ( مروا أولادكم بالصلاة ) ليس أمراً منه صلى الله عليه و سلم للصبي ، و إنما هو أمر للولي فأوجب على الولي أن يأمر الصبي . و هذه قاعدة معروفة في الأصول أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بالشيء ما لم يدل عليه دليل. اهـ
قال أصحابنا : و يأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة و بالسواك و سائر الوظائف الدينية .

2-الحرية :
فلا تجب على العبد لحديث طارق بن شهاب عند أبي داود مرفوعاً : ” الجمعة حق واجب علي كل مسلم إلا أربعة : مملوك ” .
قال ابن قدامة في المغني : ” فأما العبد ، ففيه روايتان : أحدهما : لا تجب عليه الجمعة …
و الثانية : تجب عليه ، و لا يذهب من غير إذن سيده . نقلها المَرُّوزي و اختارها أبو بكر ، و بذلك قالت طائفة ، إلا أن له تركها إذا منعه السيد ، و احتجوا بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله ) و لأن الجماعة تجب عليه ، و الجمعة آكد منها ، فتكون أولى بالوجوب . و حكي عن الحسن و قتادة أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة ، لأن حقه عليه قد تحول إلى المال ، فأشبه من عليه الدين “.
قال ابن قدامة : ” و لنا ما روى طارق بن شهاب عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض ” و لأن الجمعة يجب السعي إليها من مكان بعيد ، فلم تجب عليه ، كالحج و الجهاد ، و لأنه مملوك المنفعة ، محبوس على السيد ، أشبه المحبوس بالدَّين ، و لأنها لو وجبت عليه لجاز له المضي إليها من غير إذن سيده ، و لم يكن لسيده منعه منها كسائر الفرائض ، و الآية مخصوصة بذوي الأعذار ، و هذا منهم ” (1).
و ذهب السعدي إلى أن الجمعة و الجماعة تجب على العبيد و الأرقاء ، لأن النصوص عامة في دخولهم ، و لا دليل يدل على إخراج العبيد و ضعف حديث طارق بن شهاب و قال : ضعيف الإسناد . و ذهب إلى العمل بعموم حديث حفصة عن النسائي مرفوعاً ” رواح الجمعة واجب على كل محتلم ” ، قال : و هو عام في الحر و المملوك ، و الأصل : أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية التي لا تعلق لها بالمال (2).
و قال شيخ الإسلام : تجب إذا أذن له سيده . و هي الرواية الثالثة في مذهب أحمد (3).
قال ابن عثيمين :و هذا قول وسط بين قول من يلزمه جمعة مطلقاً، و قول من لا يلزمه مطلقاً (4).

3-الإقامة :
فأكثر العلماء أن المسافر في غير معصية لا جمعة عليه .
قال ابن قدامة : ” و أما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه … قاله مالك في أهل المدينة ، و الثوري في أهل العراق ، و الشافعي ، و إسحاق ، و أبو ثور ، و روي ذلك عن عطاء ، و عمر بن عبد العزيز و الحسن و الشعبي . و حكي عن الزهري و النخعي أنها تجب عليه ، لأن الجماعة تجب عليه ، فالجمعة أولى .
قال ابن قدامة : و لنا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره ، و كان في حجة الوداع بعرفة يوم الجمعة ، فصلى الظهر و العصر ، و جمع بينهما ، و لم يصل جمعة ، و الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم ، كانوا يسافرون للحج و غيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره ، و كذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و من بعدهم .
و قد قال إبراهيم : كانوا يقيمون بالريَّ السنة و أكثر من ذلك ، و بسجستان لا يُجَمَّعون و لا يُشَرَّقون . و عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال : أقمت معه سنتين بكابُل ، يقصُر الصلاة و لا يُجَمَّع . رواها سعيد . و أقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يُجَمَّع . ذكره ابن المنذر . و هذا إجماع مع السنة الثابتة فيه ، فلا يسوغ مخالفته ” (1).
و قال في كشاف القناع : ” … و لو أقام المسافر سفر طاعة أربعة أيام فأكثر لزمته بغيره ” (2).
و قال النووي في المجموع : ” … لا تجب الجمعة على المسافر هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، و حكاه ابن المنذر و غيره عن أكثر العلماء . و قال الزهري و النخغي : إذا سمع النداء لزمته .
قال أصحابنا : و يستحب له الجمعة للخروج من الخلاف ، و لأنها أكمل . هذا إذا أمكنه” .
قال : ” و اتفق أصحابنا على سقوط الجمعة عن المسافر ، و لو كان سفره قصيراً ، فإن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول و الخروج لزمته بلا خلاف … و إن نوى إقامة دون أربعة أيام فلا جمعة عليه هذا كله في غير سفر المعصية ، أما سفر المعصية فلا تسقط الجمعة بلا خلاف ” (3).
و ذهب ابن حزم إلى وجوب الجمعة على المسافر في سفره : ” قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) [ الجمعة : 9 ] .
قال : هذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر و لا عبد بغير نص من رسول الله صلى الله عليه و سلم … ” (4).
و قال الصنعاني : ” و لا تجب على النازل لأنه داخل في لفظ المسافر ، و إليه ذهب جماعة من الآل أيضاً و هو الأقرب ، لأن أحكام السفر باقية له ، من القصر و نحوه ، و لذا لم ينقل أنه صلى الله عليه و سلم صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع لأنه كان مسافراً “(1) .مما سبق نخلص إلى أن أقوال العلماء في وجوب الجمعة على المسافر في غير معصية يمكن تلخيصها كالآتي :
الأول : أنه غير مطالب بها مطلقاً لا بنفسه و لا بغيره ، و الأفضل حضورها لأنها أكمل و هذا مذهب جماهير العلماء .
الثاني : أنه غير مطالب بها بنفسه ، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون عددهم مائة مثلاً ، و ليس بينهم مستوطنون غير مسافرون ممن تنعقد بهم الجمعة ، فلا تلزمهم الجمعة ، و في صحتها منهم لو صلوها خلاف
و لكنه يطالب بها بغيره ، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون في بلد تقام فيه الجمعة لزمتهم الجمعة بغيرهم ، لعموم الأدلة في إجابة النداء ليوم الجمعة .
و على هذا يمكن حمل كلام من أهل العلم ممن يلزمون المسافر بالجمعة علي ذلك ، كالزهري و النخعي حيث نقل النووي عنهم : إذا سمع النداء لزمته …
و إلى هذا القول ذهب الشيخ ابن عثيمين حفظه الله حيث قال : ” أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة ، كما لو مر إنسان في السفر ببلد و دخل فيه ليقيل ، و يستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة لعموم قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) [ الجمعة : 9 ] و هذا عام ، و لم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله صلى الله عليه و سلم و يبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة ، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي صلى الله عليه و سلم “(2).
فإن قيل : و لم لا يدخل المسافر في عموم الآية في إلزامه بالجمعة إذا كانوا جماعة تنعقد بهم جمعة ، و ما وجه التفريق بين هذا و ذاك ؟
فالجواب أنه في هذا الحال فلا نداء أصلاً ليدخل المسافر في عمومه ، و نحن نقول إن كان هناك نداء للجمعة لزمه الإجابة ، و لا نلزمه هو بإحداث هذا النداء .

قال النووي : ” قال أصحابنا : الناس في الجمعة ستة أقسام :
أحدهما : من تلزمه و تنعقد به ، و هو الذكر الحر البالغ العاقل المستوطن الذي لا عذر له .
الثاني : من تنعقد به و لا تلزمه و هو المريض و الممرض و من في طريقه مطر و نحوهم من المعذورين ، و لنا قول شاذ ضعيف جداً أنها لا تنعقد بالمريض .. حكاه الرافعي .
الثالث : من لا تلزمه و لا تنعقد به و لا تصح منه ، و هو المجنون و المغمى عليه و كذا المميز و العبد و المسافر و المرأة و الخنثى .
الخامس(1) : من لا تلزمه و لا تصح منه و هو المرتد .
السادس : من تلزمه و تصح منه و في انعقادها به خلاف وهو المقيم غير المستوطن ففيه الوجهان المذكوران في الكتاب ، أصحهما : لا تنعقد به ” (2).

4-عدم العذر ، سواء كان العذر لمرض أو مطر أو خوف .

و أما المرض ، فلحديث طارق بن شهاب مرفوعاً عند أبي داود ” الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة : مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض ” .
قال النووي : ” لا تجب الجمعة على المريض سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه لنقصان العدد أم لا ، لحديث طارق و غيره . قال البندنيجي : لو تكلف المريض المشقة و حضر كان أفضل .
قال أصحابنا :المرض المسقط للجمعة هو الذي يلحق صاحبه بقصد الجمعة مشقة ظاهرة غير محتملة .قال المتولي : و يلتحق بالمريض في هذا من به إسهال كثير . قال : فإن كان بحيث [ لا ](1) يضبط نفسه حرم عليه حضور الجمعة لأنه لا يؤمن تلويثه المسجد . قال إمام الحرمين : فهذا المرض المسقط للجمعة أخف من المرض المسقط للقيام في الفريضة ” (2).
و قال : ” الأعمى إن وجد قائداً متبرعاً أو بأجرة المثل و هو واجدها لزمته الجمعة و إلا فلا تجب عليه . هكذا أطلقه المصنف(3) و الجمهور ، و قال القاضي حسين و المتولي : تلزمه إن أحسن المشي بالعصا بلا قائد . هذا تفصيل مذهبنا . و ممن قال بوجوب الجمعة على الأعمى الذي يجد قائداً مالك و أحمد و أبو يوسف و محمد و داود ، و قال أبو حنيفة : لا تجب ” (4).
و أما المطر ، فلحديث ابن عمر : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الباردة : ( صلوا في رحالكم ) . و المطر الذي يعذر به هو الذي يبل الثياب ، لأن في الخروج فيه مشقة .
و بوب البخاري باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر ، و أورد حديث ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله ، فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا ، قال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة ، و إني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في الطين و الدحض (*)، و الدحض هو الزلق .
قال الحافظ : و به قال الجمهور . و منهم من فرق بين قليل المطر و كثيره ، و عن مالك : لا يرخص في تركها بالمطر . و حديث ابن عباس هذا حجة في الجواز(**) أ ﻫ.

و مثل المطر في المشقة الريح أو العواصف الشديدة و البرد الشديد غير المعتاد و الذي يشق على الناس الخروج فيه للصلاة ، و كل أمر تلحق الناس فيه مشقة عظيمة يعذرون به في ترك الجمعة و الجماعة .
و ذهب بعض العلماء إلى البرد الشديد لا يبيح التخلف عنها بلا ريح لسهولة اتقائه ، و لا الريح دون برد لأنها لا تضر إلا إذا آذت الأعين و عاقت المسير ، فمدار الأمر إذن المشقة .
و حكي عن مالك أنه كان لا يجعل المطر عذراً في التخلف عن الجمعة .
و أما الخوف ، فلحديث ابن عباس مرفوعاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر ” قالوا : و ما المعذور ؟ قال : ” خوف أو مرض ، لم تقبل منه الصلاة التي صلى ” (1).
و الخوف ثلاثة أنواع :
أحدهما : الخوف على المال من سلطان أو لص ، أو يكون له خبز في تنور أو طبيخ على النار و ما أشبه ذلك ، فهذا كله عذر عن الجمعة و الجماعة ، لأنه خوف فيدخل في عموم الحديث .
الثاني : الخوف على نفسه ، مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدد أو سبع أو سيل .
الثالث : الخوف على ولده و أهله أن يضيعوا ، أو يكون ولده ضائعاً و يرجو وجوده في تلك الحال فيعذر بذلك لأنه خوف (2).

5-هل يشترط عدد معين للجمعة ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كثيراً ، قال الحافظ في الفتح : ” و جملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولاً :
الأول : تصح من الواحد . نقله ابن حزم(1) .
الثاني : اثنان كالجماعة . و هو قول النخعي و أهل الظاهر و الحسن بن حي(2) .
الثالث : اثنان مع الإمام ، عند أبي يوسف و محمد(3) .
الرابع : ثلاثة معه . عند أبي حنيفة(4) .
الخامس : سبعة ، عند عكرمة(5) .
السادس : تسعة ، عند ربيعة(6) .
السابع : اثنا عشر ، عنه في رواية(7) .
الثامن : مثله غير الإمام ، عند إسحاق(1) .
التاسع : عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك(2) .
العاشر : ثلاثون ، كذلك(3) .
الحادي عشر : أربعون بالإمام عند الشافعي(4) .
الثاني عشر : غير الإمام عنه ، و به قال عمر بن عبد العزيز و طائفة(5) .
الثالث عشر : خمسون عن أحمد في رواية ، و حكى عن عمر عبد العزيز(6) .
الرابع عشر : ثمانون حكاه المازري .
الخامس عشر : جمع كثير بغير قيد

قال الحافظ : ” و لعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل ، و يمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط كالذكورة و الحرية و البلوغ و الإقامة و الاستيطان فيكمل بذلك عشرون قولاً “(1)
قال الشوكاني : ” و أما اشتراط جمع كثير من دون تقييد بعدد مخصوص فمستنده أن الجمعة شعار ، و هو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المؤمنين ، و فيه أن كونها شعاراً لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك ، على أن الطلب لها من العباد كتاباً و سنة مطلق عن اعتبار الشعار ، فما الدليل على اعتباره ؟ نيل الأوطار (3/233 )

و قد احتجت كل طائفة لقولها ببعض الآثار لا تخلو من ضعف أو مقال ، قال ابن حزم بعد أن ساق الآثار التي احتج بها أصحابها : فكل هذه آثار لا تصح ، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة ، لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور(2) ، إلا ما أخرجه البيهقي و أبو داود من حديث كعب بن مالك قال : ” أول من جمَّع بنا في المدينة سعد بن زرارة قبل مقدم النبي صلى الله عليه و سلم في نقيع الخضمات . قلت – أي عبد الرحمن بن كعب – : كم كنتم ؟ قال : أربعون رجلاً “(3) .
قال ابن حزم بعد تصحيحه لهذا الخبر : و لا حجة له(4) في هذا ، لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقل إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد …(5)
قال ابن حزم : ” و أما حجتنا فهي ما قد ذكرناه قبل من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له : ” إذا سافرتما فأذنا و أقيما ، و ليؤمكما أكبركما “(6) ، فجعل عليه السلام للاثنين حكم الجماعة في الصلاة … “(7).
و قال الشوكاني في النيل : ” و اعلم أنه لا مستند لاشتراط ثمانين أو ثلاثين أو عشرين أو تسعة أو سبعة ، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد ، و أما من قال أنها تصح باثنين فاستدل بأن العدد واجب بالحديث و الإجماع ، و رأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص ، و قد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين ، و لا فرق بينها و بين الجماعة ، و لم يأت نص من رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، و هذا القول هو الراجح عندي…”(8).

ذهب ابن تيميه إلى أنها تنعقد بثلاثة ، قال في الاختيارات :
” و تنعقد الجمعة بثلاثة ، واحد يخطب و اثنان يستمعان ، و هو إحدى الروايات عن أحمد ، و قول طائفة من العلماء.و قد يقال بوجوبها علىالأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم ، و تصح ممن دونهم ، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض ، بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان “(1).
و قوى ابن عثيمين مذهب أهل الظاهر و قال : لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح ، إذ لابد من جماعة تستمع ، و أقلها اثنان ، و الخطيب هو الثالث ، و حديث أبي الدرداء(2) يؤيد ما قاله الشيخ(3) .

6-هل يشترط الاستيطان ببناء لوجوب الجمعة ؟
فاشترط كثير من العلماء الإقامة في قرية مبنية بحجارة أو لبن أو قصب أو ما جرت به العادة ، لا يظعن عنها صيفاً أو شتاء ، و أما أهل الخيام و بيوت الشعر فلا جمعة عليهم .
قال ابن قدامة : ” فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم ، و هو الإقامة في قرية على الأوصاف المذكورة(1) ، لا يظعنون عنها صيفاً و لا شتاء … “(2) .
و في الاختيارات : ” و تجب الجمعة علي من أقام في غير بناء كالخيام و بيوت الشعر و نحوها ، و هو أحد قولي الشافعي ، و حكاه الأزحي رواية عن أحمد .
و قال أبو العباس في موضع آخر : يشترط مع إقامتهم في الخيام و نحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية “(3) .
و ذلك أن البدو الذين كانوا حول المدينة و لم يأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بإقامة الجمعة مع انهم مستوطنون في أماكنهم ، لكونها ليست ببناء ، و لهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم (4)… .
لكن إن كانت لأهلها منازل دائمة يمكثون فيها سنوات طويلة لا يحملهم على الرحيل إلا الطارئ كالمحاربة أو غيرها فهؤلاء عليهم جمعة ، لأن العبرة ليست بنوع البناء و إنما بالاستيطان .
قال النووي : ” قال أصحابنا : يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء و صيفاً من تنعقد بهم الجمعة ، قال الشافعي و الأصحاب : سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب ، أو طين ، أو قصب ، أو سعف ، أو غيرها ، و سواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق و القرى الصغار و الأسراب المتخذة وطناً ، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف ، لأنها لا تعد قرية ، و يرجع في الاجتماع و التفرق إلى العرف … و أما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من مواضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف ، و إن كانوا دائمين فيها شتاء و صيفاً و هي مجتمعة بعضها إلى بعض ، فقولان أصحهما باتفاق الأصحاب : لا تجب عليهم الجمعة و لا تصح منهم ، و به قطع الأكثرون و به قال مالك و أبو حنيفة . و الثاني : تجب عليهم و تصح منهم نص عليه البويطي و الله أعلم “(5) .

مسألة : اشتراط المدن لإقامة الجمعة :
و لا يشترط لإقامة الجمعة أن تكون في المدن دون غيرها ، بل تقام في القرى أيضاً ، و قد بوب البخاري بقوله : باب الجمعة في القرى و المدن .
قال الحافظ : ” في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى ، و هو مروي عن الحنفية . و أسنده ابن أبي شيبة عن حذيفة و على و غيرهما . و عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم . و هذا يشمل المدن و القرى . أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي رافع عن أبي هريرة عن عمر ، و صححه ابن خزيمة …
و عند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة و المدينة يجمعون فلا يعيب عليهم ، فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع “(1) .
قال ابن باز رحمه الله، في تعليقه على الفتح :
و هو فعل الجمعة في القرى كما فعل أهل جواثى في حياة النبي صلى الله عليه و سلم ، و ذلك يدل على مشروعية إقامة الجمعة بالقرى ، و الله أعلم(2) .

مسألة : هل يشترط المسجد ؟(*)
قال في عون المعبود : ” و ذهب البعض إلى اشتراط المسجد ، قال : لأنها لم تُقم إلا فيه .
و قال أبو حنيفة و الشافعي و سائر العلماء إنه غير شرط ، و هو قوي إن صحت صلاته صلى الله عليه و آله و سلم في بطن الوادي ، و قد روى صلاته صلى الله عليه و آله و سلم في بطن الوادي ابن سعد و أهل السير ، و لو سُلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه “(3) .
قال النووي : ” لا تصح الجمعة عندنا إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة و لا تصح في الصحراء ، و به قال مالك و آخرون . و قال أبو حنيفة و أحمد : يجوز إقامتها لأهل المصر في الصحراء كالعيد . و احتج أصحابنا بما احتج به المصنف أن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه لم يفعلوها في الصحراء مع تطاول الأزمان و تكرر فعلها بخلاف العيد ، و قد قال صلى الله عليه و سلم : ” صلوا كما رأيتموني أصلي “(4) “(5).

و قال ابن قدامة : ” و لا يشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان ، و يجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء ، و بهذا قال أبو حنيفة . و قال الشافعي : لا تجوز في غير البنيان ، لأنه بوضع يجوز لأهل المِصْر قصر الصلاة فيه ، فأشبه البعيد .
و لنا أن مصعب بن عمير جمَّع بالأنصار في هَزْم النَّبيت في نقيع الخضمات ، و النقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مُدَّة ، فإذا نضب الماء نبت الكلأ .
و لأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة ، كالجامع ، و لأن الجمعة صلاة عيد ، فجازت في المصلى كصلاة الأضحى ، و لأن الأصل عدم اشتراط ذلك ، و لا نصَّ في اشتراطه ، و لا معنى نصًّ فلا يشترط “(1) .
و قال النووي : ” قال أصحابنا : و لا يشترط إقامتها في مسجد ، و لكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها ، فلو صلوا خارج البلد لم تصح بلا خلاف ، سواء كان بقرب البلدة أو بعيداً منه ، و سواء صلوها في ركن أم ساحة ، و دليله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” و لم يُصلِ هكذا … “(2) .

7-هل يشترط إذن السلطان ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :
الأول : أنه لا يشترط ، و هو قول جمهور العلماء ، و به قال مالك و الشافعي و رواية عن أحمد و أبو ثور .
الثاني : أنه شرط ، رُوي ذلك عن الحسن و الأوزاعي ، و حبيب بن ثابت و أبي حنيفة .
قال ابن قدامة : و الصحيح أنه ليس بشرط(1) .
و احتج الموجوبون أنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر ، فصار ذلك إجماعاً .
قال ابن قدامة : ” و لنا أن علياً صلى الجمعة بالناس و عثمان محصور ، فلم ينكره أحد ، و صوَّب ذلك عثمان ، و أمر بالصلاة معهم … قال أحمد : وقعت الفتنة بالشام تسع سنين ، فكانوا يُجمَّعون .. و لأنها من فرائض الأعيان ، فلم يُشترط لها إذن الإمام كالظهر ، و لأنها صلاة أشبهت سائر الصلوات . و ما ذكروه إجماعاً لا يصح ، فإن الناس يقيمون الجمعات في القرى من غير استئذان أحد . ثم لو صحَّ أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعاً على جواز ما وقع ، لا على تحريم غيره ، كالحج يتولاه الأئمة و ليس بشرط فيه … “(2) .
و على القول باشتراط إذن الإمام فإن تعذر لفتنة و نحوها فقال القاضي : ظاهر كلامه صحتها بغير إذن ، على كلتا الروايتين ، فعلى هذا يكون الإذن معتبراً مع إمكانه و يسقط اعتباره بتعذره(3) .
و قال النووي : ” قال الشافعي و الأصحاب : يستحب ألا تقام الجمعة إلا بإذن السلطان أو نائبه ، فإن أقيمت بغير إذنه و لا حضوره جاز و صحت ، و هكذا جزم به المصنف و الأصحاب ، و لا نعلم فيه خلافاً عندنا إلا ما ذكره صاحب البيان ، فإنه حكى قولاً قديماً أنها لا تصح إلا خلف الإمام أو من أذن له الإمام ، و هذا شاذ ضعيف “(4) .

8-هل يشترط سماع النداء لوجوب الجمعة ؟
قال أحمد : أما أهل المصر فلابد لهم من شهود الجمعة ، سمعوا النداء أو لم يسمعوا ، و ذلك لأن البلد الواحد بُني للجمعة ، فلا فرق بين القريب و البعيد … و هذا قول أصحاب الرأي و نحوه قول الشافعي(1) .
و قال ابن عثيمين : إذا كان البلد واحداً فإنه يلزمه ، و لو كان بينه و بين المسجد فراسخ(2) .
قال النووي : ” قال الشافعي و الأصحاب : إذا كان في البلد أربعون فصاعداً من أهل الكمال وجبت الجمعة على كل من فيه ، و إن اتسعت خطة البلد فراسخ ، و سواء سمع النداء أم لا وهذا مجمع عليه “(*) .

و أما غير أهل المصر فاختلف العلماء في وجوبها عليهم ، و القائلون بالوجوب اختلفوا في ضابطه أهو المسافة أم سماع النداء أم غير ذلك .
فقال أصحاب الرأي : لا جُمعة على من كان خارج المصر ، لأن عثمان رضى الله عنه صلى العيد في يوم الجمعة ، ثم قال لأهل العوالي(3) : من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ، و من أراد أن يقيم حتى يُصلي الجمعة فليقم ، و لأنهم خارج المصر فأشبه أهل الحلل .
و قال الجمهور : عليه الجمعة ، ثم اختلفوا في ضابط ذلك :
فذهب الشافعية إلى وجوبها على من بلغه النداء دون غيره و هو رواية عن أحمد ، لحديث : ” لا جمعة إلا على من سمع النداء “(4) و به قال ابن عمرو بن العاص و سعيد بن المسيب و أحمد و إسحاق .
و ذهب الأوزاعي و أبو ثور إلي وجوبها علي من يمكنه إذا فعلها أن يرجع إلى أهله فيبيت فيهم ، لحديث ” الجمعة على من آواه الليل إلى أهله “(5) ، و به قال ابن عمر بن الخطاب و أنس و أبو هريرة و معاوية و الحسن و نافع مولى ابن عمر و عكرمة و عطاء .

و قال الزهري : يجب علي من بينه و بين البلد ستة أميال .
و قال مالك و الليث : يجب علي من بينه و بين البلد ثلاثة أميال . و هو مذهب أحمد .
و اختاره ابن قدامة ، قال الحزمي : و تجب الجمعة علي من بينه و بين الجمعة فرسخ(**) .
و إنما اعتبروا المسافة دون السماع ، لأن سماع النداء غير ممكن دائماً فاعتبر بمظنته ، و أما الفرسخ ، فلأنه الموضع الذي يسمع فيه غالباً ، قالوا : و لأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ ، فهو في مظنة القرب .
قال ابن قدامة : ” و أما اعتبار حقيقة النداء ، فلا يمكن ، لأنه قد يكون من الناس الأصم و ثقيل السمع ، و قد يكون النداء بين يدي المنبر ، فلا يسمعه إلا من في الجامع ، و قد يكون المؤذن خفيَّ الصوت ، أو في يوم ذي ريح ، و يكون المستمع نائماً أو مشغولاً بما يمنع السماع ، فلا يسمع ، و يسمع من هو أبعد منه ، فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب ، و ما هذا سبيله ينبغي أن يُقدَّر بمقدار لا يختلف ، و الموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب – إذا كان المنادي حيتّيتا في موضع عال و الريح ساكنة و الأصوات هادئة ، و المستمع سميع غير ساه و لا لاه – فرسخ أو قاربه فحدَّ به . و الله أعلم “(***) .
و قال محمد بن المنذر و ربيعة و هي رواية عن الزهري : أربعة أميال .
و قال ابن حزم : و يلزم المجيء إلى الجمعة من كان منها بحيث إذا زالت الشمس و قد توضأ قبل ذلك دخل الطريق إثر أول الزوال و مشى مترسلاً و يدرك منها و لو السلام ، سواء سمع النداء ، أو لم يسمع ، فمن كان بحيث إن فعل ما ذكرنا لم يدرك منها و لا السلام لم يلزمه المجيء إليها ، سمع النداء أو لم يسمع ، و هو قول ربيعة(1) .
و احتج بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) [ الجمعة : 9 ] .

قال : فافترض الله تعالى السعي إليها إذا نودي لها ، لا قبل ذلك ، و لم يشترط تعالى من سمع النداء ممن لم يسمعه ، و النداء لها إنما هو إذا زالت الشمس ، فمن أمر بالرواح قبل ذلك فرضاً ، فقد افترض ما لم يفترض الله تعالى في الآية ، و لا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فصح يقيناً أنه تعالى أمر بالرواح إليها إثر زوال الشمس لا قبل ذلك ، فصح أنه قبل ذلك فضيلة لا فريضة كمن قرب بدنة “(1) .
و الأولى تعليق الحكم بما علق الله به ، و هو النداء إلى الجمعة ، و هذا الذي علق عليه الرسول صلى الله عليه و سلم الحكم عندما سأل ابن أم مكتوم : ” أتسمع النداء ؟ قال : نعم . ، قال : أجب ” ، و هذا الضابط في حق من كان خارج المصر ، أما من كان داخل المصر فقد حكى النووي الإجماع على وجوب الجمعة عليه سمع النداء أم لم يسمع ، و أما ما ذهب إليه ابن حزم من عدم التفريق بين من كان داخل المصر و خارجه ، و بين من يسمع النداء و من لا يسمع ففضلاً عن كونه مخالف للإجماع(2) ، فإن القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، يلزم منها أن من كان بالمصر يسمع النداء و لا يدرك الصلاة إذا خرج لها عند سماعه أنه يلزمه الخروج قبله ، و أما من كان خارج المصر و يسمع النداء و لكن لا يدرك الصلاة إذا خرج عند سماعه ، فقد يتوجه القول بما ذهب إليه لولا عموم الآية . و الله أعلم .

ثانيا: شروط صحة الجمعة :

1-الوقت :
و هذا مجمع عليه فلا تصح قبله و لا بعده .
و اختلف العلماء في وقت الجمعة على ثلاثة أقوال(1) :
الأول : أن وقتها هو وقت الظهر و لا يجوز قبله . و هو قول مالك و الشافعي و أبي حنيفة و جمهور العلماء من الصحابة و التابعين . و به قال ابن حزم .
الثاني : أنها تجوز قبل الزوال في الساعة السادسة . و هو قول أحمد و حكي عنه أنه قال في الساعة الخامسة . قال ابن قدامة : و الصحيح في الساعة السادسة .
الثالث : أنه يجوز فعلها في الوقت الذي تفعل فيه صلاة العيد . و هو قول القاضي و أصحابه من الحنابلة .
و احتج كل فريق على ما ذهب إليه ،
و أما أصحاب القول الأول فقد احتجوا على أن وقتها هو وقت الظهر بالآتي :
1-ما أخرجه البخاري من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس(2) .
و بوب البخاري لهذا الحديث بقوله : باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس .
قال الحافظ : جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده(3) .
2-ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال : كنا نجمَّع مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء(4) .
3-قال النووي : و هذا هو المعروف من فعل السلف و الخلف ، قال الشافعي : صلى النبي صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و عمر و عثمان و الأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال(5) .
4- و أما المعتدل فقالوا :
لأنهما صلاتا وقت – أي الجمعة و الظهر – فكان وقتهما واحداً ، كالمقصورة و التامة .
و لأن إحداهما بدل عن الأخرى ، و قائمة مقامها ، فأشبها الأصل المذكور .
و لأن آخر وقتهما واحد ، فكان أوله واحداً ، كصلاة الحضر و السفر .
و احتج أصحاب القول الثاني بالآتي :
قال ابن قدامة : ” و لنا عل جوازها في السادسة السنة و الإجماع :
1-ما روى جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس “(1) . أخرجه مسلم .
2- و عن سهل بن سعد قال : ما كنا نقيل و لا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم(2) . متفق عليه . قال ابن قتيبة : لا يسمى غداء و لا قائلة بعد الزوال .
3-و عن سلمة قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم الجمعة ، ثم ننصرف و ليس للحيطان فيء نستظل به(3) . رواه أبو داود .
و أنا الإجماع ، فروى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن سيدان قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر ، فكانت صلاته و خطبته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته و خطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار ، ثم صليتها مع عثمان بن عفان ، فكانت صلاته و خطبته إلى أن أقول قد زال النهار ، فما رأيت أحداً عاب ذلك و لا أنكره . قال : و كذلك روي عن ابن مسعود و جابر و سعيد و معاوية أنهم صلَّوا قبل الزوال ، و أحاديثهم تدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته ، و لا خلاف في جوازه ، و أنه الأفضل و الأولى ، و أحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال و لا تنافي بينهما “(4) .
و أجاب الجمهور على الأحاديث التي احتج بها أصحاب هذا القول أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد و لا غيره ، قال النووي : ” و تفصيل الجواب أن يقال : حديث جابر فيه إخبار أن الصلاة و الرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال ، لا أن الصلاة قبله .و الجواب عن حديث سلمة أنه حجة لنا في كونها بعد الزوال ، لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء ، و إنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار ، و هذا معنى قوله : ” و ليس للحيطان ظل يستظل به ” ، فلم ينف أصل الظل ، و إنما نفى كثيره الذي يستظل به ، و أوضح منه الرواية الأخرى : ” نتتبع الفيء ” فهذا فيه تصريح بوجود الفيء لكنه قليل ، و معلوم أن حيطانهم قصيرة ، و بلادهم متوسطة من الشمس و لا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل .

و أما حديث سهل : ” ما كنا نقيل و لا نتغدى إلا بعد الجمعة ” فمعناه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة و الغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة ، لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها ، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها .
و أما الأثر عن أبي بكر و عمر و عثمان فضعيف باتفاقهم ، لأن ابن سيدان ضعيف عندهم ، و لو صح متأوَّلاً لمخالفة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم “(1) .
و احتج أصحاب القول الثالث بالآتي :
1-ما روي عن ابن مسعود و معاوية أنه قال : ما كان عيد إلا في أول النهار ، و لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلي بنا الجمعة في ظل الحظيم(2) .
2-ما روي عن ابن مسعود و معاوية أنهما صليا الجمعة ضحىً ،و قالا : إنما عجلنا خشية الحر عليكم(3) .
3-و لأنها عيد فجازت في وقت العيد ، كالفطر و الأضحى و الدليل على أنها عيد ما أخرجه ابن ماجة مرفوعاً : ” إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين “(4) ، و ما أخرجه أبو داود و غيره مرفوعاً : ” قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان “(5) .
و أجاب الجمهور على احتجاجهم بأن الأثرين المذكورين ضعيفان لا ينهضان لمعارضة النصوص الصحيحة المستفيضة الأخرى .
و لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد ، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم(6) .
قال ابن قدامة :
” و أما في أول النهار ، فالصحيح أنها لا تجوز ، لما ذكره أكثر أهل العلم ، و لأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نصًّ أو ما يقوم مقامه . و لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم و لا عن خلفائه أنهم صلَّوها أول النهار . و لأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر ، و إنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل ، و هو مختص بالساعة السادسة ، فلم يجز تقديمها عليها ، و الله أعلم .
و لأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين ، لأن العادة اجتماعهم لها عند الزوال ، و إنما يأتيها ضُحى آحاد الناس و عدد يسير “(1) .
و بعد عرض الأدلة و مناقشتها فالأولى خروجاً من الخلاف كما قال ابن قدامة : حيث قال :
” فالأولى أن لا تُصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف ، و يفعلها في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه و سلم يفعلها فيه في أكثر أوقاته ، و يُعجَّلها في أول وقتها في الشتاء و الصيف ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يُعجَّلها ، بدليل الأخبار التي رويناها ، و لأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها ، و يبكرون إليها قبل وقتها ، فلو انتظر الإبراد بها لشق علي الحاضرين ، و إنما جُعل الإبراد بالظهر في شدة الحرَّ دفعاً للمشقة التي يحصل أعظم منها بالإبراد بالجمعة “(2)
و أما آخر وقتها فإنها آخر وقت الظهر بالاتفاق إلا ما حكاه ابن حزم عن مالك من تفريقه بين آخر وقت الجمعة و بين آخر وقت الظهر ، قال ابن حزم : و هذا قول لا دليل علي صحته ، و إذ هي ظهر اليوم فلا يجوز التفريق بين آخر وقتها من أجل اختلاف الأيام(3) .

مسألة : إذا خرج وقت الظهر و هم في صلاة الجمعة :
قال النووي في شرحه المهذب : ” إذا شرعوا فيها في وقتها ثم خرج وقتها قبل السلام منها فتت الجمعة بلا خلاف عندنا و في حكم صلاته طريقان : أصحهما ، و به قطع المصنف و سائر العراقيين و جماعات من غيرهم : يجب إتمامها ظهراً و يجزئه
و الثاني و هو المشهور للخراسانيين : فيه قولان : المنصوص : يتمونها ظهراً ، و الثاني ، و هو مخرج : لا يجوز إتمامها ظهراً ، فعلي هذا هل تبطل أو تنقلب نفلاً ؟ فيه القولان السابقان في أول باب صفة الصلاة فيه و نظائره ، أصحهما : تنقلب نفلاً .
و إن قلنا بالمذهب يتمها ظهراً أسر بالقراءة من حينئذ و لا يحتاج إلي نية الظهر
هذا هو المذهب و به قطع الجمهور ، و حكى صاحب البيان و غيره وجهاً أنه تجب نية الظهر و ليس بشيء “(1) .
و قال ابن قدامة في المغني : ” ظاهر كلام الحزمي أنه لا يدرك الجمعة إلا بإدراك ركعة في وقتها ، و متى دخل وقت العصر قبل ركعة لم تكن جمعة .
و قال القاضي : متى دخل وقت العصر بعد إحرامه بها أتمها جمعة ، و نحو هذا قال أبو الخطاب ، لأنه أحرم بها في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه .
و المنصوص عن أحمد أنه إذا دخل وقت العصر بعد تشهده و قبل سلامه سلَّم و أجزأته . و هذا قول أبي يوسف و محمد . و ظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك بطلت أو انقلبت ظهراً .
و قال أبو حنيفة : إذا خرج وقت الجمعة قبل فراغه منها بطلت ، و لا يبني عليها ظهراً ، لأنهما صلاتان مختلفان فلا يبني إحداهما علي الأخرى ، كالظهر و العصر .
و الظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد ، لأن السلام عنده ليس من الصلاة .
و قال الشافعي : لا يتمها جمعة ، و يبني عليها ظهراً ، لأنهما صلاتا وقت واحد ، فجاز بناء إحداهما علي الأخرى ، كصلاة الحضر و السفر .
و احتجوا علي أنه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطاً في بعضها كان شرطاً في جميعها ، كالطهارة و سائر الشروط “(2) .

قال ابن قدامة مرجحاً القول أن من أدرك ركعة في وقتها فإنه يدرك الجمعة :
” و لنا ، قوله صلى الله عليه و سلم : ” من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة “(1) . و لأنه أدرك ركعة من الجمعة ، فكان مدركاً لها ، كالمسبوق بركعة ، و لأن الوقت شرط يختص الجمعة ، فاكتُفي به في ركعة ، كالجماعة .
و ما ذكروه ينتقض بالجماعة ، فإنه يكتفي بإدراكها في ركعة .
فعلى هذا إن دخل وقت العصر قبل ركعة ، فعلي قياس قول الحزمي ، تفسد و يستأنفها ظهراً ، كقول أبي حنيفة . و علي قول أبي إسحاق بن شاقْلا يتمها ظهراً كقول الشافعي ، و قد ذكرنا وجه القولين “(2) .
فائدة :
قال في المغني : ” إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ، ثم يصلي ركعة ، فقياس قول الحزمي أن له التلبس بها ، لأنه أدرك من الوقت ما يدركها فيه ، فإن شك هل أدرك من الوقت ما يدركها به أو لا ؟ صحَّت ، لأن الأصل بقاء الوقت و صحتها “(3) .

2-تقدم الخطبة علي الصلاة :
و هذا مذهب الشافعي و مالك و أحمد و الجمهور ، لقوله صلى الله عليه و سلم : ” صلوا كما رأيتموني أصلي “(1) . و لم يصل الجمعة إلا بخطبتين ، و هي الذكر المقصود في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) .
و قال السلف : إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة .
و قال أبو حنيفة : الخطبة شرط و لكن تجزئ خطبة واحدة ، و لا يشترط العدد لسماعها كالأذان .
و حكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة ، و به قال داود و عبد الملك من أصحاب مالك(2) .
قال النووي : ” و اتفقت نصوص الشافعي و طرق الأصحاب علي أن الجمعة لا تصح حتى يتقدمها خطبتان ، و من شرطها العدد … و من شرط الخطبتين كونهما في وقت الظهر ، فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال ثم صلى بعدهما لم يصح بلا خلاف عندنا ، نص عليه الشافعي ، و اتفق عليه الأصحاب .
و جوزه مالك و أحمد “(3) .
و قال ابن حزم : ” و ليست الخطبة فرضاً فلو صلاها إمام دون خطبة صلاها ركعتين جهراً و لابد “(4) .
و رد علي من أوجب الخطبة أو الخطبتين لمجرد فعله صلى الله عليه و سلم ، و كذا من جعلها بدلاً من الركعتين ، و أنكر حكاية الإجماع بما روي عن الحسن البصري و ابن سيرين ، و ذهب إلي أن الذكر في الآية هو الصلاة و ليس الخطبة و أنكر علي من قال ذلك(5) .

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

أحكام وآداب الجمعة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
فهذه جملة من البحوث العلمية الشاملة المتعلقة بفقه الجمعة، تطرقنا من خلالها لأهم ما يحتاجه المسلم من فقه هذا اليوم المبارك.
السواك

حكم صلاة الجمعة

تخصيص لباس للجمعة
التهيؤ لها

التبكير للجمعة
الغسل لها

استحباب المشي
التنظف

تخطي الرقاب الطيب والدهن

حكم صلاة الجمعة :
صلاة الجمعة واجبة و هي من آكد فروض الإسلام ، و فرضها ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع (*)
· الأدلة من القرآن :
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون ) [ الجمعة : 9 ] .
قال ابن قدامة : فأمر بالسعي ، و مقتضى الأمر الوجوب ، و لا يجب السعي إلا إلى واجب ، و نهى عن البيع ، لئلا يشتغل به عنها ، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها (2).
قال القرطبي : ” فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ، ردَّا علي من يقول : أنها فرض على الكفاية و جمهور الأمة و الأئمة أنها فرض على الأعيان ، لقول الله تعالى : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) … ” (3) .

· الأدلة من السنة :
1-قوله صلى الله عليه و سلم : ” لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين ” (1).
2-قوله صلى الله عليه و سلم : ” من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه “(2) .
3-قوله صلى الله عليه و سلم : ” رواح الجمعة واجب على كل محتلم ” (3).
· من الإجماع :
حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين (4).

فضل من أتى الجمعة :
ففي صحيح البخاري عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” لا يغتسل رجل يوم الجمعة و يتطهر ما استطاع من طُهر ، و يدَّهن من دُهنه أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج ، فلا يفرق بين اثنين ، ثم يُصلي ما كتب له ، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام ، إلا غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى ” (5).
و روى الإمام أحمد في مسنده عن سلمان قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” أتدري ما يوم الجمعة ؟ قلت : هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم . قال : ” و لكني أدري ما يوم الجمعة ، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته ، إلا كانت كفارة لما بينه و بين الجمعة المُقبلة ما اجتنبت المَقتلة ” (6)

و عن أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ” من غسَّل يوم الجمعة ، و اغتسل ، ثم بكر و ابتكر ، و مشى و لم يركب ، و دنا من الإمام فاستمع ، و لم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنته ، أجر صيامها و قيامها ” (1).
و عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” من اغتسل ثم أتى الجمعة ، فصلى ما قُدَّر له ، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ، ثم يُصلي معه ، غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى و فضل ثلاثة أيام ” (2).

التهيؤ للجمعة و الاهتمام بها :
1-الاشتغال عن القيلولة (3) و الغذاء بالتهيؤ و الاستعداد للجمعة :
فروى البخاري عن سهل رضى الله عنه قال : ” ما كنا نقيل و لا نتغدى إلا بعد الجمعة “(4) .
قال الحافظ : فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء و القائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة ، و ينصرفون فيتداركون ذلك (5).

الغسل للجمعة (1)و حكمه و وقته :
· حكم غسل الجمعة :
جاءت أحاديث و آثار كثيرة في بيان فضل غسل الجمعة و التأكيد عليه ، فمن ذلك :
1- ما أخرجه الجماعة عن ابن عمر مرفوعاً : ” إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ” ، و في لفظ لمسلم : ” إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل ” (2).
2- ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعاً : ” غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، و السواك و أن يمس من الطيب ما يقدر عليه ” (3).
3- ما أخرجاه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً : ” حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه و جسده ” (4).
4- ما أخرجاه أيضاً عن ابن عمر أن عمر بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين فناداه عمر : أيةُ ساعة هذه ؟! فقال : إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأتُ . قال : و الوضوء أيضاً ؟! و قد علمَّت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأمر بالغسل ! ” (5).
فهذه الأحاديث و غيرها تدل علي مشروعية غسل الجمعة و تأكيده ، و قد اختلف الناس في ذلك .
قال النووي : ” و اختلف العلماء في غسل الجمعة ، فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة ، و به قال أهل الظاهر ، و حكاه ابن المنذر عن مالك و حكاه شارع الغنية لابن سريج قولاً للشافعي .
و قد حكى الخطابي و غيره الإجماع علي أن الغسل ليس شرطاً في صحة الصلاة و أنها تصح بدونه ، و ذهب جمهور العلماء من السلف و الخلف و فقهاء الأمصار إلي أنه مستحب . قال القاضي عياض: و هو المعروف من مذهب مالك و الصحابة .
و احتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث ، و احتج الجمهور بأحاديث صحيحة :
منها : حديث الرجل الذي دخل و عمر يخطب و قد ترك الغسل ، و قد ذكره مسلم ، و هذا الرجل هو عثمان بن عفان جاء مبيناً في الرواية الأخرى .و وجه الدلالة أن عثمان فعله و أمَرَّه عمر و حاضرو الجمعة و هم أهل الحل و العقد ، و لو كان واجباً لما تركه و لألزموه .
و منها : قوله صلى الله عليه و سلم : ” من توضأ فبها و نعِمتْ،و من اغتسل فالغسل أفضل ” (1)حديث حسن في السنن مشهور . و فيه دليل علي أنه ليس بواجب .
و منها : قوله صلى الله عليه و سلم : ” لو اغتسلتم يوم الجمعة ” (2). و هذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب ، لأن تقديره لكان أفضل و أكمل و نحو هذا من العبادات .
و منها : قوله صلى الله عليه و سلم : ” من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة فاستمع و أنصت غفر له ما بين الجمعة إلي الجمعة و زيادة ثلاثة أيام “(3) .
قال القرطبي في تقرير الاستدلال بهذا الحديث علي الاستحباب : ذكر الوضوء و ما معه مرتباً عليه الثواب المقتضي للصحة ، و يدل علي أن الوضوء كاف .
و قال ابن حجر في التلخيص : إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة .
و أجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة علي الندب جمعاً بين الأحاديث “(4).

وقت الغسل :
اختلف العلماء في وقت الغسل للجمعة و تعلقه بالذهاب إليها علي ثلاثة أقوال :
الأول : اشتراط الاتصال بين الغسل و الرواح . و إليه ذهب مالك و وافقه الأوزاعي و الليث .
لحديث : ” إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل ” و في لفظ مسلم : ” إذا أراد أحدكم أن يأتي
الجمعة فليغتسل ” .
الثاني : عدم اشتراط ذلك ، و يجزئ من بعد الفجر لكن لا يجزئ فعله بعد صلاة الجمعة ، و
يستحب تأخيره إلي الذهاب و إلي هذا ذهب الجمهور .
الثالث : أنه لا يشترط تقدم الغسل على صلاة الجمعة ، فلو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه ، و إليه
ذهب داود و نصره ابن حزم ، و حجتها تعلق الغسل باليوم في الأحاديث لا بالصلاة .

و قد أنكر هذا القول ابن دقيق العيد و قال : يكاد يجزم ببطلانه ، و حكى ابن عبد البر الإجماع
علي أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة (3).
فائدة :
قال النووي : ” قال أصحابنا : و وقت جواز غسل الجمعة من طلوع الفجر إلي أن يدخل
في الصلاة … قالوا : و لا يجوز قبل الفجر . و انفرد إمام الحرمين بحكاية وجه أنه يجوز قبل
طلوع الفجر ، كغسل العيد علي اصح القولين . و الصواب المشهور أنه لا يجزئ قبل الفجر ،

و يخالف العيد ، فإنه يُصلى في أول النهار ، فيبقى أثر الغسل ، لأن الحاجة تدعو إلى تقديم غسل العيد ، لكون صلاته أول النهار ، فلو لم يجز قبل الفجر ضاق الوقت و تأخر التبكير إلى الصلاة ” (1).
قال الشوكاني : و الظاهر ما ذهب إليه مالك . لأن مجمل الأحاديث التي أطلق فيها : اليوم علي حديث الباب(1) المقيد بساعة من ساعاته واجب ، و المراد بالجمعة اسم سبب الاجتماع و هو الصلاة لا اسم اليوم(2) .
قال الحافظ : و مقتضى النظر أن يقال : إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة و التنظف رعاية الحاضرين من التأذى بالرائحة الكريهة ، فمن خشي أن يصيبن في أثناء النهار ما يزيل تنظفه استحب له أن يؤخر الغسل لوقت ذهابه ، و لعل هذا هو الذي لحظه مالك فشرط اتصال الذهاب بالغسل ليحصل الأمن مما يغاير التنظف و الله أعلم (3).
مسألة هل يشرع الغسل لمن لم يحضر الجمعة :
قال الحافظ : و استدل من مفهوم الحديث (4)على أن الغسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة ، و قد تقدم التصريح بمقتضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع . و هذا هو الأصح عند الشافعية ، و به قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفية (5).
و يدل لقول الجمهور ما أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً : ” من أتى الجمعة من الرجال و النساء فليغتسل ، و من لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال و النساء ” قال النووي : رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح(*) .
مسألة : هل يجزئ غسل الجنابة لمن حصلت له عن غسل الجمعة ؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال :
الأول : أن غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة و إن لم ينوه ، و أن الغسل حيث وقع في الجمعة قبل الصلاة كفى، أياً كان سببه . و هذا قول جمهور العلماء . قال ابن المنذر : حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة و التابعين (6).
قال الحافظ في شرح قوله صلى الله عليه و سلم : ” اغتسلوا يوم الجمعة و إن لم تكونوا جنباً ”
قال : ” معناه : اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنباً للجنابة ، و إن لم تكونوا جنباً للجمعة ” و أخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة سواء نواه للجمعة أم لا ، و في الاستدلال به علي ذلك بعد (1).
الثاني : أنه لا يجزئ و لابد ليوم الجمعة من غسل مخصوص ، و هذا قول ابن حزم و جماعة .
قال ابن حزم : ” برهان ذلك قول الله تعالى ( و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) . و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” إنما الأعمال بالنيات ، و لكل امرئ ما نوى ” .
فيصح يقيناً أنه مأمور بكل غسل من هذه الأغسال ، فإذا قد صح ذلك ، فمن الباطل أن يجزئ عمل عن عملين أو أكثر … ” (2).
و حكى ابن حزم هذا القول عن جماعة من السلف منهم جابر بن زيد و الحسن و قتادة و إبراهيم النخعي و الحكم و طاءوس و عطاء و عمرو بن شعيب و الزهري و ميمون بن مهران .
و قد نقل الحافظ عن أبي قتادة أنه قال لابنه و قد رآه يغتسل يوم الجمعة : ” إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلاً آخر للجمعة ” . أخرجه الطحاوي و ابن المنذر و غيرهما (3).
القول الثالث : أنه لا يجزئ عنه إلا بالنية ، أي إذا نوى الكل . قال النووي : ” و أما إذا وجب عليه يوم الجمعة غسل جنابة فنوى الغسل عن الجنابة و الجمعة معاً فالمذهب صحة غسله لهما جميعاً و به قطع المصنف و الجمهور …. ” (**).
و احتج أصحاب هذا القول بقوله صلى الله عليه و سلم : ” إنما الأعمال بالنيات ، و إنما لكل امرئ ما نوى “.
قال النووي في شرح المهذب : ” .. و لو نوى الغسل للجنابة حصل بلا خلاف ، و في حصول غسل الجمعة قولان : أصحهما عند المصنف في التنبيه و الأكثر ين : لا يحصل ، لأن الأعمال بالنيات ، و لم ينوه . و أصحهما عند البغوي حصوله ، و المختار أنه لا يحصل ” (***).
و حمل الحافظ كلام أبي قتادة لابنه علي ذلك ، حيث قال في شرح قوله صلى الله عليه و سلم : ” غسل يوم الجمعة ” ، قال : ” … و استنبط منه أيضاً أن ليوم الجمعة غسلاً مخصصاً حتى لو وجدت صورة الغسل فيه لم يجز عن غسل الجمعة إلا بالنية ، و قد أخذ بذلك أبو قتادة فقال لابنه و قد رآه يغتسل يوم الجمعة : ” إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلاً آخر للجمعة ” (4).

قال المنبر: لكن هناك وجه آخر يمكن أن يحمل عليه كلام أبي قتادة غير الإجزاء و عدمه ، ألا و هو تحصيل فضيلة مخصوصة لمن يقصد إلى غسل الجمعة و ينويه كما جاء عند ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و غيرهم عن عبد الله بن أبي قتادة قال : دخل علي أبي و أنا أغتسل يوم الجمعة ، فقال : غسلك هذا من جنابة أو للجمعة ؟ قلت : من جنابة . قال : أعد غسلاً آخر ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ” من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلي الجمعة الأخرى ” (1).
فائدة :
قال الحافظ في الفتح : ” حكى ابن العربي و غيره أن بعض أصحابهم قالوا : يجزئ عن الاغتسال للجمعة التطيب ، لأن المقصود النظافة .
و قال بعضهم : لا يشترط له الماء المطلق بل يجزئ بماء الورد و نحوه .
و قد عاب ابن العربي ذلك و قال : هؤلاء وقفوا مع المعنى ، و أغفلوا المحافظة على التعبد بالمعين ، و الجمع بين التعبد و المعنى أولى . انتهى .
و عكس ذلك قول بعض الشافعية بالتيمم (*)، فإنه تعبد دون نظر المعنى .
أما الاكتفاء بغير الماء المطلق فمردود ، لأنها عبادة لثبوت الترغيب فيها فيحتاج إلى النية ، و لو كان لمحض النظافة لم تكن كذلك ، و الله أعلم ” . أ ﻫ (2).
و نقل ابن عثيمين عن شيخ الإسلام قوله : ” جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها ، فإنه لا يتيمم عنها ، لأن التيمم إنما شرع للحدث . و معلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير ، لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه (****).

3-التنظيف :
و التنظيف أمر زائد على الاغتسال ، جاءت به السنة كما في حديث سلمان مرفوعاً عند البخاري : ” لا يغتسل رجل يوم الجمعة و يتطهر ما استطاع من طهر ، و يدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى ” (*)
و التنظف أمر زائد عن الاغتسال ، و يكون بقطع الرائحة الكريهة و أسبابها من الشعور التي أمر الشارع بإزالتها فيسن حلق العانة و نتف الإبط و حف الشارب و تقليم الأظافر ، و هذا لا يكون كل جمعة . و لكن يتأكد إذا فحشت، و قد وقت النبي صلى الله عليه و سلم لها ألا تزيد عن أربعين يوما .

4-استعمال الطيب و الدُّهن :
فيسن استعمال الطيب إن وجد ، لحديث أبي سعيد قال : أشهد على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ” الغسل واجب علي كل محتلم ، و أن يستن و أن يمس طيباً إن وجد ” .
قال عمرو بن سليم راوي الخبر : أما الغسل فأشهد أنه واجب ، و أما الاستنان و الطيب ، فالله أعلم أ واجب هو أم لا ؟ و لكن هكذا في الحديث (1).
و بوب البخاري في صحيحه للحديث بقوله : باب الطيب للجمعة .
قال الحافظ : لم يذكر حكمه أيضاً لوقوع الاحتمال فيه كما سبق (2).
و قوله ( إن وجد ) و في رواية مسلم : ” و يمس من الطيب ما يقدر عليه ” فهذا يدل علي تأكده كما قال النووي ، و يؤخذ من اقتصاره علي لمس الأخذ بالتخفيف في ذلك . و جاء في رواية لمسلم ( و لو من طيب المرأة ) . قال الحافظ : و هو ما ظهر لونه و خف ريحه (3). قال النووي : فإباحة الطيب للرجل هنا للضرورة لعدم غيره ، و هذا يدل على تأكيده و الله أعلم (4).
و اختلف العلماء في حكم الطيب ، و الجمهور أنه سنة و ليس بواجب ، و حكى القرطبي الإجماع علي ذلك حيث قال في تعليق علي الحديث : ظاهره وجوب الاستنان و الطيب لذكرهما بالعطف ، فالتقدير : الغسل واجب ، و الاستنان و الطيب كذلك . قال : و ليسا بواجبين اتفاقاً ، فدل على أن الغسل ليس بواجب (5).
و قد اعترض على دعوى الإجماع ، حيث نقل الحافظ عن ابن المنير قوله : … و على أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة ، فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه عن أبي هريرة أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة و إسناده صحيح . و كذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر (1).
و أما استحباب الدُّهن (2)فلحديث سلمان الفارسي عند البخاري مرفوعاً : ” لا يغتسل رجل يوم الجمعة و يتطهر ما استطاع من طُهر و يدَّهن من دُهنه ، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام ، إلا غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى ” (3).
و قد بوب البخاري للحديث بقوله : باب الدُّهن للجمعة .
قال الحافظ :
قوله ( و يدَّهن ) المراد به إزالة شعث الشعر به ، و فيه إشارة إلي التزين يوم الجمعة (4).

5-استعمال السواك :
و قد دلت السنة على استحباب السواك للجمعة ،لحديث أبي سعيد قال : أشهد على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ” الغسل واجب على كل محتلم ، و أن يستن و أن يمس طيباً إن وجد ” و لعموم الأحاديث في استحباب السواك لكل صلاة . و قد بوب البخاري في صحيحه بقوله : باب السواك يوم الجمعة …
قال الزين بن المنير : لما خصت الجمعة بطلب تحسين الظاهر من الغسل و التنظيف و التطيب ناسب ذلك تطيب الفم الذي هو محل الذكر و المناجاة ، و إزالة ما يضر الملائكة و بني آدم (1).
و قال الحافظ في تعليق علي حديث حذيفة : ” كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا قام الليل يشوص فاه “، و وجه مناسبته لعنوان الترجمة قال : و وجه مناسبته أنه شرع في الليل لتجمل الباطن فيكون في الجمعة أحرى ، لأنه شرع لها التجمل في الباطن و الظاهر(2) .

6-تخصيص لباس حسن للجمعة :
لحديث عبد الله بن سلام عن أبي داود و غيره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ” ما على أحدكم إن وجد ، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ” (3).
قال في عون المعبود : و الحديث يدل على استحباب لُبس الثياب الحسنة يوم الجمعة ، و تخصيصه بملبوس غير ملبوس سائر الأيام(4) .
و قد بوب البخاري في صحيحه باب يَلبس أحسن ما يجد ، و أورد فيه حديث ابن عمر ” أن عمر رأى حلة سِيراء ( 5 )عند باب المسجد ، فقال : يا رسول الله ، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة ” (6)، و وجه الاستدلال من جهة تقريره صلى الله عليه و سلم لعمر على التجمل يوم الجمعة ، و قصر الإنكار على لبس تلك الحلة لكونها كانت حريراً .

7-التبكير إلي الجمعة :
فيستحب التبكير إلى الجمعة لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ” من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ، و من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، و من راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، و من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، و من راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ” (1).
قال ابن القيم في توجيه اختصاص الجمعة بذلك : أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام ، و كان العيد مشتملاً علي صلاة و قربان ، و كان يوم الجمعة يومَ صلاة ، فجعل الله سبحانه التعجيل فيه إلي المسجد بدلاً من القربان و قائماً مقامه ، فيجتمع للرائح فيه إلي المسجد الصلاة و القربان .
و قد دل الحديث علي استحباب التبكير إلي الجمعة في الساعة الأولى ، و قد اختلف الفقهاء في هذه الساعة علي ثلاثة أقوال ، ذكرها النووي في شرح المهذب، قال :
الأول : الصحيح عند المصنف و الأكثرين : من طلوع الفجر .
و الثاني : من طلوع الشمس . و به قطع المصنف في التنبيه ، و ينكر عليه الجزم به .
و الثالث : أن الساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال ، و اختاره القاضي حسين و إمام الحرمين و غيرهما من الخراسانيين و هو مذهب مالك …. ” (2).
و احتج أصحاب هذا القول عليه بحجتين :
إحداهما : أن الروح لا يكون إلا بعد الزوال .
الثانية : أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير ، و لم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس ، و أنكر مالك التبكير إليها في أول النهار ، و قال : لم ندرك عليه أهل المدينة .
و قال : أما الذي يقع بقلبي ، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات …
قال أبو عمر ابن عبد البر : و الذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة و يشهد له أيضاً العمل بالمدينة عنده ، و هذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل ، لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء .
قال فمن الآثار التي يحتج بها مالك ، ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” إذا كان يوم الجمعة ، قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة ، يكتبون الناس ، الأول فالأول ، فالمهَجَّر إلي الجمعة كالمُهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة (1)… ” الحديث … فجعل الأول مُهَجَّراً ، و هذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة و التهجير و ذلك وقت النهوض إلى الجمعة ، و ليس ذلك وقت طلوع الشمس …
و قال النووي في الرد علي قول مالك و من وافقه : ” … و معلوم أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يخرج إلى الجمعة متصلاً بالزوال ، و كذلك جميع الأئمة في جميع الأمصار ، و ذلك بعد انقضاء الساعة السادسة فدل عليى أنه لا شيء من الهدى و الفضيلة لمن جاء بعد الزوال و لا يكتب له شيء أصلاً ، لأنه جاء بعد طي الصحف ، و لأن ذكر الساعات إنما كان للحث علي التبكير إليها و الترغيب في فضيلة السبق و تحصيل فضيلة الصف الأول و انتظارها و الاشتغال بالتنفل و الذكر و نحوه ، و هذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال شيء منه و لا فضيلة للمجيء بعد الزوال ، لأن النداء يكون حينئذ و يحرم التأخير عنه … ” (2).
و قال ابن قدامة في الرد علي قول مالك أيضاً : ” … و أما قول مالك فمخالف للآثار ، لأن الجمعة يُستحب فعلها عند الزوال ، و كان النبي صلى الله عليه و سلم يبكر بها ، و متى خرج الإمام طويت الصحف ، فلم يُكتب من أتى الجمعة بعد ذلك ، فأي فضيلة لهذا ؟ ! …. (3)
و قال ابن القيم في الرد علي أدلة مالك و من وافقه :
” قلت : و مدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور (4):
إحداها : على لفظة الرواح ، و أنها لا تكون إلا بعد الزوال .
و الثاني : لفظة التهجير ، و هي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر .
و الثالث : عمل أهل المدينة ، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار .
فأما لفظة الرواح ، فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال ، و هذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغدو ، كقوله تعالى : ( غدوها شهر و رواحها شهر ) ، و قوله صلى الله عليه و سلم : ” من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح ” … (1)
و قد يطلق الرواح بمعنى الذهاب و المضي ، و هذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو .
و قال الأزهري في التهذيب : سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت ، يقال : راح القوم : إذا ساروا ، و غدوا كذلك … و من ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة ، و هو بمعنى المضي إلي الجمعة و الخفة إليها ، لا بمعنى الرواح بالعشي .
و أما لفظ التهجير و المهجَّر ، فمن الهجير و الهاجرة ، قال الجوهري : هي نصف النهار عند اشتداد الحر ، تقول منه : هجَّر النهار … و يقال أتينا أهلنا مهجَّرين ، أي في وقت الهاجرة و التهجير ، و التهجُّر : السير في الهاجرة ، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة .
قال آخرون : الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح ، فإنه يطلق و يراد به التبكير .
قال الأزهري في التهذيب : روى مالك عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه ” (2).
و في حديث آخر مرفوع : ” المهجَّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ” .
قال و يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال ، و هو غلط ، و الصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شُميل أنه قال : التهجير إلي الجمعة و غيرها : التبكير و المبادرة إلى كل شيء ، قال : سمعت الخليل يقول ذلك . قاله في تفسير هذا الحديث .
قال الأزهري : و هذا صحيح ، و هي لغة أهل الحجاز و من جاورهم من قيس …
قال الأزهري : و سائر العرب يقولون : هجَّر الرجل : إذا خرج وقت الهاجرة …
قال ابن القيم : و أما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أوَّل النهار ، فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله ، و هذا ليس بحجة ، و لا عند من يقول : إجماع أهل المدينة حجة ، فإن هذا ليس فيه إلا تركُ الرواح إلى الجمعة من أول النهار ، و هذا جائز للضرورة ، و قد يكون اشتغال الرجل بمصالحه و مصالح أهله و معاشه و غير ذلك من أمور دينه و دنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار .
و لا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة و جلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى ، أفضل من ذهابه و عوده في وقت آخر للثانية ، كما قال صلى الله عليه و سلم : ” و الذي ينتظر الصلاة ثم يُصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله “(1) ، و أخبر أن الملائكة لم تزل تصلي عليه مادام في مصلاه “(2) و أخبر ” أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا و يرفع به الدرجات ، و أنه الرَّباط “(3) و أخبر ” أن الله يُباهي ملائكته بمن قضى فريضة و جلس ينتظر أخرى ” (4).
و هذا يدل على أن من صلَّى الصبح ، ثم جلس ينتظر الجمعة ، فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في وقتها ، و كون أهل المدينة و غيرهم لا يفعلون ذلك ، لا يدل على أنه مكروه ، فهكذا المجيء إليها و التبكير في أول النهار “(5) .
و قال الخطابي في شرح هذا الحديث : ” معنى راح قصد الجمعة و توجه إليها مبكراً قبل الزوال .
قال : و إنما تأولناه هكذا لأنه لا يتصور أن يبقى بعد الزوال خمس ساعات في وقت الجمعة .
قال : و هذا شائع الكلام ، تقول : راح فلان بمعنى قصد ، و إن كان حقيقة الرواح بعد الزوال و الله أعلم (6).
و اختلف في المراد بالساعات ، أهو المتبادر إلي الذهن من العرف فيها ، قال الحافظ : ” و فيه نظر : إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي و الصائف ، لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات ، و في الطول إلى أربع عشرة . و هذا الإشكال للقفَّال ، و أجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول و القصر ، فالنهار اثنتا عشرة ساعة ، لكن يزيد كل منها و ينقص ، و الليل كذلك ، و هذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات و تلك التعديلية ، و قد روى أبو داود و النسائي و صححه الحاكم من حديث جابر مرفوعاً : ” يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة ” و هذا و إن لم يرد في حديث التبكير ، فيستأنس به في المراد بالساعات .
و قيل : المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلي الزوال ، و أنها تنقسم إلى خمس . و تجاسر الغزالي فقسمها برأيه ، فقال : الأولى من طلوع الفجر إلي طلوع الشمس ، و الثانية إلي ارتفاعها ، و الثالثة إلي انبساطها ، و الرابعة إلى أن ترمص الأقدام ، و الخامسة إلى الزوال .
و اعترضه ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى ، و إلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى ، لأن المراتب متفاوتة جداً … ” (1).

فائدة :
قال النووي : ” من جاء في أول ساعة من هذه الساعات و من جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو غيرهما ، و لكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة ، و بدنة المتوسط متوسطة … ” (2).

8-استحباب المشي إليها و عدم الركوب من غير عذر :
قال ابن قدامة : ” و المستحب أن يمشي و لا يركب ، لقوله : ( و مشي و لم يركب ) (1). و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لم يركب في عيد و لا في جنازة (2). و الجمعة في معناهما ، و إنما لم يذكرها ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم كان باب حجرته شارعاً في المسجد يخرج منه إليه ، فلا يحتمل الركوب . و لأن الثواب علي الخطوات …. ” (3).
قال النووي : ” … قوله صلى الله عليه و سلم : ( و مشى و لم يركب ) فقد قدمنا عن حكاية الخطابي عن الأثرم أنه للتأكيد ، و أنهما بمعنى . و المختار أنه احتراز من شيئين : أحدهما : نفي توهم حمل المشي علي المضي و الذهاب و إن كان راكباً . و الثاني : نفي الركوب بالكلية ، لأنه لو اقتصر علي المشي لاحتمل أن المراد وجود شيء من المشي و لو في بعض الطريق ، فنفى ذلك الاحتمال و بين أن المراد مشي جميع الطريق و لم يركب في شيء منها … ” (4).
قال ابن قدامة في المغني : ” و يستحب أن يكون عليه السكينة و الوقار في حال مشيه ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم : ” إذا سمعتم الإقامة فامشوا و عليكم السكينة و الوقار ، و لا تُسرعوا “(5) و لأن الماشي إلي الصلاة في صلاة ، و لا يشبك بين أصابعه ، و يقارب بين خطاه ، لتكون أكثر لحسناته ، و قد روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه خرج مع زيد بن ثابت إلي الصلاة ، فقارب بين خطاه ، ثم قال : ” إنما فعلتُ لتكثر خطانا في طلب الصلاة ” (6)” (7).
قال النووي في شرح المهذب : ” … و اتفقت نصوص الشافعي و الأصحاب علي أن السنة أن يمشي إلي الجمعة بسكينة و وقار ، و به قال جمهور العلماء من الصحابة و التابعين و من بعدهم … و أما قول الله تعالى : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله ) فمعناه : اذهبوا و امضوا لأن السعي يطلق علي الذهاب و علي العدو ،فبينت السنة المراد به ” (1).
و قد بوب البخاري في صحيحه باب المشي إلي الجمعة و قول الله جل ذكره ( فاسعوا إلي ذكر الله ) … و أورد حديث ” لا تأتوها و أنتم تسعون “(2) . قال الحافظ : ” إِشارة منه إلى أن السعي المأمور به في الآية غير السعي المنهي عنه في الحديث ، و الحجة فيه أن السعي في الآية فسر بالمضي ، و السعي في الحديث فسر بالعَدو لمقابلته بالمشي حيث قال : ” لا تأتوها تسعون و ائتوها تمشون ” “(3)
قال ابن قدامة في المغني : ” و روينا عن بعض الصحابة أنه مشى إلي الجمعة حافياً فقيل له في ذلك ، فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ” من اغبرت قدماه في سبيل الله ، حرمها الله علي النار ” ” (4)(5).
فائدة :
قال علماء التفسير : في التعبير بقوله : ( فاسعوا إلي ذكر الله … ) لطيفة، و هي أنه ينبغي للمؤمن أن يقوم إلي صلاة الجمعة بجد و نشاط و عزيمة و همة …
قال الحسن : ” و الله ما هو سعي الأقدام ، و لقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا و عليهم السكينة و الوقار ، و لكن بالقلوب و النية و الخشوع . و قال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك و عملك (6).

عدم تخطي الرقاب :
و ذلك لقوله صلى الله عليه و سلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة : ” اجلس فقد آذيت و آنيت “(1) .
و اختلف العلماء في حكم التخطي على أقوال :
الأول : الكراهة إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي ، فلا يكره حينئذ .
و هو مذهب الشافعية (2)و رواية عن أحمد(3) ، و به قال الأوزاعي و آخرون .
قال أحمد : يدخل الرجل ما استطاع ، و لا يدع بين يديه موضعاً فارغاً ، فإن جهل فترك بين يديه خالياً فليتخطَّ الذي يأتي بعده ، و يتجاوز إلى الموضع الخالي ، فإنه لا حرمة لمن ترك بين يديه خالياً ، و قعد في غيره .
و قال الأوزاعي : يتخطاهم إلى السعة ، و قال قتادة : يتخطاهم إلى مصلاه .
و قال الحسن : تخطوا رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد ، فإنه لا حرمة لهم(4) .
الثاني : الكراهة مطلقاً .
حكاه ابن المنذر عن سلمان الفارسي و أبي هريرة و سعيد بن المسيب و عطاء .
و روي عن أحمد : إن كان يتخطى الواحد و الاثنين فلا بأس لأنه يسير فعفي عنه ، و إن كثر كرهناه (5) . و حمل ابن قدامة هذه الرواية في حق من لم يفرطوا ، و إنما جلسوا في أماكنهم لامتلاء ما بين أيديهم ، لكن فيه سعة يمكن الجلوس فيه لازدحامهم (*).
قال ابن عثيمين : و لكن الذي أرى أنه لا يتخطى حتى و لو إلى فرجة ، لأن العلة و هي الأذية موجودة ، و كونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب ، مثل أن تكون الفرجة في أول الأمر ليست واسعة ثم مع التزحزح اتسعت فحينئذ لا يكون منهم تفريط ، فالأولى الأخذ بالعموم و هو ألا يتخطى إلى فرجة(6).
الثالث : الكراهة إذا جلس الإمام على المنبر ، و لا بأس قبله، و هو قول مالك .

الرابع : التحريم ،و هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه(1) . و اختاره ابن المنذر و قال : لأن الأذى يحرم قليله ، يحرم كثيره ، و هذا أذى كما جاء في الحديث الصحيح …(2).
و قال ابن عثيمين : و الصحيح أن تخطي الرقاب حرام في الخطبة و غيرها ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم لرجل رآه يتخطى رقاب الناس : ” اجلس فقد آذيت ” (3)
و أما الإمام فلا يكره له التخطي إذا لم يجد طريقاً ، لأنه موضع حاجة (4).فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بلا تخط فإنه كغيره في التخطي ، لأن العلة واحدة(5) .
و يلحق بالإمام في انتفاء الكراهة في التخطي من عرضت له حاجة فخرج لها ثم رجع، لأنه قاصد للوصول لحقه ، و إنما الحرج على من تأخر عن المجيء ثم جاء فتخطى (6).
و كذا إذا لم يمكن الصلاة إلا بالدخول و تخطيهم جاز ، لأنه موضع حاجة (7).

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

سبب تسميته بالجمعة
قال الحافظ : قد اختلف في تسمية هذا اليوم بالجمعة مع الاتفاق أنه كان يسمى في الجاهلية بالعَروبة (1)، فقيل : سمي بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه . ذكره أبو حذيفة عن ابن عباس ، و إسناده ضعيف .
و قيل : لأن خلق آدم جمع فيه . ورد ذلك من حديث سلمان عند أحمد و ابن خزيمة و غيرهما ، و له شاهد عن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً بإسناد قوي ، و أحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف و هذا أصح الأقوال ، و يليه ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة ، و كانوا يسمونه يوم العروبة ، فصلى بهم ، و ذكرهم ، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه . و قيل : لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه ، و يذكرهم و يأمرهم بتعظيم الحرم .. و قيل : لاجتماع الناس فيه للصلاة(2).

(1) قال السهيلي : و معنى العروبة : الرحمة ، فيما بلغنا عن بعض أهل العلم . روح المعاني ( 28 / 99 ) .
(2) الفتح ( 2/ 353 ) .

مبدأ الجمعة

مبدأ الجمعة :
ذكر ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : كنت قائد أبي حين كُفَّ بصره ، فإذا خرجت به إلي الجمعة ، فسمع الأذان بها استغفر لأبي أسامة أسعد بن زرارة ، فمكث حيناً علي ذلك فقلت : إن هذا لعجز. ألا أسأله عن هذا ، فخرجت به كما كنت أخرج ، فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له ، فقلت : يا أبتاه ، أ رأيتَ استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة ؟ قال : أي بني ، كان أسعد أول من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم في هَزْم النَّبيتِ من حَرَّة بني بَياضة في نقيع يقال له : نقيع الخضمات . قلت : فكم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلاً .
قال ابن القيم : و هذا كان مبدأ الجمعة ، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف ، كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين ، و يوم الثلاثاء ، و يوم الأربعاء ، و يوم الخميس ، و أسس مسجدهم ، ثم خرج يوم الجمعة ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، و كانت أول جمعة صلاها بالمدينة ،و ذلك قبل تأسيس مسجده (1).

(1) زاد المعاد (1/373)

فضل يوم الجمعة

لا خلاف بين العلماء أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ، و أنه خير يوم طلعت فيه الشمس ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال : ” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خُلق أدم عليه السلام ، و فيه أدخل الجنة ، و فيه أخرج منها ، و لا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة “(2) .
و حكى ابن القيم خلاف العلماء في المفاضلة بين يوم الجمعة و يوم عرفة ، حيث قال : فإن قيل : فأيهما أفضل : يوم الجمعة أو يوم عرفة ؟ فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :” لا تطلع الشمس و لا تغرب علي يوم أفضل من يوم الجمعة ” (3) ، و فيه أيضاً حديث أوس بن أوس ” خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ” (4) . قيل : ذهب بعض العلماء إلي تفضيل يوم الجمعة علي يوم عرفة ، محتجاً بهذا الحديث ، و حكى القاضي أبو يعلى رواية أحمد أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر .
و الصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ، و يوم عرفة و يوم النحر أفضل أيام العام ، و كذلك ليلة القدر و ليلة الجمعة ، و لهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة
مزية علي سائر الأيام من وجوه متعددة…. ” (5)
و في المسند من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ” سيد الأيام يوم الجمعة ، و أعظمها عند الله ، و أعظم عند الله من يوم الفطر و يوم الأضحى ، و فيه خمس خصال : خلق فيه آدم ، و أهبط الله فيه آدم إلي الأرض ، و فيه توفي الله عز و جل آدم ، و فيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حراماً ، و فيه تقوم الساعة ، ما من ملك مقرب و لا أرض و رياح و لا بًحْر و لا جبال و لا شجر ، إلا وهن يشفق من يوم الجمعة “(6).

لذا،أدخَّر الله هذا اليوم لهذه الأمة و خصها به ، و أضل عنه اليهود و النصارى ، فعن أبي هريرة و حذيفة رضى الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ” أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، و كان للنصارى يوم الأحد ، فجاء بنا فهدانا الله ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة و السبت و الأحد ، و كذلك هم تبع لنا يوم القيامة … “(7) .

و في لفظ متفق عليه من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ” نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، و أوتيناه من بعدهم ، , هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فهم لنا فيه تبع ، فاليهود غداً و النصارى بعد غد “(8) .

و عن عائشة رضى الله عنها قالت : بينما أنا عند النبي صلى الله عليه و سلم ، إذ استأذن رجل من اليهود ، فأذن له ، فقال : السَّام عَليك ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : و عليك . قالت: فهمت أن أتكلم . قالت : ثم دخل الثانية ، فقال مثل ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : و عليك ، قالت : فهمت أن أتكلم ، ثم دخل الثالثة ، فقال : السَّام عليكم . قالت : فقلت : بل السام عليكم ، و غضب الله ، إخوان القردة و الخنازير ، أتحيون رسول الله بما لم يُحيَّه به الله عز و جل ؟! قالت : فنظر إليَّ فقال : مَهْ ! إن الله لا يُحب الفحش و لا التفحش ، قالوا قولاً فرددناه عليهم ، فلم يضرنا شيئاً ، و لزمهم إلي يوم القيامة ، إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها ، و ضلوا عنها. ” الحديث (9)

(1) زاد المعاد (1/373)
(2) رواه مسلم (854) ، و غيره .
(3) رواه ابن حبان في صحيحه (551) و حسنه الأرناؤوط .
(4) هذا لفظ مسلم من حديث أبي هريرة و قد تقدم ، و لفظ ابن حبان ” إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة … ” و صححه الأرناؤوط
(5) زاد الميعاد (1/ 59 ، 60 ) .
(6) رواه أحمد في المسند ( 3 / 430 ) ، و ابن ماجة ( 1084 ) ، و ضعفه الألباني في ضعيف الجامع ( 3317 ) ثم حسنه في صحيح سند ابن ماجة (ح 888 ) ، و حسنه الأرناؤوط .
(7) رواه مسلم ( 856 ) .
(8) رواه البخاري ( 876 ) ، و مسلم ( 856 ) .
(9) رواه أحمد ( 6 / 134 ، 135 ) ، قال الأرناؤوط : سند حسن ، و له شواهد في الصحيح و غيره .

خصائص يوم الجمعة
1. يوم عيد متكرر.
2. أنه موافق ليوم المزيد.
3. فيه ساعة الإجابة.
4. قراءة ألم تنزيل والسجدة.
5. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيه.
6. قراءة سورة الكهف.
7. جواز الصلاة نصف النهار.
8. فضل الأعمال الصالحة فيه.
9. فيه تقوم الساعة.
10. أقسم الله به .
11. صلاة الجمعة.

خصائص يوم الجمعة :
كان من هديه صلى الله عليه و سلم تعظيم هذا اليوم و تشريفه و تخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره ، و من خصائص هذا اليوم :

1-أنه يوم عيد متكرر :
فيحرم صومه منفرداً ، مخالفة لليهود و ليتقوى علي الطاعات الخاصة به من صلاة و دعاء و نحوه ، قال صلى الله عليه و سلم : ” إن يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده “(1) .

(1) رواه أحمد في المسند ( 15 / 157 ) ح ( 8012 ) و قال الشيخ أحمد شاكر : إسناده صحيح .

2-أنه موافق ليوم المزيد في الجنة :
و هو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في وادٍ أفيح ، و يُنصب لهم منابرُ من لؤلؤ ، و منابر من ذهب ، و منابر من زبرجد ، و ياقوت علي كثبان المسك ، فينظرون إلي ربهم تبارك و تعالى و يتجلى لهم ، فيرونه عياناً ، و يكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحاً إلي المسجد و أقربهم منه أقربهم من الإمام (1).
و في حديث أنس الطويل : ” … فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلي يوم الجمعة ، ليزدادوا نظراً إلي ربهم – عز و جل – و كرامته ، و لذلك دعي يوم المزيد ” (2) .

(1) زاد المعاد ( 1 / 63 ، 64 ) .
(2) رواه ابن أبي شيبة و غيره و انظر صحيح الترغيب و الترهيب ( 1 / 291 ) ح 694 .

3-أن فيه ساعة الإجابة
و هي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم فيها شيئاً إلا أعطاه ، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم و هو قائم يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إيَّاه . و قال بيده يُقللَّها ” (1) .

(1) رواه البخاري ( 891 ) ، و مسلم ( 879 ) .

4-قراءة سورتي ( آلم تنزيل ) و ( هل أتى علي الإنسان ) في صلاة الفجر يوم الجمعة :
و كان صلى الله عليه و سلم يفعل ذلك (1) ،قال ابن تيميه في توجيه ذلك :
إنما كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان و ما يكون في يومهما ، فإنهما اشتملتا على خلق آدم ، و على ذكر المعاد و حشر العباد ، و ذلك يكون يوم الجمعة ، و كان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه و يكون ، و السجدة جاءت تبعاً ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت .
قال ابن القيم : و يظن كثير من لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ، و يسمونها سجدة الجمعة ، و إذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة ، استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة (2) ، و لهذا كره من كره من الأئمة المداومة علي قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعاً لتوهم الجاهلين (3) .
(1) رواه البخاري ( 891 ) ، و مسلم ( 879 ) .
(2)و ممن نُقل عنه ذلك من أهل العلم إبراهيم النخعي ، فذكر الحافظ عنه عند ابن أبي شيبة بإسناد قواه أن إبراهيم النخعي قال : يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة . و عنده من طريقه أيضاً أنه فعل ذلك فقرأ سورة مريم . و من طريق ابن عون قال : كانوا يقرءون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة . و عنده من طريقه أيضاً قال : و سألت محمداً – يعني ابن سيرين – عنه فقال : لا أعلم به بأساً .
قال الحافظ : فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة و البصرة ، فلا ينبغي القطع بتزييفه . الفتح ( 2 / 440 ) .
(3) زاد المعاد ( 1 / 375 ) . و انظر كلام الحافظ في الفتح ( / 439 ، 440 ) حيث أفاض في ذكر الخلاف في المسألة و فيه مزيد تفصيل .

5-استحباب كثرة الصلاة علي النبي صلى الله عليه و سلم فيه و في ليلته :
لقوله صلى الله عليه و سلم في حديث أنس ” أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة و ليلة الجمعة ” (1)
و عن أوس بن أوس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، و فيه قبض ، و فيه النفخة ، و فيه الصعقة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ ” قالوا : يا رسول الله، و كيف تعرض عليك صلاتنا و قد أرِمْتَ (2)؟ فقال :” إن الله عز و جل حَّرم علي الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ” (3) .
قال ابن القيم : و رسول الله صلى الله عليه و سلم سيدُ الأنام ، و يوم الجمعة سيد الأيام ، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره ، مع حكمة أخرى و هي أن كل خير نالته أمته في الدنيا و الآخرة ، فإنما نالته علي يده ، فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا و الآخرة ، فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة ، فإن فيه بعثهم إلي منازلهم و قصورهم في الجنة ، و هو يوم المزيد إذا دخلوا الجنة ، و هو يوم عيد لهم في الدنيا ، و يوم فيه يُسعفهم الله تعالى بطلباتهم و حوائجهم ، و لا تُردُّ سائلهم ، و هذا كله إنما عرفوه و حصل لهم بسببه و علي يده ، فمن شكره و حمده و أداء القليل من حقه صلى الله عليه و سلم أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم و ليلته (4) .

(1) رواه البيهقي من حديث أنس و حسنه الأرناوؤط ، و هو في الصحيحة ( 1407 ) .
(2) أي بليت .
(3) رواه الخمسة إلا الترمذي . و قال الألباني : إسناده صحيح . فضل الصلاة علي النبي صلى الله عليه و سلم ص 35 .
(4) زاد المعاد ( 1 / 376 ) .

6-استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة و ليلته :
فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين ” (1) .
و في رواية له : ” من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة ، سطع له نور من تحت قدمه إلي عَنان السماء يضيء به يوم القيامة ، و غفر له ما بين الجمعتين ” (2) .
و أما قراءة سورة الدخان فلم يصح الحديث الوارد فيها ، و هو حديث الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً : ” من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له ” . قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه …. و أورده الألباني في ضعيف سنن الترمذي ( 545 ) .

(1) رواه النسائي و البيهقي و الحاكم و صححه الألباني في الصحيحة ( 2651 ) .
(2) أخرجه الحاكم و البيهقي و صححه الأرناوؤط . و أخرجه الدارمي في مسنده موقوفاً علي أبي سعيد و رجاله ثقات . و مثله لا يقال بالرأي ، فله حكم الرفع .
و قال ابن القيم : و ذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري و هو أشبه ( الزاد 1 / 378 ) . و أخرجه الدارمي من قوله بلفظ : ” من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له فيما بينه و بين البيت العتيق ” . و صححه الألباني في صحيح الجامع ( 6471 ) .

7-جواز الصلاة نصف النهار يوم الجمعة دون سائر الأيام من غير كراهة :
و هو اختيار أبي العباس ابن تيميه لحديث : ” لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، و يتطهر ما استطاع من طهر و يدَّهن من دُهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج ، فلا يفرق بين اثنين ، ثم يُصلي ما كتب له ، ثم يُنصِت إذا تكلَّم الإمام إلا غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى ” (1).
قال ابن القيم : فندبه إلي الصلاة ما كتب له ، و لم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام (2).
و لهذا قال غير واحد من السلف منهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، و تبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل : خروج الإمام يمنع الصلاة ، و خطبته تمنع الكلام ، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار .
و أيضاً فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف ، و لا يشعرون بوقت الزوال ، و الرجل يكون متشاغلاً بالصلاة لا يدري بوقت الزوال ، و لا يمكنه أن يخرج و يتخطى رقاب الناس و ينظر إلي الشمس و يرجع و لا يشرع له ذلك …
قال الشافعي : من شأن الناس التهجير إلي الجمعة ، و الصلاة إلي خروج الإمام .
قال البيهقي : الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة ، و هو النبي صلى الله عليه و سلم رغَّب في التبكير إلي الجمعة ن و في الصلاة إلي خروج الإمام من غير استثناء ، و ذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة ، و روينا الرخصة في ذلك عن عطاء و طاءوس و الحسن و مكحول .
قال ابن القيم : اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار علي ثلاثة أقول :
أحدهما : أنه ليس وقت كراهة بحال ، و هو مذهب مالك .
الثاني : أنه وقت كراهة في يوم الجمعة و غيرهما ، و هو مذهب أبي حنيفة و المشهور من مذهب أحمد .
الثالث : أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة ، فليس بوقت كراهة ، و هذا مذهب الشافعي (3).

قال الحافظ ابن حجر : كراهة الصَّلاة نصف النهار هو مذهب الأئمة الثلاثة و الجمهور ، و خالف مالك فقال : و ما أدركت أهل الفضل إلا و هم يجتهدون يُصلَّون نصف النهار . قال ابن عبد البر : و قد روى مالك حديث الصُّنابحي ، و لفظه : ” ثم إذا استوت قارَنَها فإذا زالت فارقها و في آخره : ” و نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في تلك الساعات .
فإما أنه لم يصح عنده ، و إما أنه رده بالعمل الذي ذكره . و قد استثنى الشافعي و من وافقه من ذلك يوم الجمعة (4) .

(1) رواه البخاري ( 2 / 308 ، 309 ) .
(2) زاد المعاد ( 1 / 378 ) .
(3) زاد المعاد ( 1 / 378 – 380 ) بتصرف يسير .
(4) نقلاً عن عون المعبود .

8-أن للأعمال الصالحة فيه مزية عليها في سائر الأيام :
فعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة : من عاد مريضاً ، و شهد جنازة ، و صام يوماً ، و راح يوم الجمعة ، و أعتق رقبة ” (1) .
قال ابن القيم في الهدي : ” الثالثة و العشرون : أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتفَّرغ فيه للعبادة ، و له علي سائر الأيام مزية بأنواع العبادات واجبة و مستحبة ، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يوماً يتفرغون فيه للعبادة ، و يتخلَّون فيه عن أشغال الدنيا ، فيوم الجمعة يوم عبادة ، و هو في الأيام كشهر رمضان في الشهور ، و ساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان ، و لهذا من صح له يوم جمعته و سلِم ، سلمت له سائر جمعته ، و من صح له رمضان و سلم ، سَلِمت له سائر سنته ، و من صحت له حجته و سلمت له ، صح له سائر عمره ، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع ، و رمضان ميزان العام ، و الحج ميزان العمر … ” (2) .
و قال في موضع آخر : ” الخامسة و العشرون : أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام ، و الصدقة فيه بالنسبة إلي سائر أيام الأسبوع ، كالصدقة في رمضان بالنسبة إلي سائر الشهور . و شاهدت شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه ، إذا خرج إلي الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره ، فيتصدق به سراً ، و سمعته يقول : إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل و أولى بالفضيلة … ” (3) .
و في المصنف من حديث ابن عباس عن كعب في الجمعة : ” و الصدقة فيه أعظم … من الصدقة في سائر الأيام ” (4)

(1) رواه ابن حبان في صحيحه ( 713 ) و صححه الألباني في الصحيحة ( 1023 ) ، و أخرجه أبو يعلى بلفظ ” … من صام يوم الجمعة ، و راح إلي الجمعة ، و عاد مريضاً ، و شهد جنازة ، و أعتق رقبة ” و سنده صحيح كما قال الألباني في الصحيحة ( 3 / 21 ) .
و المراد أن صيامه وافق يوم الجمعة بدون قصد إلي ذلك كما في بعض ألفاظ الحديث : ” من وافق صيامه يوم الجمعة ، و عاد مريضاً … ” الحديث . و سنده صحيح . المرجع السابق .
(2) زاد المعاد ( 1 / 398 ) .
(3) زاد المعاد ( 1 / 407 ) .
(4) المصنف ( 5558 ) و قال الأرناوؤط : رجاله ثقات ، و إسناده صحيح .

9-أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة ، و يُطوى فيه العالم ، و تخرب فيه الدنيا ، و يُبعث فيه الناس إلي منازلهم من الجنة و النار .و فيه تفزع الخلائق كلها إلا الإنس و الجن ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، و فيه أهبط ، و فيه تيب عليه ، و فيه مات ، و فيه تقوم الساعة ، و ما من دابة إلا و هي مُصيخة يوم الجمعة ، من حين تًصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة ، إلا الجن و الإنس … ” (1) .

(1) رواه أبو داود ( 1046 ) ، و الترمذي ( 491 ) ، و النسائي ( 1430 ) و صححه الأرناوؤط و غيره .

10-أنه قد فُسَّر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه به :
فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” اليوم الموعود : يوم القيامة ، و اليوم المشهود : يوم عرفة ، و الشاهد يوم الجمعة … ” (1) .
و ذكر ابن القيم في الهدي ليوم الجمعة اثنين و ثلاثين خصوصية منها ما ذكرناه هنا و منها ما يتعلق بصلاة الجمعة و آدابها و بعض المسائل المتعلقة بها من التهيؤ لها و التبكير إليها و الخطبة لها و القراءة فيها ، و غير ذلك مما سيأتي الحديث عليه عند الحديث عن صلاة الجمعة ، و ذكر بعض الخصائص و أشياء فيها نظر و لم يصح فيها الخبر كنفي تسجير جهنم في يومها (2)، و اجتماع الأرواح فيه (3)، و غير ذلك .

(1) رواه الترمذي ( 3336 ) في التفسير ، و قال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة ، و موسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد و غيره . و ذكر ابن كثير في التفسير ( 4 / 491 ) و قال و هكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق موسى بن عبيدة الزبدي و هو ضعيف الحديث ، و قدمه موقوفاً عن أبي هريرة و هو أشبه .
(2) لحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم و فيه : ” إن جهنمَّ تُسجًّر إلا يوم الجمعة ” و الحديث رواه أبو داود ( 1083 ) و سنده ضعيف و فيه انقطاع ، و قد قواه ابن القيم بشواهده ، ثم قال : ” و سر ذلك – و الله أعلم – أنه أفضل الأيام عند الله ، و يقع فيه من الطاعات ، و العبادات ، و الدعوات و الابتهال إلي الله سبحانه و تعالى ، ما يمنع من تسجير جهنم فيه ، و لذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في غيره ، حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت و غيره .
و هذا الحديث الظاهر منه أن المراد تسجْر جهنم في الدنيا ، و أنها توقد كل يوم إلا يوم الجمعة ، و أما يوم القيامة ، فإنه لا يُفَتَّر عذابُها ، و لا يخفف عن أهلها الذين هم أهلها يوماً من الأيام ، و لذلك يدعون الخزنة أن يدعوا ربهم ليخفف عنهم يوماً من العذاب ، فلا يجيبونهم إلي ذلك ” . انظر زاد المعاد ( 1 / 378 ، 379 ، 387 ) .
(3) قال ابن القيم : ” الحادية و الثلاثون : أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم ، و توافيها في يوم الجمعة ، فيعرفون زوارهم و من يمر بهم و يلم عليهم و يلقاهم في ذلك اليوم ، أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام ، فهو يوم يلتقي فيه الأحياء و الأموات ، فإذا قامت فيه الساعة ، التقى الأولون و الآخرون و أهل الأرض و أهل السماء ، و الرب و العبد ، و العامل و عمله ، و المظلوم و ظالمه ، و الشمس و القمر ، و لم تلتقيا قبل ذلك قط ، و هو يوم الجمع و اللقاء ، و لهذا يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره ، فهو يوم التلاق … ” زاد المعاد ( 1 / 415 ، 416 ) .

11 صلاة الجمعة
و هي من أعظم خصائص هذا اليوم،لذا أفردناها بالبحث والتفصيل .
قال ابن القيم : ” الخاصة الثالثة : صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام و من أعظم مجامع المسلمين ، و هي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه و أفرضُه سوى مجمع عرفة ، و من تركها تهاوناً بها طبع الله علي قلبه ، و قرب أهل الجنة يومَ القيامة ، و سبقهم إلي الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة و تبكيرهم ” (1) .
(1) زاد المعاد ( 1 / 376 ) .

🌻🌻كيف تكون حبيبا للرحمن🌻🌻

الأسباب الجالبة للمحبة إجمالاً :

قل ابن القيم رحمه الله : الأسباب الجالبة للمحبة و الموجبة لها هي عشرة :

أحدها : قراءة القرآن بتدبر و التفهم لمعانيه و ما أريد به .

الثاني : التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، فإنها توصلة إلى درجة المحبوبية بعد المحبة .
************************
الثالث : دوام ذكره على كل حال : باللسان و القلب و العمل و الحال ، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.
***********************************
الرابع : إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى ، و التسنم إلى محابه و إن صعب المرتقى .
**********************************************

الخامس : مطالعة القلب لأسمائه و صفاته و مشاهدتها و معرفتها ، و تقلبه في رياض هذه المعرفة و مباديها ، فمن عرف الله
بأسمائه و صفاته و أفعاله : أحبه لا محالة .
********************************
السادس : مشاهدة بره و إحسانه و آلاءه ئه ، و نعمه الظاهرة و الباطنة .
*******************************
السابع : و هو من أعجبها : انكسار القلب بين يدي الله تعالى ، و ليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء
و العبارات .
*****************************
الثامن : الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته و تلاوة كلامه ، و الوقوف بالقلب و التأدب بأدب العبودية بين يديه ، ثم ختم ذلك بالاستغفار و التوبة .
*****************************
التاسع : مجالسة المحبين و الصادقين ، و التقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر ، و لا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام ، و علمت أن فيه مزيداً لكالك و منفعة غيرك .
****************************
العاشر : مباعدة كل سبب يحول بين القلب و بين الله عز و جل .

(1) قراءة القرآن

إن قراءة القرآن العظيم و التدبر في آياته و تفهم معانيها ، لها أثر عظيم في زيادة محبة العبد لربه عز و جل ، فكلما كانت صلة العبد بهذا القرآن أعظم كلما ازدادت محبته لربه ، فإن من يحب شيئاً يكثر من ذكره و الحديث عنه ، و يحب كلامه و كل ما يتعلق به .

و قد ندب الله عز و جل عباده المؤمنين إلى قراءة العناية بهذا القرآن و التدبر في آياته ، و الاتعاظ بمواعظه ، و العمل بما فيه ، و حذر من هجره ، في آياتٍ كثيرات من كتابه :
قال تعالى : { و رتل القرآن ترتيلا }
و قال : { إن الذين يتلون كتاب الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سراً و علانية يرجون تجارة لن تبور }
و قال سبحانه : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به }
و قال عز وجل :{ اتل ما أوحي إليك من الكتاب }
و قال : { أفلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا }
و قال عز وجل :{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها } محمد 24
و عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم : (( خيركم من تعلم القرآن و علمه ))
و عن عائشة رضي الله عنها قالت قال صلى الله عليه و سلم :الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، و الذي يقرأ القرآن و يتعتع فيه ، و هو عليه شاق له أجران .
و قال صلى الله عليه و سلم : ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ))
و عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : أوصى ( يعني النبي صلى الله عليه و سلم ) بكتاب الله .
و عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فينا خطيباً ، فحمد الله و أثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال : (( أما بعد أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، و أن تاركٌ فيكم ثقلين أولهما كتاب الله )) و رغب فيه ، ثم قال : (( و أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي )).
******************************************
(2) التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض

فلا يزال العبد يتقرب إلى الله و يتقرب ، حتى يحبه الله سبحانه ، و يجعله من أوليائه الذين يحبهم و يحبونه .
و في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
(( إن الله تعالى قالل : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، و ما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و إن سألني أعطيته ، و لئن استعاذني لأعيذنه )).
***********************************
(3) دوام ذكر الله على كل حال

و كذلك دوام ذكر الله عز وجل على كل حال باللسان و القلب و العمل و الحال ، من أسباب زيادة محبة العبد لربه ، و لذلك فقد حث الله عز و جل على ذكره فقال جل في علاه : {فاذكروني أذكركم}
و قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيرا }
و قال تعالى : { و الذاكرين الله كثيراً و الذاكرات أعد الله لهم مغفرةً و أجراً عظيما }
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : قال الله عز وجل : (( أنا عند ظن عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، و إن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم .
و حث البي صلى الله عليه و سلم كذلك عل ذكر الله تعالى ، و رغب فيه :فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( مثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه كمثل الحي و الميت ))
*******************************************
(4) إيثار ما يحبه الله على كل شيءٍ سواه

و من الأسباب الجالبة لمحبة الله : إيثار ما يحبه الله على كل شيء سواه ، قال تعالى : { فأما من طغى ، و آثر الحياة الدنيا ، فإن الجحيم هي المأوى ، و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى }
و قال صلى الله عليه و سلم : (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما ، و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، و أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار )).
*********************************************
(5) مطالعة القلب لأسماء الله و صفاته

و أعظم الأسباب التي تزيد محبة العبد لربه : مطالعة أسمائه و صفاته و مشاهدتها بعين القلب ، فإن الله عز و جل أهل لأن يحب بذته ، لأن له جمال الذات و الأسماء و الصفات و الأفعال .
فمن تأمل صفات الله عز و جل و أسماءه و عاش معها ، يصل به الأمر إلى حالةٍ كأنه ينظر إلى الرحمن على عرشه مستوياً عليه ، بائناً من خلقه ، يأمر و ينهى ، و يخلق و يرزق ، و يميت و يحيي ، و يقضي و ينفذ ، و يعز و يذل ، و يقلب الليل و النهار ، و يداول الأيام بين الناس .
أحاط بكل شيءٍ علما ، و أحصى كل شيءٍ عددا ، ووسع كل شيء رحمة و حكمة .
وسع سمعه الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . لا تختلف عليه و لا تشتبه ، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على كثرة حاجاتها . لا يشغله سمع عن سمع ، و لا تغلطه كثرة المسائل ، و لا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات . سواء عنده من أسر القول و من جهر به ، و من هو مستخفٍ بالليل و ساربٌ بالنهار ، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسرَّ ، بل هي عنده كلها كصوتٍ واحد ، كما أن الخلق جميعهم خلقهم و بعثهم عنده بمنزلة واحدة . {ما خلْقُكُمْ و لا بعْثُكُمْ إلا كنفسٍ واحدة}
أحاط بصره بجميع المرئيات : فيرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، و يرى جناح البعوضة في ظلمة الليل ، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور.
له الخلق و الأمر ، و له الملك و الحمد ، و له الدنيا و الآخرة ، و له النعمة و الفضل ، و له الثناء الحسن ، له الملك كله ، و له الحمد كله ، و بيده الخير كله .
لا ينام ، و لا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط و يرفعه ، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، و عمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ….سبحانه .
يمينه ملأى لا تغيضها نفقة ، سحَّاء الليل و النهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض ، فإنه لم يُغْضِ ما في يمينه .
لو أن أشجار الأرض كلها من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا أقلام ، و البحر يمده من بعده سبعة بحار ، فكتب بتلك الأقلام ، و ذلك المداد ، لفنيت الأقلام و نفد المداد ، و لم تنفد كلمات الله … و كيف تنفد و هي لا بداية لها و لا نهاية .
أول بلا ابتداء ، و آخرٌ بلا انتهاء ، لا يفنى و لا يبيد ، و لا يكون إلا ما يريد ، لا تبلغه الأوهام ، و لا تدركه الأفهام ، و لا يشبه الأنام ، حي لا يموت ، قيوم لا ينام ، خالق بلا حاجة ، رازقٌ بلا مؤنه ، مميت بلا مخالفة ، باعثٌ بلا مشقة ، ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه ، لميزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته ، و كما كان بصفاته أزلياً ، كذلك لا يزال عليها أبدياً ، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ، و لا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ، له معنى الربوبية و لا مربوب ، و معنى الخالق و لا مخلوق ، و كما أنه محي الموتى بعدما أحيا استحق اسم هذا الإسم قبل إحيائهم ، كذلك استحق اسم لخالق قبل إنشائهم ذلك بأن على كل شيءٍ قدير ، و كل شيءٍ إليه فقير ، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير .
فإذا عاش العبد مع أسماء الله تعالى و صفاته هكذا ، عظمت محبته لربه عز و جل ، و لم يؤثر هلى رضاه شيئاً أبدا ، و إن مزق أو حرق أو قتل أو عذب في سبيل ذلك بكل ألوان العذاب .
**********************************
(6) مشاهدة نعمه لظاهرة و الباطنة

إن من يتفكر في عظيم إحسان الله له ، و ما حباه به من النعم الظاهرة و الباطنة لا بد أن يحب الله عز و جل حباً عظيماً ، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ، فكيف بمن أنشأها من العدم و صورها في الأرحام ، و غذاها و رعاها في تلك الظلمات ، و يسر لها الخروج إلى هذه الحياة ، ثم توالت نعمه سبحانه عليها ، و أعظمها نعمة الإسلام التي حرم الكثيرون و أنعم بها عليك ، ثم وفقك لطاعته و للأعمال الصلحة , ثم ينعم بعد ذلك عليك في الآخرة بجنته … كل هذه النعم و لا يستحق منك أن تحبه حباً عظيماً صادقاً لا تحبه أحداً من العالمين !!
أروح و قد ختمت على فؤادي بحـبك أن يحل به سـواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي فلـم أنظـر به حتى أراكـا
أحبك لا بـبعضي بل بكـلي و إن لم يُبْقِ حبك لي حراكا
****************************
(7) انكسار القلب بين يدي الرب

إن لذل القلب و انكساره بين يدي الله عز و جل تأثير عجيب في المحبة ، و يفتح أمام العبد أبواباً عظيمة من الخير ، و يوصله إليها من أقرب طريق ، حتى أنه يسبق غيره و هو نائم على فراشه .
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً و تجي في الأول
و قيل لبعض الصالحين : أيسجد القلب ؟ قال : نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء.
و قد عرف بعض السلف العبادة بأنها : غاية الحب مع غاية الذل .
قل ابن القيم :
و عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قسمان
*****************************************
(8) الخلوة بالله وقت النزول الإلهي

و الخلوة بالله سبحانه وقت نزوله في الثلث الأخير من الليل لمناجاته و تلاوة كلامه ، و الوقوف بين يديه و التأدب بأدب العبودية ، من أعظم الأسباب التي تورث القلب محبة الله عز و جل .
قال تعالى : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً و طمعا }
و قال عز و جل :{إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ، و بالأسحار هم يستغفرون}
و قال سبحانه :{ و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا}
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (( ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ))

و قد روى الثقات عن خير الملأ بـأنـه عز و جـل و عـلا

في ثلث اللـيل الأخيـر يـنزل يقـول هـل من تائبٍ فيقبل

هل من مسيء طالب للمغفرة يجـد كريماً قابـلاً للمعذرة
يمـن بالخـيرات و الفضائـل و يستر العيب و يعطي المسائل
*********************************************
(9) مجالسة المحبين الصادقين

ومجالسة المحبين الصادقين والتعرف على أحوالهم و الاقتداء بهم يزيد العبد محبة لله عز و جل و شوقاً إليه و إلى جنته.
قال تعالى :{و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشِي يريدون وجهه و لا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فُرُطا }
و عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إنما مثل الجليس الصالح و جليس السوء : كحامل المسك و نافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يُحْذِيك ، و إما أن تجد منه ريحاً طيبة . و نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك و إما أن تجد منه ريحاً منتنة ))
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ، كيف تقول في رجلٍ أحب قوماً و لم يلحق بهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( المرء مع من أحب ))
***********************************************
(10) البعد عن كل ما يحول بين القلب و بين الله

و من أسباب زيادة محبة الله تعالى في قلب العبد : البعد عن كل ما يحول بينه و بين الله عز و جل ، و أعظمها الذنوب و الآثام ، فإنها تضعف محبة الله في قلب العبد .
قال تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون }
و قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }
تعصي الإله و أنت تظهر حبه هذا محالٌ في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
و كذلك البعد عن مخالطة من لا خير فيه من الناس ، و عدم الإكثار من المباحات ، و فضول الطعام و الشراب النظر و الكلام … و غيرها كثير مما يحول بين القلب و بين الله.
قال سبحانه : { و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه }

أسباب محبة العبد لله:

أما الأسباب التي تجلب محبة الله عز و جل للعبد فهي كثيرة أيضاً و نذكر منها :

(1) الإتباع
قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم ، قل أطيعوا الله و الرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }
إن اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم فيما جاء به من هذا الوحي العظيم ، سبب عظيم من أسباب محبة الله عز وجل لعبده .
قال بعض السلف : ادعى قومٌ محبة الله فأنزل الله آية المحنة { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني … } فجعل علامة المحبة الاتباع ، و ثمرة الاتباع محبة الله عز و جل للعبد .
**********************************************************
(2) التقوى
قال تعالى : { إن الله يحب المتقين }
و قال صلى الله عليه و سلم : (( إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي ))
تقوى الله عز وجل سبب عظيم من أسباب محبة الله لعبده ، و التقوى : هي أن تجعل بينك و بين عذاب الله عز و جل وقاية بامتثال أوامره و اجتناب نواهيه ، و قيل : هي أن يطاع فلا يعصى ، و أن يذكر فلا ينسى ، و أن يشكر فلا يكفر . و قيل : هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، و أن تترك معصية الله على نور من الله تخاف من عقاب الله ، و قال الإمام أحمد : هي ترك ما تهوى لما تخشى ، و قيل : هي ترك الذنوب صغيرها و كبيرها .
قال ابن المعتمر :
خل الذنوب صغيرها و كـبيرهـا ذاك التقـى
و اصنع كماشٍ فوقه أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحـقرن صغيرةً إن الجبـال من الحصـى
و لله در الشاعر القائل :
و تزود من التقوى فإنك لا تـدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـر
فكم من فتى أمسى و أصبح ضاحكاً و قد نسجت أكفانه و هو لا يدري
و كم من عروسٍ زينوها لزوجهـا و قد قبضت أرواحهم ليلة القـدر
و كم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم و قد أدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
*********************************************
(3) الصبر
قال تعالى : { و الله يحب الصابرين }
الصبر سبب جليل من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، فليحرص عليه العبد بأنواعه الثلاثة : فليصبر على طاعة الله سبحانه ، و ليصبر على معاصيه ، و ليصبر على أقداره المؤلمة.
و قد أمر الله عز وجل في كتابه بالصبر في آياتٍ كثيرات منها قوله تعالى :{يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا }
و حث النبي صلى الله عليه و سلم على الصبر ، و رغب فيه في أحاديثٍ كثيرة منها : (( و من يَتَصَبَّر يصبِّرُه الله ، و ما أُعطي أحدٌ عطاء خيراً و أوسع من الصبر ))
**********************************************
(4) الإحسان
قال تعالى : { و الله يحب المحسنين }
الإحسان سبب جليل من أسباب محبة الله لعبده ، و هو كما عرفه النبي صلى الله عليه و سلم : (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))
و قد أمر الله بالإحسان في كتابه في آياتٍ كثيرة و حث عليه ، قال تعالى : { و أحسنوا إن الله يحب المحسنين }
و حث النبي صلى الله عليه و سلم أيضاً على الإحسان و أمر به في كل شيء فقال صلى الله عليه و سلم : (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، و ليحد أحدكم شفرته و ليرح ذبيحته ))
***************************************
(5) التوبة
قال تعالى : { إن الله يحب التوابين }
التوبة : من أسباب محبة الله لعبده إذا تحققت بشروطها المعروفة و هي :
(1) أن يقلع العبد عن المعصية.
(2) أن يندم على فعلها .
(3) أن يعزم عزماً أكيداً على أن لا يعود إليها أبداً .
(4) إذا كانت تتعلق بحقِّ آدميٍ فعليه أن يبرأ من حقه .
(5) فإذا تحققت هذه الشروط لأربعة في التوبة : كانت سبباً لمحبة الله تعالى لعبده .
فهو سبحانه يحب التائبين و يفرح بتوبتهم ، و ذلك لعظيم رحمته و سعة مغفرته .
و قد أمر الله عباده بالتوبة في آياتٍ كثيرات ، منها قوله تعالى : { و توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون }
و قوله : { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً }
و حث النبي صلى الله عليه و سلم عليها في أحاديث كثيرةٍ أيضاً ، و رغب فيها : فعن أبي هريرة رضي لله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( و الله إني لأستغفر الله ، و أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ))
و في رواية لمسلم من حديث الأغر بن يسار المزني : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله و استغفروه فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة ))
و عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، و يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ))
و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره و قد أضله في أرض فلاة ))
و في رواية مسلم : (( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة ، فانفلتت منه و عليها طعامه و شرابه فيئس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، و قد يئس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي و أنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ))
*****************************************
(6) الطهارة
قال تعالى : { و يحب المتطهرين }
و قال سبحانه : { و الله يحب المتطهرين }
الطهارة سبب من أسباب محبة الله لعبده ، و هي قسمان : طهارة حسية ، و طهارة معنوية :
أما الطهارة الحسية : فهي التطهر من الأنجاس و الأحداث.
و أما الطهارة المعنوية : فهي التطهر عن الشرك و الأخلاق الرذيلة و الصفات القبيحة .
قال السعدي رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى : { و يحب المتطهرين }
أي : المتنزهين عن الآثام ، و هذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس و الأحداث ففيه مشروعية الطهارة مطلقاً ، لأن الله تعالى يحب المتصف بها ، و يشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة و الصفات القبيحة و الأفعال الخسيسة ))
************************************************************
(7)التوكل
قال تعالى : { إن الله يحب المتوكلين }
التوكل من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، و هو اعتماد القلب على حول الله و قوته ، و التبرئ من كل حول و قوة.
و قد أمر الله تعالى بالتوكل و حث عليه و رغب فيه في آياتٍ كثيرات ، منها : قوله تعالى :{و توكل على الحي الذي لا يموت }
و قال سبحانه {و على الله فليتوكل المؤمنون}
و كذلك حث النبي صلى الله عليه و سلم على التوكل و رغب فيه في أحاديث كثيرة منها :
حديث ابن عباس رضي الله عنه في وصف السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب ، فقال : (( هم الذين لا يسترقون ، و لا يتطيرون ، و على ربهم يتوكلون ))
و عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول : (( اللهم لك أسلمت و بك آمنت ، و عليك توكلت ، و إليك أنبت ، و بك خاصمت . اللهم إني أعوذ بعزتك ، لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت ، و الجن و الأنس يموتون ))
********************************************************
(8) العدل و القسط
قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين }
القسط و العدل : من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، كما أن الظلم من أسباب بغض الله تعالى لعبده ، قال تعالى : { و الله لا يحب الظالمين }
و قد حث الله تعالى في كتابه على العدل و القسط في آياتٍ كثيرات ، منها : قوله تعالى { و أقسطوا إن الله يحب المقسطين }
و قل سبحانه :{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين }
و قال عز و جل : { اعدلوا هو أقرب للتقوى}
و قال جل و علا :{ إن الله يأمر بالعدل و الإحسان }
و كذلك حث النبي صلى الله عليه و سلم على العدل في أحاديث كثيرة منها : عن النعمان بن بشير قال : قال رسول لله صلى الله عليه و سلم : (( اتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم ))
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه و سلم : (( سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله – ثم ذكر منهم – إمامٌ عادل))
و عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن المقسطين عند الله على منابر من نور : الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم و ما وُلُّوا ))
**********************************************
(9) القتال في سبيل الله
قل تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ المرصوص }
و قال تعالى : { فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم و يحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم }
القتال في سبيل الله : من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، و قد أمر الله تعالى به في آياتٍ كثيرة من كتابه ، منها :
قوله تعالى :{ و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم }
و قال تعالى :{ و قاتلوا في سبيل الله و اعلموا أن الله سميعٌ عليم}
و قال سبحانه : { انفروا خفافاً و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله }
و كذلك حث النبي صلى الله عليه و سلم على الجهاد في سبيل الله و رغب فيه في أحاديث كثيرة ، منها :
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي العمل أحب إلى الله تعالى : قال : (( الصلاة على وقتها )) ، قلت : ثم أي؟ قال : (( بر الوالدين )) قلت : ثم أي؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله ))
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض))
و عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( لغدوةٌ في سبيل الله ، أو روحة ، خيرٌ من الدنيا و ما فيها ))
و عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ما أغبرت قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار ))
****************************
(10) التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض
فهذا بابٌ يوجب محبة العبد لله و محبة الله للعبد كما أسلفنا .
****************************************
(11) محبة أسماء الله و صفاته
عن عائشة رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ،بعث رجلاً على سرية ، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب { قل هو الله أحد} فلما رجعوا ، ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : (( سلوه لأي شيءٍ صنع ذلك؟))فسألوه ، فقال : لأنها صفةٌ للرحمن ، فأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( أخبروه أن الله تعالى يحبه ))
******************************************************
(12)اجتناب الأعمال التي لايحب الله أهلها
قال تعالى :{ إن الله لا يحب المعتدين } { و الله لا يحب كل كفارٍ أثيم } { و الله لا يحب الظالمين } { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا } { إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما } { و الله لا يحب المفسدين } { إن الله لا يحب الخائنين } { إنه لا يحب المستكبيرن } { إن الله لا يحب كل خوانٍ فخور } { إن الله لا يحب الفرحين } قال السعدي : أي لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة ، تفتخر بها ، و تلهيك عن الآخرة ، فإن الله لا يحب الفرحين بها ، المنكبين على محبتها .
و قال تعالى : { إنه لا يحب الكافرين }
******************************************
(13) الحب في الله
و الحب في الله من أسباب نيل محبة الله تعالى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم : (( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً . فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية . قال : هل لك عليه من نعمةٍ تربُّهَا؟(أي : تقوم بإصلاحها ، و تنهض بسببها ) قال :لا. غير أني أحببته في الله عز وجل . قال : فإني رسول الله إليك ، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ))
و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إت الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ))
و في الجملة أن من حافظ على ما يحبه الله و يرضاه ، و ابتعد عن كل ما يسخط الله تعالى و يأباه : نال محبة الله عز و جل و رضاه .

ثمرات محبة الله تعالى للعبد:

إن لمحبة الله تعالى لعبده ثمرات عظيمة في الدنيا و الآخرة ، فيكفيه أن يكون الله تعالى معه في كل صغيرة و كبيرة يوفقه و يسدده و يحفظه و يرعاه ، يحفظ سمعه عن السماع لما يغضب الله ، و يحفظ بصره عن رؤية ما يغضب الله ، و يحفظ يده عن أن تفعل ما يغضب الله ، يحفظ قدمه من أن تمشي إلى ما يكرهه الله ، و يحفظ جوارحه كلها عن كل ما يسخط الله تعالى و يغضبه .

يحبه جبريل ، و يحبه أهل السماء جميعاً ، و يوضع له القبول في الأرض بين الناس .
ينجو من عذاب القبر ، و يأمن الفزع الأكبر ، و ينال كتابه بيمينه ، و يمر على الصراط مرور الكرام ، و يشرب من حوض النبي صلى الله عليه و سلم ، و ينجو من النار و عذابها ، و يدخل الجنة دار الكرامة ، و ينظر إلى وجه الله تعالى و هو أعظم نعيمٍ للمحب أن يرى حبيبه بعدما طال الشوق إليه ، و يرضى الله تعالى عليه رضاً لا سخط بعده أبداً .
كل هذه الثمرات لا تجعل العبد في نيل محبة الله تعالى و رضاه؟!عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، و ما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و إن سألني أعطيته ، و لئن استعاذني لأعيذنه )).
و عنه أيضاً قال : قال رسول له صلى الله عليه و سلم : (( إذا أحب الله تعالى العبد ، نادى جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحبه ، فيحبه جبريل ، فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ))
و قال تعالى : { و قالت اليهود و النصارى نحن أبناء الله و أحباؤه قل فلم يُعَذِّبكُم بذنوبكم }
قلت : في الآية إشارة إلى أن الله تعالى لا يعذب من يحب.
و قال صلى الله عليه و سلم : (( المرء مع من أحب))
قال بعض السلف : ذهب المحبون بشرف الدنيا و الآخرة ، لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (( المرء مع من أحب )) فهم مع الله في الدنيا و الآخرة .

و أخيراً نسأل الله أن يجعلنا من المحبين الصادقين ، و أن يغفر لنا ذنوبنا ، و أن يستر عيوبنا ، و ألا يفضحنا بين خلقه و لا بين يديه ، و أن يرزقنا لذة النظر إلى حسن وجهه الكريم ، و صحبة نبيه الأمين ، في جنات النعيم ، و أن يغفر لوالدينا و مشايخنا و أزواجنا و من له حقٌّ علينا إنه نعم المولى و نعم النصير .

و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمع

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

من خطب يوم الجمعة

إنَّ الحمد لله، نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهديِ هديُ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

أيها المسلمون:

يقول – صلى الله عليه وسلم -: كما في الصحيحين: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))
أمره الله أن يقاتل هذا الإنسان، حتى يسجد لله، فيوم يتهاون الإنسان بالصلاة، أو يترك الصلاة، أو يتنكر للصلاة، أو لا يتعرف على بيت الله، يصبح هذا الإنسان لا قداسة له، ولا حرمة له، ولا مكانة ولا وزن.
هذا الإنسان حين يترك الصلاة، يكون دمه رخيصاً لا وزن له، يسفك دمه، تهان كرامته، يقطع رأسه بالسيف، قيل حدّاً، وقيل كفراً وهو الصحيح.
يقول الله – تعالى – عن جيل من الأجيال تهاونوا بالصلاة: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً}
قال أحد السلف: أما إنهم ما تركوها بالكلية، ولكن أخروها عن أوقاتها.
أي إسلام لإنسان يترك الصلاة، أي دين له، ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله لرجل تؤخره تجارته، أو وظيفته، أو عمله، أو منصبه، أو اجتماعه عن الصلاة، ثم يتبجح بعد ذلك مدعياً أنه مسلم! {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} .
إنهم يصلون. لكن صلاة العصر مع غروب الشمس، وصلاة الظهر في الساعة الثانية، وصلاة المغرب مع العشاء، وصلاة الفجر مع طلوع الشمس! فأين الإسلام، وأين لا إله إلا الله، وأين التحمس للدين؟!
حضرت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – معركة الأحزاب، قبل أن تنزل صلاة الخوف، فقام يقاتل المشركين، دمه يسيل على الأرض في مخاصمة لأعداء الله، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، ما نسيها لأنه كان في لهو أو لعب حاشا وكلا، بل نسيها من احتدام القتال، اليهود، المشركون. المنافقون. عملاء الصهيونية العالمية. أنسوه صلاة العصر، فلما غربت الشمس قال – صلى الله عليه وسلم -: ((ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى)). ثم قام فصلاها، فأنزل الله – تعالى – صلاة الخوف، يصليها المسلم أثناء القتال، يصليها الذي يقود الدبابة، يصليها الذي يحمل الرشاش، يصليها المريض على سريره، لا يعذر في تركها أحد.
إن تأخير الصلاة عن وقتها، معناه النفاق الصريح الذي وقع فيه كثير من الناس، إلا من رحم ربك، يقول – صلى الله عليه وسلم – وهو في سكرات الموت: ((الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)) فاي دين بلا صلاة، وما معنى الانتساب للإسلام بغير صلاة، يقولون: مسلمون، ولكن لا نصلي، أو نتهاون بالصلاة، أو ننقر الصلاة، فأين الإسلام؟ وأين الصدق مع الله؟ وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((الذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)).
وعند أحمد: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني، يحرقون ما في البيوت بالنار)) لماذا؟ لأنهم أصبحوا في عداد المنافقين، يتذرعون بالإسلام، ولكن لا يصلون الجماعة مع الناس ويدَّعون لا إله إلا الله ثم يخرجون الصلاة عن أوقاتها. يسأل – عليه الصلاة والسلام – عن أفضل الأعمال فيجيب: ((الصلاة لوقتها)). ويقول أيضاً: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) دمه مسفوك بسيف الشريعة، خارج من الملة، لا طهر له، لا قداسة، لا حرمة، لأنه حارب الله ولم يعظم شعائره، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: ((إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)
إنه لا عذر لأحد في ترك الصلاة مع الجماعة، ما دام صحيحاً سليماً يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: ((ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)
مرض أحد الصالحين من التابعين، اسمه ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير، فسمع أذان المغرب، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، قالوا: أنت مريض، وقد عذرك الله. قال: لا إله إلا الله! أسمع حي على الصلاة. حي على الفلاح ثم لا أجيب! والله لتحملني إلى المسجد، فحملوه إلى المسجد، ولما كان في السجدة الأخيرة من صلاة المغرب، قبض الله روحه.
قال بعض أهل العلم: كان هذا الرجل إذا صلى الفجر، قال: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قيل له: وما الميتة الحسنة، قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد.
نعم هذه هي الميتة الحسنة، أن يتوفاك ربك وأنت في صلاة، أو في جهاد في سبيل الله، أو على طهارة وأنت تقرأ القرآن، أو في طلب العلم، أو في مجالس الذكر.
والميتة القبيحة: أن يتوفاك الله وأنت تستمع إلى الأغنية، أو في سهرة خليعة، أو على كأس الخمر، أو في سفر إلى الفاحشة، أو في مجالس الغيبة، هذه هي الميتة القبيحة التي تعوذ منها الصالحون.
سعيد بن المسيب إمام التابعين، كان يأتي في ظلام الليل، إلى مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال له إخوانه: خذ سراجاً لينير لك الطريق في ظلام الليل فقال يكفيني نور الله {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}
وفي الحديث عنه – صلى الله عليه وسلم -: ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) وهل في القيامة ظلم؟ وهل في القيامة ليل؟ إي والله. ليل أدهى من الليل، وظلمة أدهى من الظلمة، يجعلها الله لأعداء المساجد، وللذين انحرفوا عن بيوت الله، تظلم عليهم طرقاتهم وسبلهم يقولون للمؤمنين يوم القيامة: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً}
كان لسعيد بن المسيب عين واحدة، ذهبت الأخرى، قالوا من كثرة بكائه في السحر، خشية لله، وكان يذهب بهذه العين الواحدة في ظلام الليل إلى المسجد، وقال في سكرات الموت وهو يتبسم: والله ما أذن المؤذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد، قبل الأذان تجد سعيد بن المسيب في المسجد.
لكن أتى أناس، أكلوا نعم الله، وتمرغوا في فضل الله، ولكنهم نسوا حقه وأهملوا شعائره، فأصبحت الصلاة في حياتهم آخر شيء يفكرون فيه، وإلى الله المشتكى.
ودَّع عمر – رضي الله عنه وأرضاه – سعداً إلى القادسية، ثم قال له: يا سعد، أوص الجيش بالصلاة، الله الله في الصلاة، فإنكم إنما تهزمون بالمعاصي، فأوصهم بالصلاة.
كان الصحابة إذا تلاقت الصفوف،والتحمت الأبدان، وأشرعت الرماح، وتكسرت السيوف، وتنزلت الرؤوس من على الأكتاف، تركوا الصفوف لطائفة، وقامت طائفة أخرى تصلي.
نَحنُ الذين إِذَا دُعُوا لِصَلاتِهِم وَالحَرْبُ تسْقِي الأَرْضَ جَاماً أَحْمَرَا
جَعَلُوا الوجُوهَ إِلى الحِجَازِ فَكَبَّرُوا فِي مَسْمَعِ الرُّوحِ الأَمِينِ فَكَبَّرَا
حضر أجدادنا حصار كابل – عاصمة أفغانستان – فطوقوها من كل جهة، ولبسوا أكفانهم، لأنهم يريدون؛ إما الحياة في عز، وإما الموت في شرف.
{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ
هذه هي غاية المسلم وهذا هو مراده.
فَإِمَّا حَيَاةٌ نّظَّمَ الْوَحْيُ سَيْرَهَا وَإِلاَّ فَمَوتٌ لا يَسُرُّ الأَعَادِي
إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ إِمَامُنَا كَفَى بِالْمَطَايَا طِيب ذِكْرَاكَ حَادِي
وقف أجدادنا يحاصرون كابل، ولما صلوا الظهر، قال القائد العظيم قتيبة بن مسلم، وقد كان قبل المعركة يبكي ويقول: اللهم انصرنا، فإن النصر من عندك، فلما وقف بعد صلاة الظهر، وكان جيشه يقدر بمائة ألف مقاتل، قال ابحثوا لي عن الرجل الصالح محمد بن واسع، أين هو محمد بن واسع؟!
لقد حانت ساعة الصفر، ساعة بيع الأرواح، ساعة تفتح فيها أبواب الجنان، ساعة حضور الملائكة، ولا زال القائد يقول: ابحثوا لي عن محمد بن واسع، فالتمسوه، فوجدوه يبكي، وقد اتكأ على رمحه، ورفع أصبعه إلى السماء يقول: يا حي يا قيوم. فأخبروا قتيبة بذلك، فدمعت عيناه، ثم قال: الذي نفسي بيده، لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف مقاتل طرير، وابتدأت المعركة، وحمي الوطيس، وانتصر المسلمون، ولم يصلوا العصر إلا داخل كابل.
إنها الصلاة، إنها حياة القلوب، إنها الميثاق، إنها العهد بين الإنسان وبين ربه.
ويوم يتركها المرء، أو يتهاون بها، يدركه الخذلان، وتناله اللعنة، وينقطع عنه مدد السماء.
عباد الله:
إن من أسباب السعادة، وحفظ الله لنا، ودوام رغد العيش الذي نعيشه، أن نحافظ على عهد الله في الصلاة، وأن نتواصى بها، وأن نأمر بها أبناءنا.
يقول لقمان – عليه السلام – لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}
فهل من مجيب؟ وهل من مسارع إلى الصلاة حيث ينادي بهن؟ وهل من حريص على تلكم الشعيرة العظيمة؟ إنها الحياة. ولا حياة بغير صلاة.
لما طعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في صلاة الفجر، فاتته ركعة واحدة، غلبه الدم، فحمل على أكتاف الرجال، ووصل إلى بيته فلما أفاق قال: هل صليت؟ قالوا: بقيت عليك ركعة، فقام يصلي. فأغمي عليه، ثم عقد الصلاة، فأغمي عليه، ثم قام يصلي. فأغمي عليه، ثم أتم الركعة وقال: الحمد لله الذي أعانني على الصلاة.
فالله الله في الصلاة. من حافظ عليها، حفظه الله، ومن ضيعها، ضيعه الله، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}
فالصلاة الصلاة عباد الله، في أول وقتها؛ بخشوعها، بخضوعها، بأركانها، وواجباتها، وسننها، لعل الله أن يحفظنا ويرعانا كما حافظنا عليها وعظمناها.
اشْدُدْ يَدَيْكَ بِحَبْلِ اللهِ مُعْتَصِماً فَإِنَّهُ الرُّكْنُ إِنْ خَانَتْكَ أَرْكَانُ
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين فاستغفروه، وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أيها الناس:
يوم الجمعة أفضل الأيام عندنا أهل الإسلام، يوم الجمعة عيد لنا، يوم الجمعة تاريخ، وله قصة من أعظم القصص، هذا اليوم خلق الله فيه آدم، وفي هذا اليوم، أدخله الله الجنة، وفي هذا اليوم أخرجه الله منها، وفيه تقوم الساعه.
وفي هذا اليوم كانت ساعة النزال بين موسى – عليه السلام – وبين فرعون عليه اللعنة، يوم الصراع العالمي بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين الهدى والضلال.
يوم جاء موسى بالتوحيد، وليس معه إلا عصاه، وجاء فرعون بالصولة والصولجان، ومعه دجاجلة الدنيا وسحرة الدنيا. {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} هذا هو يوم الجمعة في التاريخ.
ولكن ما هو واجب هذا اليوم العظيم علينا؟
إن من المؤسف أن كثيراً من الناس، جعلوا هذا اليوم موسماً للنزهة والخروج، بحيث يضيعون في طريقهم صلاة الجمعة، فلا يحضرون الخطبة، ولا يؤدون الصلاة، ولا يتهيئون لهذا اليوم العظيم.
إن الملائكة تقف من الصباح على أبواب المساجد؛ تسجل الأول فالأول، فإن صعد الخطيب على المنبر، طوت الصحف، وأنصتت لسماع الخطبة.
أما الإنسان فيجعله يوماً للهو واللعب، فيخرج ويترك صلاة الجمعة، ويبارز ربه – عزَّ وجلَّ – بالمحاربة.
نص شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – على أن المسافر إذا حضر صلاة الجمعة في المدينة، فعليه أن يؤديها في المسجد.
المسافر وهو في حال السفر ومظنة المشقة إذا نزل في مدينة تقام فيها الجمعة، عليه وجوباً أن يحضر صلاة الجمعة، ليستمع إلى الخطبة، ويعيش مع المسلمين مشاعرهم وأحاسيسهم.
أيها المسلمون:
يوم الجمعة له علينا واجبات وحقوق منها:
الاغتسال والتطيب: وقد أوجب غسل الجمعة بعض أهل العلم والجمهور على أنه سنة مؤكدة، وذلك ليتهيأ العبد للقاء الله؛ لأنه عيد، وهو يذكر بيوم العرض الأكبر على الله – تعالى.
وكما أنه ينبغي أن نتجمل بالاغتسال والطيب واللباس الحسن، فكذلك ينبغي أن نتجمل بالتحلي بالأخلاق الفاضلة، كالصدق والأمانة والحلم والمروءة، وأن نتخلى عن الأخلاق الذميمة؛ كالحقد والحسد والغيبة والنميمة وغيرها.
فليس في القيامة ثياب، ولا سيارات، ولا كل هذه الزينة الظاهرة، وإنما {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}
فالسجل مكشوف والبدن عار والضمائر معروضة وكتابك مفتوح أمام عينيك {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}
{وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا}
كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر على الله)
فما الفائدة إذا كانت الظواهر جميلة، والبواطن خراب!!
لَبِسْنَا وَاشِياً مِن كُلِّ حسنٍ فَمَا سَتَرَت مَلاَبِسُنَا الخَطَايَا
وَتِلْكَ قُصُورُنَا بِالعُمْرِ بَاتَت وَتِلْكَ قُبُورُنَا أَضْحَتْ خَلاَيَا
ومن حقوقها كذلك: التكبير إلى الصلاة، وإتيان المسجد قبل الأذان فليس من المعقول أن يدخل الخطيب المسجد قبل الأذان، ثم يأتي المصلون بعده تباعاً.
يأتي المصلون من بيوتهم بعد صعود الخطيب على المنبر، بل إن المساجد تبقى فيها الأماكن الكثيرة الخالية من المصلين، وقد أشرف الخطيب على الانتهاء من الخطبة، حتى إذا انتهى من خطبته، دخل المتخلفون بلا أجور؛ ليشهدوا الصلاة هكذا مع الناس.
فأين الساعة الأولى؟ وأين الساعة الثانية؟ وأين المبكرون؟
إن قوماً لا زالوا يتأخرون، حتى يؤخرهم الله فيمن عنده، وإن قوماً لا زالوا يتقدمون، حتى يقدمهم الله فيمن عنده.
وإن بعض الغوغاء ممن لا يفهمون أحكام الله؛ يبيعون ويشترون بعد الأذان الثاني وصعود الخطيب، أي بيع لهم! لا أربح الله تجارتهم.
الملائكة تنصت للخطبة، والسماء مفتوحة تستقبل الدعاء، وخطباء الأمة الإسلامية الخالدة على المنابر، وقلوب الناس متجهة لسماع الخطيب، والسكينة تغشى الناس، والرحمة تحف بهم، والله يباهي بهم مَنْ في السماء.
وهؤلاء اللاهون يبيعون ويشترون، ويجرحون مشاعر المسلمين، ويتعدون على حرمة صلاة الجمعة.
فإذا أذن المؤذن، فلا بيع، ولا شراء، ولا تجارة، ولا دنيا، إنما توجه إلى الله – تعالى – وإنصات لأحكامه، بل إن الجالس ليس له أن يكلم من بجانبه ولا أن يسلم عليه، قال بعض العلماء: وليس له بعد دخول الخطيب، وبدء الخطبة أن يكلمه، ولو بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) وزاد بعضهم: ((ومن لغا فلا جمعة له)) وفي الصحيح: ((من مس الحصى فقد لغا)
فعليكم بالسكينة أيها الناس، لا تنشغلوا باللعب بالسواك، ولا بتهيئة الغترة، ولا بمس اللحية، وإنما خشوع وسكينة، وتوجه إلى الله الواحد الأحد.
وقد بيَّن النبي – صلى الله عليه وسلم – فضل ذلك فقال: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام).
ومن معالم الجمعة كذلك: قراءة سورة الكهف، فقد صح عند الدارقطني والبيهقي: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين)).
وفي لفظ: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق)
أيها الناس:
صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

من خطب الجمعة

مظاهر تكريم الله للإنسان
الخطبة الأولى
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا، ومنشئ الأرضين والثرى، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه: (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) .
وأشهد أن محمداً عبده المجتبى ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضيء والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودُروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأكمل به الإيمان، وأظهره على كل الأديان، وقمع به أهل الأوثان، ف- صلى الله عليه وسلم – ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
عباد الله: لقد كرم الله هذا الإنسان وفضله على جميع مخلوقاته، فكان من أعظم مظاهر هذا التكريم أن خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعقل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لهدايته، قال – تعالى -: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70].
بل سخر – سبحانه وتعالى – هذا الكون الفسيح بما فيه من خيرات ونعم والتي لا تعد ولا تحصى لخدمة هذا الإنسان وراحته قال – تعالى -: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
ومن مظاهر تكريم الله للإنسان أن وهبه حق الحياة ونفخ فيه من روحه وسن الشرائع والأحكام التي تكفل ذلك فحرم إزهاق روحه وسفك دمه إلا في جوانب محددة من شأنها أن تكفل للمجتمع الحياة الطيبة والآمنة قال – تعالى -: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) .
وجعل – سبحانه وتعالى – التعدي على حياة هذا الإنسان من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم والذنوب التي تورد صاحبها المهالك في الدنيا والآخرة.. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: قال: ((لا يزال المؤمن فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)) قال: وقال ابن عمر: “إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حل” .
ويقول – عليه الصلاة والسلام -: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً))
بل جعل – سبحانه وتعالى – قتل المسلم وسفك دمه من عظائم الأمور، يقول – عليه الصلاة والسلام -: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)
لذلك ينبغي لكل مسلم أن يدرك هذه الحقيقة فيحفظ نفسه ويحفظ حياة الآخرين من حوله رجالاً ونساءاً، صغاراً وكباراً و مدنيين أو عسكريين، مسلمين أو كفار مستأمنين ومعاهدين، قال – تعالى -: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)
أيها المؤمنون -عباد الله- ومن مظاهر تكريم الله لهذا الإنسان أن كرمه بالإيمان به وحمله أمانة الدين وجعل ذلك الإيمان من أعظم الأسباب التي ينال بها العبد توفيق الله ومغفرته ورحمته في الدنيا والآخرة وهو سبب للتفاضل بين الناس عند الله القائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
فالإيمان والتقوى هما سبب بقاء هذا التكريم وبهما يترجح ميزان الإنسان ومكانته عند الله.. إن المال لو كان يغني صاحبه من الله شيئاً لكان قارون الذي ملك الكنوز أعظمهم شأنا ولو كان النسب ينفع صاحبه عند الله لكان ابن نوح – عليه السلام – وهو فلذة كبده وقطعة من فؤاده معه في الجنة قال – تعالى -مبيناً تلك الحال وذلك المآل: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ)
قال الأصمعي: بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شاباً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطر في الظلم *** يا كاشف الضر والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا *** وأنت يا حي يا قيوم لم تنم
أدعوك ربي حزيناً هائماً قلقاً *** فارحم بكائي بحق البيت والحرم
إن كان جودك لا يرجوه ذو سعة *** فمن يجود على العاصين بالكرم
ثم بكى بكاءاً شديداً و سقط على الأرض مغشياً عليه، فدنوت منه، فإذا هو زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهم أجمعين-، فرفعت رأسه في حجري وبكيت، فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال: من هذا الذي يهجم علينا? قلت: عبيدك الأصمعي، سيدي ما هذا البكاء والجزع، وأنت من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة!! ? فقال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه، ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً، أليس الله – تعالى – يقول: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)
عباد الله: ومن مظاهر التكريم أن الله علم هذا الإنسان كيف يصلح خطأه إذا أخطأ، وكيف يعود إليه مكرما إذا أهان نفسه بالخطأ، وكيف يمحو السيئة بالحسنة قال – تعالى -: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)
وجعل – سبحانه وتعالى – طريق الاستغفار والتوبة والإنابة إليه طريق النجاة لهذا الإنسان، قال – تعالى -: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) و قال – تعالى -: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً) وهذا من رحمة الله وتكريمه لهذا الإنسان وإن المتأمل في تكاليف الشرع ونصوص الكتاب والسنة وفي هذا الكون ليجد رحمة الله بعبادة تتجلى في كل تشريع وكل عبادة وكل دعوة لعمل صالح فهو الرحمن الرحيم فلا ييأس العبد ولا يقنط من رحمة ربه مهما كانت الذنوب والمعاصي إذا صدق في نيته وأظهر توبته وأعلن ندمه قال – تعالى -: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة في الأرض، فبها يتراحم الخلق، حتى إن الفرس لترفع حافرها، والناقة لترفع خفها مخافة أن تصيب ولدها، وأمسك تسعة وتسعين رحمة عنده ليوم القيامة))
فاللهم ارحمنا رحمة تهدي بها قلوبنا وتغفر بها ذنوبنا وتصلح بها ما فسد من أحوالنا..
قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
عباد الله: ومن مظاهر تكريم الله لك أيها الإنسان أنه أعدّ الجنة دارا لأهل كرامته وجعلها جزاءا لأهل احسانه وطاعته قال رسول الله -صلى الله علية وسلم- قال – تعالى -: ((أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))
. واقرؤوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).. وانظروا إلى رحمة الله بعباده و إلى هذا النعيم فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحدثنا عن آخر من يدخل الجنة: رجل فهو يمشي على الصراط مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين.. فترتفع له شجرة فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها فيقول الله- تبارك وتعالى -: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره، لأنه يرى مالا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها، ويشرب من مائها… ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: يا رب أدنني من هذه لأشرب من مائها، وأستظل بظلها لا أسألك غيرها.. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أنك لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها أن تسألني غيرها، فيعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها.. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين.. فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأستظلَّ بظلها وأشربَ من مائها لا أسألك غيرها.. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها وربه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة.. فيقول: يا رب أدخلنيها.. فيقال له: ادخل الجنة فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم.. فيقول الله: يا ابن آدم ما يرضيك مني؟! أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله.. فيقول في الخامسة: رضيت رب فيقول الله – تعالى -: لك ذلك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك..
بل أعظم من ذلك أن يرى الإنسان ربه الذي خلقه فيحدثه ويخاطبه وهو أعظم تكريم يناله الإنسان.
عباد الله: لنحافظ على هذا التكريم الذي حبانا الله به دون سائر مخلوقاته وذلك بطاعته والالتزام بشرعه وتبليغ دينه ولنتراحم فيما بيننا وليعفوا عن بعض ولنعمل جميعاً على تآلف القلوب وإصلاح ذات البين وليحفظ كل واحدٍ منا ودّ صاحبه وأخيه وجاره فإن ذلك مما يرضي ربنا فيرفع مقته وغضبه عنا اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين..اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك..اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

خطب الجمعة

الصلاة عماد الدين

الحمد لله الذي فرض الصلوات على عباده رحمة بهم، وإحساناً، وجعلها أعظم صلة بينه وبين عباده، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأنعم بقرب مولانا، والحمد لله الذي رتب على إقامتها سعادة وبراً واحساناً، وتوعد من أضاعها، أن يلقى غياً وشقاء، وهواناً، وذلك ليحرص العباد على فعلها، ويحذروا من التهاون بها، فما أجدرنا بالشكر، وأولانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجواد العظيم، وأشهد أن محمداًً عبده ورسوله النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً.

أما بعد أيها الناس:
اتقوا الله تعالى، وأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً عظموها، فقد عظمها الله إذ فرضها على نبيه – صلى الله عليه وسلم – من غير واسطة من فوق سبع سموات، هي عمود الدين، وآخر ما تفقدون من دينكم، فهل يستقيم الدين بلا عماد، وهل يبقى في الدين شيء إذا ذهب آخره، ألم تعلموا أن الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن من صغائر الذنوب؟ ألم تعلموا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – شبهها بنهر يغتسل منه الإنسان كل يوم خمس مرات فهل يبقى بعد ذلك في جسده شيء من الأوساخ والعيوب؟ ألم تعلموا أن من حافظ عليهن كانت له نوراً في قلبه وقبره، ويوم القيامة، وكانت له حجة، وبرهاناً، ونجاة من العذاب لقد امتدح الله أباكم اسماعيل بأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة، أو قال: وجبت له الجنة)) عباد الله إن لكم الخير الكثير في المحافظة على الصلوات وإقامتهن فهن عون لكم على أمور دينكم ودنياكم: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}. أيها المسلمون: لقد حذركم الله من إضاعة الصلاة، والاستخفاف بها، فقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً}{إِلاَ مَنْ تَابَ}. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة))، وقال: ((من حافظ عليها يعني الصلوات كانت له نوراً، وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عيها لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف))، وقال: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وأنجح، وإن فسدت، فقد خاب، وخسر)) ألا وإن من أعظم صلاحها أن يخشع فيها قلبك، وتخشع فيها جوارحك، فأما خشوع القلب، فحضوره، واستحضاره بأن يحرص المصلي غاية ما يقدر عليه على إحضار قلبه، واستحضاره لمعاني ما يقول، ويفعل فإن الخشوع روح الصلاة ولبها ومعناها، وإن صلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، وكلام بلا معنى، وفي الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها)). يعني والله أعلم أن ذلك على حسب حضور قلبه فيها وإحسانها وأما خشوع الجوارح فمعناه أن يحرص غاية الحرص على إتباع هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في حركاته وسكناته في ركوعه وفي سجوده في قيامه وفي قعوده، وأن يحرص على أن لا يتحرك إلا لحاجة، ألا وأن من صلاح الصلاة أن تطمئن في القيام والقعود والركوع والسجود، فمن نقر صلاته، ولم يطمئن فيها فلا صلاة له ولو صلى مئة مرة حتى يطمئن فيها، ألا وإن من صلاح الصلاة أن يؤديها جماعة في المساجد، فإن ذلك من واجبات الصلاة التي دل على مشروعيتها الكتاب والسنة.

لقد خاب قوم تهاونوا بصلاتهم حتى ثقلت عليهم فأشبهوا بذلك المنافقين تجد أحدهم تحبسه الحاجة الدنيوية ساعة أو ساعتين أو أكثر من ذلك، ولو كانت قليلة وزهيدة، ولا يستطيع أن يصبر عشر هذا الزمن للصلاة المكتوبة الصلاة عنده أثقل من الجبال وتنعيم بدنه، واتباع لذاته عنده هو رأس المال، فما أعظم خسارته، وما أطول ندمه عند أخذ الكتب باليمين وبالشمال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم

روى طلحة بن عبيد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على منبره يقول:

“ألا أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم – بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية – ترزقوا وتؤجروا وتنصروا.

واعلموا أن الله عز وجل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في عامي هذا، في شهري هذا، إلى يوم القيامة، حياتي ومن بعد موتي؛ فمن تركها وله إمام فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره؛ ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا بر له.

ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه ولا سوطه”. [104]

خطبة له صلى الله عليه وسلم

“أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم.

إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله تعالى قاض عليه فيه.

فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت.

والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار”. [105]

خطبة له صلى الله عليه وسلم

” إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. [106]

إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه.

أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تَقْسُوا عليه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله”. [107]

خطبة له صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق

قال بعد حمد الله: “أيها الناس، أتدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟

قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام.

قال: ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه.

ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا.

ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا؛ ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا.

ألا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.

ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه. ألا وإن أول دم وضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب – كان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل -.

ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا يوضع ربا عمي العباس؛ لكم { رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون }.

ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض [108] { منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم }.

ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. [109]

ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينكم. [110]

اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، [111] لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا، ولكم عليهن حق: أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

ألا ومن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

ثم بسط يده فقال: ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أبلغ من سامع”. [112]

خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة

وقف على باب الكعبة، ثم قال: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

ألا كل مأثرة أو دم أو مال يُدّعى فهو تحت قدمى هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.

ألا وقتيل الخطإ العمد بالسوط والعصا فيه الدية مغلظة، منها أربعون خَلِفة، [113] في بطونها أولادها. [114]

يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء؛ الناس من آدم، وآدم خلق من تراب. [115] ثم تلا هذه الآية: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير }.

يا معشر قريش، أو يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ [ كريم. ثم ] قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء”. [116]

خطبته صلى الله عليه وسلم بالخيف

وروى زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بالخيف من مِنًى، فقال:

“نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها؛ فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

ثلاث لا يُغِلُّ [117] عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأولي الأمر، ولزوم الجماعة، إنّ دعوتهم تكون من ورائه. [118]

ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.

ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له”. [119]

خطبة له صلى الله عليه وسلم رواها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه

قال: خطب بعد العصر فقال: “ألا إن الدنيا خَضِرة حُلْوة؛ [120] ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء.

ألا لا يمنعن رجلا مخافةُ الناس أن يقول الحق إذا علمه. [121]

قال: ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف، فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى”. [122]

كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك فارس

“من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله. وأدعوك بدعاء الله تعالى، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويَحِقَّ القولُ على الكافرين. فأسلم تسلم”. [123]

كتاب له صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي

“من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة: سِلمٌ أنت، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن. وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة، فحملت بعيسى، فحملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني. وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي. والسلام على من اتبع الهدى”. [124]

نسخة عهد الصلح مع قريش عام الحديبية

“هذا [125] ما صالح عليه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم سُهيلَ ابن عمرو: اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه رده عليهم. ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه؛ وأن بيننا عيبة مكفوفة؛ [126] وأنه لا إسلالَ، ولا إغلال؛ [127] وأنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، فإذا كان عاما قابلا خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا، وأن معك سلاح الراكب والسيوف في القرب، [128] فلا تدخلها بغير هذا”. [129]

*

ولا أطولُّ عليك، وأقتصرُ على ما ألقيته إليك، فإن كان لك في الصنعة حظ، أو كان لك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الأدب بسهم، أو في العربية بقسط – وإن قل ذلك السهم أو نقص ذلك النصيب – فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبه ورسائله، وما عساك تسمعه من كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه؛ وأُقدِّرُ أنك ترى بين الكلامين بونا بعيدا، وأمدا مديدا، وميدانا واسعا، ومكانا شاسعا.

*

فإن قلت: لعله أن يكون تعمل للقرآن وتصنع لنظمه وشبه عليك الشيطان ذلك من خبثه؛ فتثبت في نفسك، وارجع إلى عقلك، واجمع لبك، وتيقن أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام، والمحافل الكبار، والمواسم الضخام، ولا يتجوز فيها، ولا يستهان بها، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه، [130] ويشمر لها عن جد واجتهاد، فكيف يقع بها الإخلال؟ وكيف تعرض للتفريط؟ فستعلم لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهي، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر النبوي.

فإذا أردت زيادة في التبين وتقدما في التعرف وإشرافا على الجلية وفوزا بمحكم القضية، فتأمل – هداك الله – ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا من خطب النبي صلى الله عليه وسلم واحد، وسبكها سبك غير مختلف؛ وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين وبين شعر الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معروف، وحد ينتهى إليه مضبوط.

فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج ولجملته طريق، وتبينت ما يمكن فيه من التفاوت، نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى وتأملته مرة ثانية، فتُراعى بُعدَ موقعه وعاليَ محله وموضعه، وحَكَمتَ بواجب من اليقين وثَلَجِ [131] الصدر بأصل الدين.

 

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

الإسلام وتهمة الإرهاب
الدكتور حسن . عزوزي المؤلف
م 2005 / 10 / 4 الموافق هـ 1426 / 9 / 1
تاريخ النشر
الملخص
العدد 209، من سلسلة دعوة الحق
المقدمة

لا يشك أحد في أن الاعتداءات التي أصابت أمريكا يوم 11 أيلول 2001 قد أفرزت تداعيات خطيرة على مستوى العلاقة بين الإسلام والغرب, ولعل أبرز تلك التداعيات بروز موجة عارمة من الحقد والكراهية ضد العرب والمسلمين وضعت صورة الإسلام في الغرب قي محك حقيقي لم يسبق أن ضعت فيه منذ أكتر من عقدين من الزمن.
الغريب في الأمر أن موجة الحقد والكراهية التي أبداها كثير من الغربيين بعد الأجداث الأخيرة لم تقف عند حد مضايقة واستفزاز مواطنيهم من العرب والمسلمين, وإنما انجر ذلك اتهام الإسلام ذاته بأنه يدعو إلى العنف والإرهاب وبذلك اختزل الغربيون الإسلام كله بعقيدة ومبادئه وقيمه في الذين يعتقد أنهم قاموا بالاعتداء على مواقع الحيوية الأمريكية.
وإذا كان زعماء وساسة الدول الغربية قد سارعوا إلى الدعوة إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب حتى إن إضفاء عبارات المدح والاحترام للإسلام ومبادئه قد أضحى يتكرر على لسانهم في كل خطاب رسمي أو تصريح إعلامي فإن الإعلام الغربي بكل مكوناته من كلمة وصورة وصوت وكاريكاتور لم يتردد لحظة ي استغلال أحداث أمريكا وما تلتها من أحداث عنف هنا وهناك لكي يتهجم على الإسلام والمسلمين, ولم يمل من الحديث عن الإسلام كمصدر من مصادر العنف والإرهاب ساعيا بذلك إلى إنضاج مزاوجة تقرن الإسلام بالإرهاب في أذهان الغربيين بصورة تلقائية وعفوية مما نتج عنه تهييج مشاعر رجل الشارع الغربي في اتجاه معين وعلى نحو أدى إلى التحريض ضد العرب والمسلمين.
إن المسلم الغيور ليستشيط غيظا وغضبا عندما يلاحظ حدة تنامي وتعظم موجة اتهام الإسلام والمسلمين بالعنف والإرهاب, كما أن المهتم والمتابع لواقع صورة الإسلام في الغرب ليأسف على ما آلت تلك الصورة في الآونة الأخيرة من تشويه وتمييع بالغين. لقد شاء مقدر الأقدر أن تأتي أحداث أمريكا وأحداث أخرى جاءت بعدها لتهز ما سعى المسلمون في البلاد الإسلامية والديار الغربية خلال العقدين الماضيين إلى تحقيقه من تصحيح لصورة الإسلام في الغرب وتحسينها ومحاولة التصدي لكل التهم والشبهات والطعون التي طالما وجهت إلى الإسلام والمسلمين.
يأتي هذا الكتاب إذن ليسهم في تصحيح جانب من جوانب تلك الصورة المشوهة للإسلام التي نضجت بقوة في أوساط الغربية غداة تفجيرات 11 أيلول 2001. وبشكل الكتاب محاولة طموح لبحث أسباب وخلفيات إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام وهي التهمة التي ترددت طويلا عبر مختلف وسائل الإعلام الغربية في تحد صارخ لمشاعر أكثر من مليار مسلم.
وقبل ذلك يجدر بنا التذكير بموقف الإسلام الواضح من قضايا العنف والإرهاب والتطرف , والتأكيد على أن النصوص الشرعية في هذا المجال تؤسس لموقف النبذ الصريح لجميع صور العنف والطرف والحكم عليها وتقويمها ينبغي أن يتم من خلال منظومة الإسلام العقدية والفكرية والأخلاقية التي ترتكز إلى المنظورين القرآني والنبوي.
وإذا كان ما يعرف اليوم في الأوساط السياسية والإعلامية بالإرهاب والتطرف وما شاكل ذلك من مصطلحات تحمل دلالات وإيحاءات سلبية إنما هي مصطلحات قد صنعت في الدوائر السياسية والإعلامية الغربية فإن الإسلام له موقف ثابت وصارم في نبذ كل ما يرتبط بلغة العنف من مفاهيم متنوعة كالإرهاب والتطرف.

وكذا جاء الكتاب في خمس فصول:
الفصل الأول: موقف القرآن والسنة من قضايا الإرهاب والتطرف.
الفصل الثاني: عندما يتهم الإسلام بالإرهاب.
الفصل الثالث: من يقف وراء الاتهام.
الفصل الرابع: سياسة التخويف من الإسلام.
الفصل الخامس: الإسلام دين الأمن والسلام والتسامح.

ويبقى التساؤل المطروح “هل من أمل في تصحيح صورة الإسلام في الغرب؟” قائما وملحا ينتظر الإجابة التي لا يمكن أن تكون إيجابية إلا إذا تم توجيه جهود العلماء والمفكرين والدعاة إلى المساهمة بقوة في دعم عملية تصحيح صورة الإسلام في الغرب, وما ذلك على ذوي الهمم والعزائم من دعاة الإسلام وحماته بعزيز.

 

 

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

😱 ليسوا قادة ولكنهم شياطين 😱

جمال عبد الناصر ارسل 75.000 جندى مصرى فى حرب اليمن😲

مات منهم 26.000 😷

ولما شعرت اسرائيل بخيبة جمال عبد الناصر فى اليمن قامت بحرب 67

وكانت الكنسة 🚥

جمال عبد الناصر موت 26.000 مصرى فى حرب اليمن 🔴

وأعطى اسرائيل فرصة للهجوم على مصر 🔴

ومات المصريون للمرة الثانية بسبب غباء جمال عبد الناصر

ليخرج بخطبة مهينة ويقول انه على استعداد تام لتحمل المسؤلية 😆

والغباوة المصرية منذ 7000 سنة

خرجت لتقول للمنهزم الذى ضحى بدماء المصريين هباءا وغرورا

أحا    أحا     لا تتنحى

شعب عايز ضرب الجزمة وشوية عليه ضرب الجزمة

ومازال شعب مصر يضحى به ويسرق ويقتل على يد شبيه جمال عبد الناصر

الذى تفوق عليه فى الغباء

#ومازال_الغباء_مستمرا 😎

 

قالوا أن معنى ال      أحا

أنا  + حقا + اعترض = أ + ح + ا=أحا

تعبت من أم الغباوة

اقصد أم الدنيا

دلوقتى اللى بيقول

أحا

بيدخلوه السجن

 

 

 

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

الرئيسية » شروحات » ما معنى http و www وماذا تعني com و net

ما معنى http و www وماذا تعني com و net

lesson3-art

كلنا نستخدم الإنترنت وكلنا نستخدم المواقع الإلكترونية لكن هل كلنا نعلم ما معنى الرابط وما معنى www التي تأتي في بداية الرابط وما معنى com و net و org وغيرها من الرموز التي تأتي في نهاية الرابط

الرابط هو عبارة عن العنوان الذي يوصلك الى الموقع الذي تريده وعادة يتكون الرابط من عدة اجزاء

اول جزء هو http اختصار لكلمة Hyper Text Transfer Protocol ومعناه بروتوكول نقل النص التشعبي وهو نظام نقل مواد الإنترنت عبر الشبكة العنكبوتية ولا داعي لكتابته مع الرابط فهو يتم كتابته تلقائيا من المتصفح

ثاني جزء هو www وهي اختصار لكلمة World Wide Web ومعناها الشبكة العنكبوتية العالمية

اما com و net و  org وغيرها من الكلمات التي تأتي في نهاية الرابط فكل واحدة من هذه الكلمات لها معنى

com يعني Commercial او company ومعناها موقع شركة او موقع تجاري وهو الرمز الاشهر

net يعني Network ومعناها شبكة و org يعني Organization ومعناها منظمة غير ربحية

edu يعني education ومعناها تعليم وتستخدم للمواقع التعليمية مثل الجامعات والمدارس

gov يعني Government ومعناها حكومة وتستخدم للمواقع الحكومية الرسمية

في الفترة الاخيرة تعددت الرموز ومنها مثلا رمز me للمواقع الشخصية وغيرها من الرموز ولكن ذكرنا اشهرها

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

<< مايو >>
السبت الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة
1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31

25 مايو أو 25 أيَّار أو 25 مايس أو 25 نوَّار أو يوم 25 \ 5 (اليوم الخامس والعشرون من الشهر الخامس) هو اليوم الخامس والأربعون بعد المئة (145) من السنوات البسيطة، أو اليوم السادس والأربعون بعد المئة (146) من السنوات الكبيسة وفقًا للتقويم الميلادي الغربي (الغريغوري). يبقى بعده 220 يوما لانتهاء السنة.

أحداث

مواليد

وفيات

أعياد ومناسبات

وصلات خارجيَّة

By Hussein Metwalley

سيف الدين قطز

سلطان مصري ذو أصل مملوكي
سيف الدين قطز
الملك المظفر سيف الدين قطز
تعليق
صورة لتمثال سيف الدين قطز
الفترة 657 هـ1259 / 658 هـ1260
تتويج 657 هـ /1259، القاهرة، Mameluke Flag.svg السلطنة المملوكية
الاسم الكامل محمود بن ممدود بن خوارزم شاه
ألقاب الملك المظفر
مكان الولادة سمرقند، الدولة الخوارزمية
توفي 16 ذو القعدة 658 هـ الموافق 22 أكتوبر 1260
مكان الوفاة الصالحية، فلسطين Mameluke Flag.svg السلطنة المملوكية
دفن القرافة بالقرب من زاوية ابن عبود، القاهرة، مصر
السلف نور الدين علي بن أيبك
الخلف الظاهر بيبرس
سلالة الدولة الخوارزمية (بالنسب)
السلطنة المملوكية (بالحِلف)
اعتقاد ديني مسلم سني

الملك المظفر سيف الدين قطز محمود بن ممدود بن خوارزم شاه، سلطان مصري ذو أصل مملوكي (توفي 658 هـ الموافق 1260)؛ تولى الملك سنة 657 هـ الموفق1259. يُعدّ قطز بطل معركة عين جالوت وقاهر التتارالمغول؛ كما يعتبر أبرز ملوك مصر على الرغم من أن فترة حكمه لم تدم سوى أقل من عام واحد، حيث نجح في إعادة تعبئة وتجميع الجيش المصري، واستطاع إيقاف زحفالتتار الذي كاد أن يقضي على الدولة الإسلامية، فهزمهم قطز بجيشه هزيمة كبيرة في عين جالوت، ولاحق فلولهم حتى حرر الشام بأكملها من سلطتهم.[1]

قطز هو اسم أطلقه التتار عليه حيث قاومهم بشراسة خلال اختطافهم وبيعهم له وهو صغير، ومعنى قطز باللغة المغولية (الكلب الشرس)،[2] نسب قطز يعود إلى الأمير ممدود الخوارزمي ابن عم السلطان جلال الدين خوارزم شاهسلطان الدولة الخوارزمية وزوج أخته. نشأ قطز نشأة الأمراء وتدرب على فنون القتال على يد خاله، وبعد سقوط الدولة الخوارزمية بِيع مملوكًا في الشام، ثم انتقل لمصروبِيع مملوكًا للملك الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوك الدولة الأيوبية، فتعلم فنون القتال والخطط الحربية في مدارس المماليك، وشارك جيش الملك الصالح في صد الحملة الصليبية السابعة، وتحقيق الانتصار في معركة المنصورةعام 648 هـ الموافق 1250. تدرّج قطز في ترتيب السلطة حتى كان يوم السبت 24 ذو القعدة 657 هـ الموافق 11 نوفمبر 1259 حيث نُصب ثالث سلاطين مماليك مصر،[3]ولما عاد قطز منتصرًا من عين جالوت إلى مصر تآمر عليه بعض الأمراء المماليك بقيادة بيبرس، فقتلوه بين القرابي والصالحية ودفن بالقصير، ثم نقل قبره بعد مدة من الزمن إلى القاهرة، وكان مقتله يوم السبت 16 ذو القعدة 658 هـالموافق 22 أكتوبر 1260، وذلك بعد معركة عين جالوتبخمسين يومًا، ولم يدم حكمه سوى سنة واحدة.[4]

أصولهعدل

الدولة الخوارزمية حكم أجداد قطز في أقصى اتساعها.

نشأ قطز كأي مملوك تم شراءه، مثل بقية المماليك الأرقّاء القادمين من بلاد ما وراء النهر من بلاد المغول والترك؛ فالترك من قبائل المغول التي سكنت شرق آسيا ومنهم التتارالذين خرج منهم جنكيز خان وهولاكو. ويُوصف قطز بأنه أحد أمراء الدولة الخوارزمية الإسلامية التي كانت مجاورة لإمبراطورية المغول التي أسسها خان المغول جنكيز خان، وقد دخل ملك الدولة الخوارزمية علاء الدين محمد الخوارزمي في صراع وحروب مع جنكيز خان أدت إلى تحطم الإمبراطورية الخوارزمية وهلاك علاء الدين محمد خوارزم شاه وابنه السلطان جلال الدين، والخوارزميون هم سلالة تركية سُنِّية حكمت أجزاء كبيرة من آسيا الوسطى وغرب إيران في الفترة (10771220) وكانوا أتباعًا اقطاعيين للسلاجقة ثم استقلوا، وأصبحوا حكامًا مستقلين في القرن الحادي عشر الميلادي.[5]

ولمَّا سقطت الدولة الخوارزمية بمقتل السلطان جلال الدين بن محمد خوارزم شاه في 15 شوال 628 هـ الموافق 9 أكتوبر 1231، كان الأمير ممدود الخوارزمي ابن عم السلطان جلال الدين وزوج أخته قد شارك جلال الدين في قتاله للمغول حتى نال الشهادة وقتل في بداية الحروب الخوارزمية المغولية، وترك الأمير ممدود قبل وفاته ابنه الصغير محمود في رعاية وتربية خاله السلطان جلال الدين، قال علي أحمد باكثير « مات الأمير ممدود شهيدًا في سبيل الله، ولم يتجاوز الثلاثين من عمره، تاركًا وراءه زوجته البارة، وصبيًا في المهد لما يدُر عليه الحول، ولم يتمتع برؤيته إلا أياماً قلائل، إذ شغله عنه خروجه مع جلال الدين لجهاد التتار، ولم يكن له وهو يودع هذه الحياة ونعيمها من عزاء إلا رجاؤه فيما أعد الله للشهداء المجاهدين في سبيله من النعيم المقيم والرضوان الأكبر»،[6][7]

ويروي شمس الدين الجزري في تاريخه عن سيف الدين قطز «لما كان في رق موسى بن غانم المقدسي بدمشق، ضربه سيده وسبه بأبيه وجده، فبكى ولم يأكل شيئا سائر يومه، فأمر ابن الزعيم الفراش أن يترضاه ويطعمه، فروى الفراش أنه جاءه بالطعام، وقال له: كل هذا البكاء من لطمة، فقال قطز: إنما بكائي من سبه لأبي وجدي وهما خير منه، فقلت: من أبوك واحد كافر، فقال: والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك، فسكتُّ وترضيته».[8]

نشأتهعدل

ولد قطز أو الأمير محمود بن ممدود الخوارزمي في أسرة ملكية بمملكة خوارزم شاه بفارس، ولم يذكر المؤرخون السنة التي ولد فيها، وكان أقرب تاريخ ذُكر في سيرة قطز هو عام 628 هـ الموافق 1231 عندما تمَّ اختطافه عقب انهيار الدولة الخوارزمية على يد التتار، وحُمل هو وغيره من الأطفال إلى دمشق.[8]

ولد محمود للأمير ممدود ابن عم وزوج أخت السلطان جلال الدين الخوارزمي، ونشأ نشأة الأمراء وتدرب فنون القتال على يد خاله جلال الدين نظرًا لاستشهاد أبيه وهو لايزال رضيعًا في حروب المسلمين الأولى ضد التتار، وكان اسمه وقتها محمود، ثم دارت الدائرة على مملكة جلال الدين وقضى التتار عليه وعلى ملكه، وأُسر الأمير محمود وبيع عبدًا في السوق لثري من أثرياء الشام،[9] فرباه الثري وأحسن تربيته، فتعلم اللغة العربية وأصولها، وحفظ القران الكريم ودرس الحديث، وبعد موت الثري أصبح قطز مملوكًا لابن الثري، ولم يجد منه عناية وحسن تعامل، فبيع قطز لثري آخر من أثرياء الشام، وكان هذا الثري مدخلًا لقطز لدخول الحياة السياسية والجهاد ضد الصليبيين، فهذا الثري هو ابن واحد من أكبر معاوني العالم العز بن عبد السلام، فتربى قطز تربيه جديدة، وجاءت الحروب الصليبية على الشام ومن ضمنها دمشق، وعندما تخلى الصالح إسماعيلعن جهاد الصليبيين وهادنهم، نهض الملك الصالح نجم الدين أيوب للدفاع عن المسلميين، فاشترك قطز من ضمن المدافعين من أهل دمشق مع الجيش المصري، وكان له دور مع بقيت أهل الشام في انتصار المسلمين على الصالح إسماعيل وأعوانه من الصليبيين.[10]

ثم طلب قطز من سيده أن يبيعه إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب ليندرج تحت سلك ممالكه، ووافق سيده على بيعه، وبعد أن بيع قطز إلى الملك الصالح عهد به إلى الأمير المملوكي عز الدين أيبك، فتربى قطز مثل باقي المماليك حيث يتم الحاقهم بمدرسة المماليك، ويتم تعليمهم اللغة العربية قراءة وكتابة، ثم حفظ القران الكريم ومباديء الفقة الإسلامي، ثم فنون القتال من الرمي بالسهام والقتال بالسيوف، وركوب الخيل ووضع الخطط الحربية والتصرف في أمور الدولة، وقد ساعدت التربية الإسلامية والقتالية لقطز في سن الطفولة والشباب في قصر خاله السلطان جلال الدين حيث تولى تربيته بعد وفاة أبيه، في تفوق قطز على أقرانه من المماليك الذين اشتراهم الملك الصالح، فقد نشأ قطز على كراهية المغول وسمع وشاهد القتال والمعارك التي قادها خاله وأبوه في بلاد الخوارزميين.

وكان التتار هم الذين أطلقوا على محمود ابن الأمير ممدود اسم قطز، وهذه الكلمة بالتترية تعني الكلب الشرس، فقد كان واضحًا على قطز علامات القوة والبأس من صغره، فلذلك أطلق عليه التتار هذه الكلمة،[11][12] أورد المؤرخون وصفًا لقطز بأنه كان شابًّا أشقر، كثَّ اللحية، بطلا شجاعًا عفًّا عن المحارم، مترفعا عن الصغائر، مواظبًا على الصلاةوالصيام وتلاوة الأذكار، تزوج من بني قومه، ولم يخلف ولدًا ذكرًا، بل ترك ابنتين لم يسمع عنهما الناس شيئًا بعده.[8][13]

حياته في الدولة الأيوبيةعدل

رسمة لمعركة المنصورة بقيادة لويس التاسع التي شارك فيها قطز.

انتقل قطز من الشام وانضم إلى مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي كان يكثر من شراء المماليك ويضمهم إلى جيشه ويربيهم على الولاء لجيشه، ولأن قطز من أصول ملكية في الدولة الخوارزمية وقد تعلم فيها فنون القتال، وشاهد المعارك والحروب التي دارت بين قومه وبين التتار المغول، فقد ساعده ذلك كله في ترقيته في صفوف المماليك الصالحية البحرية، وارتقى بسرعة حتى أصبح الساعد الأيمن لأمير جند السلطان الأمير عز الدين أيبك، الذي كان له دور هام في الأحداث السياسية في مصر والبيت الأيوبي، جاء قطز إلى مصر وقد تكون فيها جيش قوي عظيم من المماليك البحرية، الذي تصدى لكل المحاولات الخارجية لغزو مصر وأهمها الحملة الصليبية السابعة التي قادها الملك لويس التاسع، وقد أظهرت معركة المنصورة قوة المماليك العسكرية والتخطيطية في إدارة المعارك، ثم قدرتهم على الحكم وإدارة شؤون البلاد حين قرروا التخلص من السلطان توران شاه، وتنصيب شجرة الدر زوجة سيدهم الملك الصالح ملكة على مصر، ثم ظهورهم على الساحة كسلاطين وحكام لمصر والشام.[14]

شارك قطز جيش الملك الصالح في صد الحملة الصليبية السابعة، وتمثلت شجاعة المماليك في الانتصار الكبير الذي حققوه في معركة المنصورة عام 648 هـ الموافق 1250والتي أُسر فيها الملك لويس التاسع قائد الحملة،[15][16] وقد وصف أحد المؤرخين المماليك في تلك المعركة بقوله: «والله لقد كنت أسمع زعقات الترك كالرعد القاصف، ونظرت إلى لمعان سيوفهم وبريقها كالبرق الخاطف، فلله درهم فقد أحيوا في ذلك اليوم الإسلام من جديد بكل أسد من الترك قلبه من حديد، فلم تكن ساعة وإذا بالإفرنج قد ولوا على أعقابهم منهزمين، وأسود الترك لأكتاف خنازير الأفرنج ملتزمين»،[17] وكانت من أهم أحداث معركة المنصورة وفاةالملك الصالح وتنصيب توران شاه ملكًا لمصر، ومن أهم نتائج المعركة وصول المماليك لحكم مصر والقضاء علىالدولة الأيوبية.[18]

توران شاهعدل

قاد الملك توران شاه المماليك وبقية جيشه في استكمال تحقيق النصر في معركة المنصورة وصد الحملة الفرنسية السابعة، ولكن هذا النصر لم يسفر عن استقرا الأحوال السياسية في مصر، بل ظهر الخلاف بين المماليك البحرية الذين أظهروا قوتهم وجلادتهم في قتال الفرنجة وبين ابن أستاذهم الملك توران شاه، وذكر المؤرخون أن توران شاه لم يكن صالحًا للحكم لتهوره وكبريائه، ولتعامله السيء مع زوجة أبيه شجرة الدر، ولتنكره لأمراء المماليك وعلى رأسهم الأمير فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس وسيف الدين قطز، قرر المماليك الحربية التخلص من توران شاه، وفي27 محرم 648 هـ الموافق 2 مايو 1250 قُتل توران شاه من قبل أمراء المماليك، بعد أن حكم واحدًا وستين يومًا.[19][20]

شجرة الدرعدل

بعد قيام المماليك البحرية بقتل سلطانهم توران شاه أصبح هناك فراغ في الحكم، حيث لايوجد بديل من أسرة بني أيوب لحكم مصر، وعليه اختار أمراء المماليك ومن بينهم قطز زوجة سيدهم شجرة الدر ملكة على الديار المصرية، وأُخذت البيعة للسلطانة الجديدة في شهر صفر 648 هـ الموافق مايو 1250، وما إن تولت مقاليد الحكم حتى لاقت الرفض من الخليفة العباسي في بغداد، وقام العلماء ينددون بتنصيبها في المنابر، وتفجرت الثورات في العالم الإسلامي، فما كان من شجرة الدر إلى التنازل بالحكم لأحد أمراء المماليك البحرية، بعد أن حكمت مصر ثمانين يوماً.[21][22]

حياته في الدولة المملوكيةعدل

شجر الدر سلطانة مصر

بعد أن قررت شجرة الدر التنازل عن الحكم، اختارت عز الدين أيبك التركماني الصالحي خليفةً لها في الحكم بعد زواجها منه، وقد وافق أمراء المماليك وقطز أحدهم على اختيار أيبك كأول سلاطين الدولة المملوكية،[23] وقد شارك قطز السلطان أيبك في هزيمة الأيوبيين بقيادة الملك الناصرفي معركة عند بلدة العباسة بين الصالحية وبلبيس،[24]وعندما دَب الخلاف بين عز الدين أيبك وفارس الدين أقطاي، قرر أيبك إنشاء فرقة من المماليك عرفوا فيما بعد بالمماليك المعزية نسبة إلى لقب عز الدين أيبك الملك المعز، وعين مملوكه قطز المعزي نائبًا للسلطنة في مصر، ولمَّا أحس أيبك بخطر الأمير أقطاي وخطر فرقته المماليك البحرية، خشي أيبك على حياته بعد أن وصلته أخبار عن عزم أقطاي اغتياله، فدبر أيبك خطة لاغتيال أقطاي بمساعدة نائبه قطز وبعض مماليكه المعزية، واستدعى أيبك غريمه أقطاي للمثول أمامه في القلعة لاستشارته في بعض الأمور، وفي الميعاد المحدد حضر أقطاي إلى القلعة ومعه عدد من مماليكه، ودخل باب القلعة المؤدي لقاعة العواميد، وتم اغلاق الباب ومنعت المماليك البحرية من الدخول، وبسرعة انقض عليه الأمير قطز ومن معه من المماليك المعزية وقتلوه بالسيوف.[25][26][27]

ثم وقع الخلاف بين أيبك وزوجته شجرة الدر بسبب تمرده عليها وعدم اشراكها في حكم مصر، وبسبب تخلصه منالمماليك البحرية، ومما زاد الأمر سوءًا عزم أيبك الزواج من ابنة ملك الموصل بدر الدين لؤلؤ، فعزمت شجرة الدر على قتل أيبك، وكان لها ما أرادت، وقَتل خمسة من غلمانها أيبك وهو في الحمام وكان ذلك في 655 هـ الموافق 1257، وبعد انتشار خبر وفاة الملك المعز، حاولت شجرة الدر اخفاء واقعة القتل حيث ادعت أن أيبك وقع من فوق جواده، إلى أن مماليك السلطان المعز بقيادة الأمير قطز كشفوا حقيقة قتلها للسلطان، وقرروا قتلها.[28][29]

علي بن المعزعدل

صمم المماليك المعزية وعلى رأسهم سيف الدين قطز على أن يقيموا على العرش الذي بات شاغرًا بمصرع أيبك صبيًا صغيرًا في الخامسة عشر من عمره وهو نور الدين علي ابن سيدعم عز الدين أيبك، وتم ذلك في 655 هـ الموافق 1257 ولقبوه الملك المنصور علي،[30] وقد رفض بعض المماليك الاعتراف بالسلطان الصغير، وتجسد رفضهم في عدة اضطرابات عاصفة، استنجدت بعض الفئات المتنازعة بملوك بني أيوب في الشام، وحاول المغيث عمر صاحب إمارة الكرك غزو مصر مرتين، ولكن الفشل حالفه في المرتين، وكانت كل هذه الاضطرابات فرصة جيدة ومناسبة لظهور نجم سيف الدين قطز، فبعد أن عزم المماليك الصالحية داخل مصر الانقلاب على المماليك المعزية وقائدهم قطز وحاولوا تنصيب الأتابك سنجر الحلبي سلطانًا لمصر، سارع قطز في اعتقاله وحبسه في سجن القلعة،[31]وتطورت الأمور بهروب الكثير من المماليك المعارضين إلىالشام، فطاردهم قطز وقبض على الكثير منهم، وسجنهم في سجون القلعة.[31]

استقرت الأمور نسبيًا لقطز في مصر وخلا له الجو فصار نائب السلطان،[32] وصار المدبر والحاكم الفعلي لمصر حيث أن السلطان الجالس على العرش طفل صغير، وكان جلوس السلطان الصبي على العرش مسألة قُصدبها كسب الوقت حتى يتمكن واحد من كبار المماليك من حسم المسأله لطرفه، ولم يشأ قطز أن يتعجل الأمور بحسم أمر السلطة له ومواجهة المنافسين بعد وفاة عز الدين أيبك، فأمسك بزمام السلطة الفعلية تاركًا للسلطان الصبي شعار السلطنة ولقبها،[33] ثم بدأ قطز بترتيب الأوضاع الداخلية لصالحه، في حين كانت الشائعات تملأ سماء القاهرة بأن السلطان الصغير يريد خلع قطز مملوك أبيه، واجتمع الأمراء في بيت أحد كبارهم وتكلموا إلى أن نجحوا في إصلاح الأمور بين الملك المنصور علي وبين مملوك أبيه الأمير قطز، وبذلك توطدت مكانة سيف الدين قطز في الدولة.[33]

في الوقت نفسه كانت الأحوال متردية بسبب الفتن التي أثارتها طوائف المماليك في القاهرة، كما كان خطر محاولات الغزو الفاشلة التي قام بها المغيث عمر في 655 هـ الموافق 1257، وفي سنة 656 هـ الموافق 1258، تقلق بال قطز، حيث خرج في المرتين للقاء المماليك البحرية وحليفهم الأيوبي، واستطاع القضاء على الخطر الأيوبي، فواصل قطز ترتيب أمور المملكة من الداخل بعد أن واجه الخطر الخارجي، فقبض على جماعة من الأمراء لميلهم للملك المغيث عمر، وهم: الأمير عز الدين أيبك الرومي الصالحي، والأمير سيف بلبان الكافوري الصالحي الأشرفي، والأمير بدر الدين بكتوت الأشرفي، والأمير بدر الدين بلغان الأشرفي، وبذلك استتب الأمر لقطز.[34]

تنصيبه سلطانًا لمصرعدل

بعد قرابة ثلاث سنوات من حكم نور الدين علي بن أيبك مصر، بدأت صدى طبول الحروب التتارية تترد على حدودمصر، واقتربت رياح الغزو التتري لبلاد الشام ومصر، ولم يكن بوسع السلطان الصبي نور الدين علي أن يفعل شيئًا إزاء خطر التتار الداهم والقريب، الذي كان يقضي وقته في ركوب الحمير والتنزه في القلعة، واللعب بالحمام مع الخدم،[35][36] ومع كل خبر جديد يصل عن وحشية التتار كانت الأحوال في مصر تزداد اضطرابًا، ومع اقتراب جحافل التتار من الشام أرسل الملك الناصر رساله حملها المؤرخ والفقيه كمال بن العديم إلى مصر يستنجد بعساكرها،[37]ولما قدم ابن العديم إلى القاهرة عقد مجلس في القلعة حضره السلطان الصبي المنصور نور الدين علي، وحضره كبار أهل الرأي من العلماء والقضاه مثل قاضي القضاة بدر الدين حسن السنجاري، والشيخ العز بن عبد السلام، وكان من بين الحاضرين سيف الدين قطز، وكان هذا الاجتماع آخر خطوات قطز نحو وصوله لعرش مصر وقتال التتار، فقد استغل قطز اجتماع القلعة لخلع السلطان الصبي، وأخذ في الاجتماع يتحدث عن مساويء المنصور علي وقال«لابد من سلطان قاهر يقاتل هذا العدو، والملك الصبي لايعرف تدبير الملك»،[38] وساعد قطز في الوصول لهدفه أن مساويء السلطان المنصور علي كانت قد زادت حتى انفض الجميع من حوله، واستهتر في اللعب وتحكمت أمه في أمره فاضطربت الأمور، وانتهز قطز الفرصة المناسبة عندما خرج أمراء المماليك البحرية والمعزية في رحلة صيد في منطقة العباسية في الشرقية وعلى رأسهم الأمير سيف الدين بهادر والأمير علم الدين سنجر الغتمي، وكان ذلك في يوم السبت24 ذو القعدة 657 هـ الموافق 1259، وقبض قطز على السلطان المنصور علي وعلى أخيه قاقان وعلى أمهما، واعتقلهم في أحد أبراج القلعة، وفي هذا اليوم انتهت مدة حكم السلطان المنصور علي والتي استمرت سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام، وحين قدم المماليك من رحلة الصيد بقيادة سيف الدين بهادر وعلم الدين سنجر، أنكروا على قطز مافعله، فأخبرهم بخطر التتار القادم على بلاد الشام ومصر، وقال لهم: «إني ماقصدت إلا أن نجتمع على قتال التتار، ولا يأتي ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم في السلطنة ماشئتم».[39][40]

ترتيب الوضع الداخليعدل

استلم قطز السلطة في مصر وكان وضعها متأزمًا جدًا عندما بدأ التتار في اجتياح الشام والاقتراب أكثر من الديار المصرية، وكان المسرح السياسي في القاهرة يموج بالاضطرابات والأزمات، وكانت الفتن الناتجة عن التصارع على كرسي السلطة والحكم عنيفة ومتكررة، وكان الخطر الآخر القريب يتمثل في المماليك البحرية الذين فر الكثير منهم إلى الإمارات الإسلامية في الشام، ومن بقي منهم في مصر بقي على وجل وترقب، وهذا الانقسام أضعف القوة العسكرية المصرية لأن المماليك البحرية كانوا أساس الجيش المصري في ذلك الوقت،[41] وكان المسرح السياسي الخارجي يحمل مشكلات أخرى كبيرة، فالعلاقة مع كل إمارات الشام كانت مقطوعة تمامًا، وكان روح العداء الشديد هو السائد بن الطرفين، كما لم يكن لمصر أي سند من الدول المجاورة لها في أفريقيا، ولم يكن الوضع الاقتصادي في مصر بأفضل حالًا من الأوضاع السياسية والاجتماعية، فهناك أزمة اقتصادية طاحنة تمر بالبلاد جراء الحملات الصليبية المتتالية، ومن جراء الحروب التي دارت بين مصر وجيرانها في الشام، ومن جراء الفتن والصراعات على المستوى الداخلي، كما أن الناس انشغلوا بأنفسهم وبالفتن الداخلية والخارجية فتردَّى الاقتصاد إلى أبعد درجات التردي.[42]

لم يكن جلوس قطز على عرش السلطنة نهاية لرحلة المملوك إلى عرش مصر، فقرر قطز توطيد دعائم حكمه في الداخل قبل التوجه للقاء عدوه الخارجي وقطع أطماع الآخرين في كرسي الحكم الذي يجلس عليه، فجمع الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي في مصر، وكل هؤلاء كانوا من المحركين الفعليين لطوائف شعب مصر المختلفة، وقال لهم أن سبب توليه الحكم هو مواجهة العدو: «إني ماقصدت إلا أن نجتمع على قتال التتار، ولا يأتي ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم في السلطنة ماشئتم»، ثم أرسل المنصور علي وأخاه وأمه إلى دمياط واعتقلهم في برج بناه هناك واطلق عليه اسم برج السلسلة، ثم نفاهم جميعًا بعد ذلك إلى القسطنطينية، كما قام قطز بالقبض على رؤوس الفتنة الذين حاولوا أن يخرجوا على حكمه وسلطته وهم: الأمير علم الدين سنجر الغتمي، والأمير عز الدين أيدمر النجيبي الصغير، والأمير شرف الدين قيران المعزي، والأمير سيف الدين الدود خال السلطان المنصور علي بن المعز، والطواشي شبل الدولة كافور، والطواشي حسام الدين بلال المغيثي الجمدار، واعتقلهم ووضعهم في سجن القلعة، وهكذا تمكن من التخلص من رؤوس المعارضة، ثم بدأ السلطان المظفر سيف الدين قطز باختيار أركان دولته وتوطيد دعائم دولته، فبدأ بتغيير الوزير ابن بنت الأعز، وولى بدلًا منه زين الدين يعقوب عبد الرفيع بن يزيد بن الزبير، وأقر الأمير فارس الدين أقطاي الصغير الصالحي المعروب بالمستغرب أتابكًا، وفوض إليه بجانب زين الدين يعقوب تدبير العساكر واستخدام الأجناد وسائر أمور الجهاد والاستعداد للحرب ضد التتار.[43]

وبعد أن ضمن سيف الدين قطز هدوء الأحوال داخل دولته، بدأ في التوجس من الملوك الأيوبيين في الشام، خاصةالناصر يوسف صلاح صاحب دمشق وحلب، وخاف من عاقبة مواجهته بدلًا من مواجهة التتار، فكتب إليه خطابًا رقيقًا حاول فيه تجنب المواجهه معه، وأقسم قطز بالأيمان أنه لا ينازع الملك الناصر في الملك ولا يقاومه، وأكد له أنه نائبًا له في مصر، ومتى حل بها أقعده على كرسي العرش، وقال: «وإن اخترتني خدمتك، وإن اخترت قدمت ومن معي من العسكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت لك العساكر صحبة من تختاره».[44]

الإعداد لمواجهة التتار ومعركة عين جالوتعدل

أصبح خطر التتار يهدد مصر بعد أن تمكنوا من الإستيلاء على جميع الإمارات والدول والأراضي الإسلامية حتى وصلت سلطتهم إلى غزة، ولم يبقى بينهم وبين مصر إلا معركة الحسم، بدأ المظفر قطز بالتحضير لمواجهة التتار، وكان أول أمر يقوم به هو إصداره لعفو عام وشامل عن المماليك البحرية الذين فروا إلى الشام بعد مقتل زعيمهمفارس الدين أقطاي،[45] وكانت هذه الخطوة أبرز قرار سياسي اتخذه قطز، فقوات المماليك المعزية لا تكفي لحرب التتار، وكانت المماليك البحرية قوة عظيمة وقوية، ولها خبرة واسعة في الحروب، فإضافة قوة المماليك البحرية إلى المماليك المعزية المتواجدة في مصر ستنشيء جيشاً قوياً قادراً على محاربة التتار، وكان من نتائج هذه الخطوة عودة القائد ركن الدين بيبرس إلى مصر، فاستقبله قطز استقبالًا لائقًا، وعظم شأنه وأنزله دار الوزارة، وأقطعه قليوب وماحولها من القرى، وجعله في مقدمة الجيوش في معركة عين جالوت.[46]

تخطيط لاسم العز بن عبد السلام الذي أفتى بجواز فرض الضرائب.

ثم واجهت قطز أزمة اقتصادية منعته من تجهيز الجيش المتجه لمواجهة التتار، فلابد من تجهيز الجيش المصري وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وليس هناك من الأموال ما تكفي لتأمين كل ذلك، فقام قطز بدعوة مجلسه الاستشاري ودعا إليه سلطان العلماء العز بن عبد السلام، اقترح قطز أن تفرض ضرائب لدعم الجيش، ولكن هذا القرار يحتاج فتوى شرعية، لأن المسلمين في دولة الإسلام لا يدفعون إلا الزكاة، [47] عندها أفتى العز بن عبد السلاموقال: «إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم كله قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص – وهي حزام الرجل وحزام الدابة- المذَهَّبة والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة، مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا».[48] وقد بيَّن العز بن عبد السلام بأنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء، فإن لم تكفي هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي لتجهيز الجيش، قبِل سيف الدين قطز فتوى العز بن عبد السلام وبدأ بنفسه وباع كل ما يملك وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك، فانصاع الجميع وامتثلوا أمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئاً في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال ضربت سكاً ونقداً وأنفقت في تجهيز الجيش،[49] ولكن لم تكفي هذه الأموال في تغطية نفقة الجيش، فقرر قطز إقرار ضربية على كل رأس من أهلمصر والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً، وأَخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً، وأَخذ من أغنياء الناس والتجار زكاةأموالهم معجلاً، وأَخذ من الترك الأهلية ثلث المال، وأَخذ من الغيطان والسواقي أجرة شهر واحد، وبلغ جملة ما جمعه من الأموال أكثر من ستمائة ألف دينار.[50]

رسالة هولاكو لقطزعدل

عندما كان سيف الدين قطز منشغلاً بإعداد الجيش وتجهيزه، جاءته رسالة من هولاكو يحملها أربع رسل من التتار، وفيها:[51]

   
من ملك الملوك شرقاً وغرباً الخاقان الأعظم، باسمك الله باسط الأرض ورافع السماء، يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم يتنعمون بأنعامه، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك، يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال أنَا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطناً على من حل به غضبه، سلموا إلينا أمركم قبل أن ينكف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق لمن شكى، قد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب وعلينا الطلب، فأي أرض تأويكم وأي طريق تنجيكم وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا خلاص، فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتلنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن الكلام، وخنتم العهود والأيمان وفشا فيكم العقوق والعصيان، فأبشروا بالمذلة والهوان (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير حق وبما كنتم تفسقون) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) فمن طلب حربنا ندم ومن قصد أماننا سلِم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خلفتم هلكتم، فلا تُهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر وقد ثبت عندكم أنّا نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة، فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، وبغير المذلة ما لملوككم علينا سبيل، فلا تطيلو الخطاب وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منّا جاهاً ولا عزاً ولا كافياً ولا حرازاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منا خالية، فقد أنصفناكم إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم والسلام علينا وعليكم وعلى من أطاع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى.
   

كانت هذه الرسالة بمثابة إعلاناً صريحاً بالحرب أو تسليممصر للتتار، على إثر الرسالة عقد قطز مجلساً ضمّ كبار الأمراء والقادة والوزراء وبدؤا مناقشة فحوى الرسالة، كان قطز مصمماً على خوض الحرب ورافضاً لمبدأ التسليم، وقال قطز مقولته لما رأى من بعض الأمراء التراخي في مواجهة التتار: «أنا ألقى التتار بنفسي»،[52] ثم قال: «يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين فى رقاب المسلمين»،[53] وقال: «من للإسلام إن لم نكن نحن»،[54] بعد هذه الكلمات أيد الأمراء المماليك قرار قطز في المواجهه، ثم قرر قطز أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم هولاكو، وأن يعلق رؤوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك بعد أن استشار ركن الدين بيبرس الذي قال: «أرى أن نقتل الرسل الأربعة ونقصد كتبغا قائد المغول متضامنين، فإذا انتصرنا أو هزمنا فسنكون في كلتا الحالتين معذورين».[55][56][57]

معاهدة عكاعدل

اجتمع قطز مع مجلسه العسكري لبحث أفضل طريقة لحرب التتار، وعبَّر عن عزمه الخروج بجيش مصر لملاقاة التتار في فلسطين بدلاً من أن ينتظرهم في مصر، وبعد نقاش طويل دار في المجلس العسكري، أُقرت خطة سيف الدين قطز في السير إلى فلسطين، وفي أثناء تجهيز الجيش قامقطز بجهود حثيثة لتمهيد طريق الجيش للقاء التتار، فقد كانت هناك أجزاء من فلسطين وساحل البحر الأبيض المتوسط محتلة من قبل الإمارات الصليبية، ومنها إماراتعكا وحيفا وصور وصيدا واللاذفية وأنطاكية، وكانت أقوى هذه الإمارات الصليبية هي إمارة عكا، وهذه الإمارة تقع على طريق قطز وجيشه إذا أراد أن يحارب التتار فيفلسطين، كان التفكير في أن قتال الصليبيين في عكا سيؤثر سلباً على جيش الإسلام في مصر المتوجه لفلسطين، وفي نفس الوقت لا يستطيع قطز أن يحارب التتار فيفلسطين دون الانتهاء من مشكلة الصليبيين في عكا، وجد قطز أن أفضل الحلول هو الإسراع بعقد معاهدة مع الصليبيين في عكا قبل أن يتحالف التتار معهم،[58] قام قطز بإرسال سفارة إلى عكا للتباحث حول إمكانية عقد معاهدة سلام مؤقتة بين المسلمين والصليبيين، كان الهدف من المعاهدة هي تحييد جيش الصليبيين من جهه، وتأمين ظهر جيش مصر من جهة أخرى، جلس وفد قطز مع الأمراء الصليبيين للتباحث في أمر الهدنة، كان الصليبيين يخافون ألاّ يظفروا من المسلمين بعهد فيتقلب عليهم المسلمين، ولذلك تقبلوا فكرة الهدنة بسرعة، وقبِل الطرفان فكرة الهدنة المؤقتة،[58] وأصر الوفد المسلم على أن تكون هذه الهدنة هدنة مؤقتة تنتهي بانتهاء حرب التتار، ومما اتفق عليه في الهدنة أن أي خيانة تحصل من قبل الصليبيين فسيترك المسلمين قتال التتار ويتوجهون إلى عكا لتحريرها، وأنه في حال انتصار المسلمين في قتال التتار فسيبيع المسلمون خيول التتار من أهل عكا بأسعار زهيدة، في حين تعهد الصليبيين في عكا بأن يسهموا في إمداد جيش المسلمين بالمؤن والطعام أثناء تواجده في فلسطين.[58]

معركة غزةعدل

بدأ جيش المسلمين في مصر بالتجمع في منطقة الصالحية(تقع الآن في محافظة الشرقية)، وهي منطقة صحراوية واسعة تستوعب الفرق العسكرية المختلفة، ثم توجه قطز بجيشه إلى سيناء، ثم سلك طريق الساحل الشمالي لسيناء بحذاء البحر الأبيض المتوسط، كان هذا التحرّك في أوائل شعبان 658 هـ / يوليو 1260م، كان قطز يتحرك على شكل الخطة التي سيواجه التتار بها، حيث أنه لا يتحرك إلاّ وقد رتّب جيشه بالترتيب الذي سيقاتل به العدو لو حدث قتال، وقد وضع على مقدمة جيشه ركن الدين بيبرس ليكون أول من يصطدم بالتتار، وكان سيف الدين قطز قد سلك في ترتيب جيشه خطةً جديدة، حيث كون في مقدمة الجيش فرقة كبيرة نسبياً على رأسها بيبرس، وجعل هذه الفرقة تتقدم كثيراً عن بقية الجيش التي تسير خلفها، وتظهر نفسها في تحركاتها، بينما يتخفي بقية الجيش في تحركاته، فإذا كان هناك جواسيس للتتار اعتقدوا أن مقدمة الجيش هي كل الجيش، فيكون استعدادهم على هذا الأساس، ثم يظهر بعد ذلك قطز على رأس الجيش الأساسي، وقد فاجأ التتار الذين لم يستعدوا له،[8] اجتاز بيبرس سيناء في 15 رجب 658 هـ / 26 يوليو 1260م، ودخل فلسطين وتبعهقطز بعد ذلك في سيره، واجتازوا رفح وخان يونس ودير البلح واقتربوا من غزة التي احتلها التتار في اجتياحهم للشام، اكتشفت عيون التتار مقدمة الجيش الإسلامي، واعتقدوا أن هذا هو جيش المسلمين كله، ونُقلت الأخبار إلى حامية غزة التترية، وأسرعت الحامية التترية للقاء بيبرس، وتم بينهما قتال سريع، جرى هذا القتال وجيش قطز الرئيسي ما زال يعبر حدود سيناء متوجهاً إلى غزة، وكانت مقدمة الجيش بقيادة ركن الدين بيبرس مقدمة قوية وقائدها قائد بارع، والحامية التترية في غزة صغيرة نسبياً، وجيش المغول الرئيسي بقيادة كتبغا على مسافة كبيرة من غزة حيث يربض في سهل البقاع، فتم اللقاء في غزة بمعزل عن الجيوش الرئيسية للمسلمين والتتار، واستطاعت مقدمة جيش المسلمين أن تنتصر في هذه الموقعة الصغيرة، التي قُتل فيها بعض جنود الحامية التترية، وفرّ الباقون في اتجاه الشمال لينقلوا الأخبار إلىكتبغا.[8][59][60]

معركة عين جالوتعدل

خريطة توضح مسيرة الجيشين الإسلامي والمغولي حتى التقائهما في عين جالوت.

بعد معركة غزة توجه قطز بجيشه شمالا وبحذاء البحر فمروا بعسقلان ثم يافا ثم مروا بغرب طولكرم، ثم حيفا، وواصلوا الاتجاه شمالاً حتى وصلوا عكا التي وقعوا فيها مع الصليبيين معاهدة سلام مؤقتة، وخيم فيها عدة أيام، وأشار إليه بعض أمرائه بالهجوم على حصن عكا وتحرر المدينة بعد قرن ونصف من الاحتلال، وكان رد قطز: «نحن لا نخون العهود»،[61] ثم اتجه من عكا إلى الجنوب الشرقي منها، ليبحث عن مكان يصلح للمعركة مع التتار، في هذه الأثناء كان كتبغا قائد جيش التتار قد وصلته فلول جيشه الهارب من معركة غزة فأخبروه بسقوط غزة، واتخذ كتبغا قراره بأن يتوجه بسرعة لملاقاة قطز، تحرك كتبغا من سهل البقاع باتجاه الجنوب حتى دخل فلسطين من شمالها الشرقي غرب الجولان عبر نهر الأردن، ووصل إلى الجليل الشرقي، واكتشفت استطلاعات جيش قطز حركة كتبغا، ونقلت له الأخبار بسرعة فغادر عكا في اتجاه الجنوب الشرقي، ثم أسرع باجتياز الناصرة، وتعمق أكثر في الجنوب الشرقي حتى وصل منطقة تعرف باسم سهل عين جالوت التي تقع تقريباً بين مدينة بيسان في الشمال ومدينة نابلس في الجنوب.[62]

وفي يوم الجمعة 25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260م، رتبوا قطز جيشه واستعد للمعركة، وما إن أشرقت الشمس حتى أتى جيش التتار لسهل عين جالوت من الشمال، كان الجيش يختبىء خلف التلال، وكانت مقدمة الجيش بقيادةركن الدين بيبرس لا تخفي نفسها، وكان الهدف من هذه الخطة حتى يعتقد جواسيس التتار أن هذه المقدمة هي كل الجيش،[63] وبدأت مقدمة الجيش في النزول من أحد التلال لسهل عين جالوت، وبعد أن نزلت مقدمة جيش المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة عسكرية مملوكية في الظهور على أرض المعركة وانطلقت بقوة تدق طبولها وتنفخ أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية، وكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات محددة للتقدم والتأخر، وضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك استطاع قطز أن يقود المعركة عن بعد، ووقف ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خالياً من خلفه.[64]

قرر كتبغا أن يدخل بكامل جيشه وقواته لقتال مقدمة الجيش (وهذا ما خطط له قطز)، وأعطى كتبغا إشارة البدء لقواته بالهجوم على المقدمة التي ظن أنها كل الجيش، فتقدمت أعداد هائلة من فرسان التتار باتجاه مقدمة الجيش، وقف ركن الدين بيبرس وجنوده في أماكنهم حتى اقتربت منهم جموع التتار، عندها أعطى بيبرس لجنوده إشارة بدأ القتال، فانطلقوا باتجاه جيش التتار، وارتفعت سحب الغبار من المعركة وتعالت أصوات دقات الطبول، واحتدم القتال للحظات، وثبتت مقدمة الجيش في القتال وكانت مكونة من خيرة فرسان المماليك، قرر كتبغااستخدام كامل قواته لقتال مقدمة الجيش بعد أن رأى منهم الثبات في القتال، دون أن يترك أي قوات للاحتياط خلف جيش التتار، استمر القتال سجالاً على الرغم من الفجوة العددية الكبيرة بين القوتين، ثم دقت الطبول دقات معينة وهي عبارة عن أوامر من قطز إلى بيبرس بسحب التتار إلى داخل سهل عين جالوت، بدأ بيبرس على الفور في تنفيذ الأوامر، فأظهر للتتار الانهزام وتراجع بظهره وهو يقاتل، عندما رأى كتبغا تراجع المسلمين أمر جنده بتتبعهم والقضاء عليهم، وبدأ جيش التتار في دخول سهل عين جالوت للضغط على الجنود الذين انسحبوا، وبعد مدة من الزمن ليست بالقليلة دخل جيش التتار بأكمله داخل سهل عين جالوت، وانسحب ركن الدين بيبرس بجنوده إلى الناحية الجنوبية من السهل، ولم يترك كتبغا قوات احتياطية خارج السهل لتؤمن طريق العودة في حال الخسارة ولتمنع التفاف جيش المسلمين حول التتار.[65]

مخطط لسير المعركة في عين جالوت.

في هذا الوقت نزل جيش المسلمين الرئيسي بقيادة قطز من خلف التلال إلى ساحة المعركة، وأسرعت فرقة قوية من المماليك لغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، وبذلك أحاطت قوات جيش المسلمين بالتتار من كل جانب، وبدأ صراع لا مجال فيه للهرب أو المناورة، وبدأ التتار يقاتلون بكل شجاعة، وظهر تفوق الميمنة في جيش التتار، فتراجع المسلمين تحت ضغط بسالة التتار، حيث اخترقوا ميسرة المسلمين، وبدأ تساقط الشهداء في جيش المسلمين، كان قطز في هذه الأثناء في مكانٍ عالٍ خلف الصفوف يراقب الوضع، ويوجه فرق الجيش لسد الثغرات، ولما رأى معاناة ميسرة الجيش دفع بقوة احتياطية لمساندتها، ولكن هذه القوة لم تغير في الأمر شيئاً أمام بسالة وقوة ميمنة التتار، ثم دفع بقوة احتياطية أخرى، ولكن الموقف تأزم بشكلٍ أكبر، عندها قرر قطز أن ينزل بنفسه لأرض المعركة، فرمى خوذته وأخذ يصرخ «واإسلاماه… واإسلاماه»، واحتدم القتال في سهل عين جالوت، وكان فيه أن صوَّب أحد التتار سهمه نحو قطز، فأخطأه وأصاب فرسه وقتل الفرس،[66]واستمر القتال وقطز في أرض المعركة يقاتل، وبدأت الكفة تميل لصالح المسلمين، وارتد الضغط على التتار، وتقدم أمير من أمراء المماليك واسمه جمال الدين آقوش الشمسي واخترق صفوف التتار حتى وصل لكتبغا، ودار بينها قتال فتمكن آقوش من كتبغا وقتله،[67][68] وبقتله قتلت العزيمة عند جيش التتار، وأصبحوا يقاتلون ليفتحوا لأنفسهم طريقاً في المدخل الشمالي لسهل عين جالوت ليتمكنوا من الهرب، واستطاعوا فتح ثغرة في المدخل الشمالي، وخرجت أعداد كبيرة منهم باتجاه الشمال، وخرج المسلمون في طلبهم، حتى وصل التتار الفارون إلى مدينة بيسان، وعندما وصل إليهم المسلمين، لم يجد التتار أمامهم إلا أن يعيدوا تنظيم صفوفهم ويصطفوا من جديد، ودارت بين الطرفين معركة كبيرة قرب بيسان، وقاتل التتار فيها قتالاً شديداً، وبدؤا يضغطون على المسلمين، ودارت الدائرة لهم، عندها كرر قطز ما فعله في عين جالوت وأخذ يصيح بالجند «واإسلاماه… واإسلاماه… واإسلاماه» ثلاثاً، وأقبل الجند على القتال وارتفعت راية الإسلام وهوت راية التتار، وبدأ جنود التتار في التساقط، وكانت نتيجة المعركة أن أُبيد جيش التتار بأكمله، ولم يبقى على قيد الحياة من الجيش أحد.[69][70][71][72][73][74][75][76]

الفتوحات التاليةعدل

تحرير دمشقعدل

وبعد الانتصار الذي حققه قطز وجيشه في عين جالوت، كان يفكر في أمر الحاميات التتارية في بلاد الشام في دمشقوحمص وحلب وغيرها من مدن الشام، ومع ما أصاب جيش المسلمين من كثرة الشهداء وكثرة الجرحى، وما لقوه من عناء وتعب، قرر سيف الدين قطز السير لدمشق لتحريرها من سيطرة التتار، واستغلال فرصة انكسار جيش التتار وهزيمته الساحقة في سهل عين جالوت،[77] أراد سيف الدين قطز أن يستثمر انتصاره على جيش المغول في عين جالوت، في تهيئة انتصار جديد للمسلمين في دمشق على جيش التتار المحتمي فيها، فجيش التتار قتل بأكمله في المعركة، ولم ينقل أحد منهم الخبر إلى دمشق، فأردا قطز أن ينقل خبر النصر الكبير على المغول بنفسه، ليضعف من معنويات الحامية التتارية في دمشق، فيسهل عليه فتحها، قرر قطز أن يرسل رسالة إلى التتار يعلمهم فيها بهزيمةكتبغا وجيشه، وجاء فيها:[78]

   
أما النصر الذي شهد الضرب بصحته، والطعن بنصيحته، فهو أن التتار خذلهم الله، استطالوا على الأيام وخاضعوا بلاد الشام واستنجدوا بقبائلهم على الإسلام، وهذه عساكر الإسلام مستوطنة في مواطنها ما تزلزل لمؤمن قدم إلا وقدم إيمانه راسخة ولا تثبت لأحد حجة إلا وكانت الجمعة ناسخة ولا عقدت برجمة ناقوس إلا وحلها الآذان ولا نطق كتاب إلا وأخرسه القرآن، ولم تزل أخبار المسلمين تنتقل إلى الكفار، وأخبار الكفار تنتقل إلى المسلمين، إلى أن خلط الصباح فضته بذهب الأصيل، وصار اليوم كأمس ونُسخت آية الليل بسورة الشمس، إلى أن تراءت العين بالعين واضرمت نار الحرب بين الفريقين، فلم تر إلا ضرباً يجعل البرق نضوا ويترك في بطن كل من المشركين شلوا، وقتل من المشركين كل جبار عنيد، ذلك بما قدمت أيديهم (وما ربك بظلام للعبيد)
   

وصلت رسالة سيف الدين قطز إلى دمشق في يوم السابع والعشرين أو الثامن والعشرين من شهر رمضان، وبهذه الرسالة علم المسلمون نبأ الانتصار فقاموا بثورة عارمة داخل دمشق، وأمسكوا بجنود التتار وقتلوا عدداً منهم وأسروا عدداً آخر وفر عدد آخر، وكان السبب الرئيسي لما حدث في دمشق هو انهيار معنويات التتار بعد سماعهم خبر هزيمة كتبغا في عين جالوت، وفي يوم الثلاثين من رمضان وصل سيف الدين قطز وجيش المسلمين دمشق بعد خمسة أيام من معركة عين جالوت، ودخل جيش المسلمين دمشق واستتب الأمن.[79][80]

تحرير حمص وحلبعدل

في أول أيام عيد الفطر أرسل سيف الدين قطز قائده ركن الدين بيبرس بمقدمة جيشه لتتبع الفارين من التتار، وتطهير المدن الشامية الأخرى من الحاميات التتارية، فوصل بيبرسلحمص، واقتحم معسكرات الحامية التتارية وقضى عليهم وهرب من هرب منهم، وأُطلق سراح المسلمين الأسرى الذين كانوا في قبضة التتار، ثم انطلقوا خلف الحاميات التتارية الهاربة، فقتلوا أكثرهم وأسروا الباقين ولم يفلت منهم إلا الشريد، ثم اتجه بيبرس بمقدمة جيشه إلى حلب، ففر منها التتار، واستطاع المسلمون تطهير بلاد الشام بأكملها من التتار في بضعة أسابيع.[81]

ما إن حرر قطز مدن الشام حتى خُطِبَ له على المنابر في كل المدن المصرية الشامية والفلسطينية، أعلن سيف الدين قطز توحيد مصر والشام تحت دولة واحدة بزعامته، وكانت هذه الوحدة هي الوحدة الأولى بين الإقليمين منذ عشر سنوات، وذلك منذ وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وبدأ قطز في توزيع الولايات الإسلامية على الأمراء المسلمين، وأرجع بعض الأمراء الأيوبيين إلى مناصبهم، وذلك ليضمن عدم حدوث أي فتنة في بلاد ومدن الشام، فأعطى قطز إمارة حمص للأشرف الأيوبي، وأعطى إمارة حلب لعلاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ، وأعطى إمارة حماة للأمير المنصور، وعين الأمير المملوكي جمال الدين آقوش الشمسي (قاتل القائد المغولي كتبغا) على الساحل الفلسطيني وغزة، أما دمشق فقد عين عليها علم الدين سنجر الحلبي، وفي يوم السادس والعشرين من شهر شوال عام 658 هـ الموافق الرابع من شهر أكتوبر عام 1260م عاد سيف الدين قطز لمصر.[82][83][84]

مقتلهعدل

الأسد شعار الظاهر بيبرس.

كانت نهاية سيف الدين قطز بعد معركة عين جالوت بخمسين يوم فقط،[4] اتفق المؤرخون على أن قطز قتل وهو في طريق عودته من دمشق إلى القاهرة في منطقة تسمى الصالحية بفلسطين. ولكنهم اختلفوا في من قتله،ومنهم من يقول انه كان مقتله على يد القائد المملوكيركن الدين بيبرس،[85][86][87][88][89] واختلف المؤرخون في سبب إقدام بيبرس على قتل السلطان قطز، فابن خلدونفي مقدمته يروي أن المماليك الحربية بقيادة بيبرس كانت تتحين الفرصة لقتل قطز لأخذ الثأر لمقتل أميرهم فارس الدين أقطاي، الذي تولى قطز قتله في عهد السلطان عز الدين أيبك، فلما غادر قطز دمشق وقرب من مصر، ذهب في بعض أيامه يتصيد وسارت الرواحل على الطريق فاتبعوه المماليك وعلاه بيبرس بالسيف فخر صريعاً،[85] في حين يقول جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء أن قطز وعد بيبرس بإعطائه إمارة حلب ثم رجع قطز عن وعده، فتأثر بيبرس بذلك، ولما رجع قطز إلى مصر كان بيبرس قد أضمر الشر وأسر ذلك في نفسه، ثم اتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق،[87] أما المؤرخقاسم عبده قاسم فقال أن بيبرس ظن أنه أحق بالعرش من قطز، لا سيما وأنه صاحب دور كبير في هزيمة الحملة الصليبية السابعة بقيادة الملك لويس التاسع قبل عشر سنوات في المنصورة، كما أنه لعب دوراً كبيراً في هزيمة المغول في عين جالوت، وأنه كان أول من ألحق بهم هزيمة عندما دمر طليعة الجيش المغولي، ثم طارد فلوله المنسحبة حتى أعالي بلاد الشام، وكان بيبرس ابن عصره، وكانت تلك هي الأفكار السياسية السائدة آنذاك، ولم تكن هناك مؤسسات شورية قوية في اختيار الحاكم، وغاب الفقه السياسي في الإسلام المتعلق باختيار السلطان أو الملك أو الحاكم، فأدى ذلك لقتل قطز،[90] يروي ابن خلدون في كتابهتاريخ ابن خلدون قصة مقتل الملك المظفر سيف الدين قطز:[85]

   

سيف الدين قطز

كان البحرية من حين مقتل أميرهم أقطاي الجامدار يتحينون لأخذ ثأره وكان قطز هو الذي تولى قتله، ولما سار إلى التتر ذهل كل منهم عن شأنه، وجاء البحرية من القفر هاربين من المغيث صاحب الكرك فوثقوا لأنفسهم من السلطان قطز أحوج ما كان إلى أمثالهم من المدافعة عن الإسلام وأهله فأمنهم واشتمل عليهم وشهدوا معه واقعة التتر على عين جالوت وأبلغوا فيها والمقدمون فيهم يومئذ بيبرس البندقداري وأنز الأصبهاني وبلبان الرشيدي وبكتون الجوكنداري وبندوغز التركي. فلما انهزم التتر من الشام واستولوا عليه وحسر ذلك المدّ وأفرج عن الخائفين الروع عاد هؤلاء البحرية إلى ديدنهم من الترصد لثأر أقطاي، فلما قفل قطز من دمشق سنة ثمان وخمسين (سنة 658 هـ) أجمعوا أن يبرزوا به في طريقهم، فلما قارب مصر ذهب في بعض أيامه يتصيد وسارت الرواحل على الطريق فاتبعوه وتقدم إليه أنز شفيعاً في بعض أصحابه، فشفعه فأهوى يقبل يده فأمسكها، وعلاه بيبرس بالسيف فخر صريعاً لليدين والفم، ورشقه الآخرون بالسهام فقتلوه وتبادروا إلى المخيم، وقام دون فارس الدين أقطاي على ابن المعزّ أيبك وسأل من تولى قتله منكم فقالوا بيبرس فبايع له واتبعه أهل المعسكر ولقبوه بـالقاهر، وبعثوا بالخبر إلى القلعة بمصر فأخذ له البيعة على من هناك، ووصل القاهر منتصف ذي القعدة من السنة فجلس على كرسيه ولكنه غير لقبه الي الظاهر خوفاً من شؤم لقب القاهر واستخلف الناس على طبقاتهم وكتب إلى الأقطار بذلك. ورتب الوظائف وولى الأمراء.
   

يروي ابن كثير في كتابه البداية والنهاية:[86]

   
ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري وهو الأسد الضاري وذلك أن السلطان الملك المظفر قطز لما عاد قاصدا مصر وصل إلى ما بين الغزالي والصالحية، عدا عليه الأمراء فقتلوه هنالك، وقد كان رجلا صالحا كثير الصلاة في الجماعة ولا يتعاطى المسكر ولا شيئا مما يتعاطاه الملوك، وكانت مدة ملكه من حين عزل ابن استاذه المنصور علي بن المعز التركماني إلى هذه المدة وهي أواخر ذي القعدة نحوا من سنة رحمه الله وجزاه عن الإسلام وأهله خيرا، وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الأمراء على قتله فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه وساق خلف أرنب وساق معه أولئك الأمراء فشفع عنده ركن الدين بيبرس في شئ فشفعه فأخذ يده ليقبلها فأمسكها وحمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف فضربوه بها وألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه.
   

قال جلال الدين السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء:[87]

   
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين والوقت أيضا بلا خليفة وفيها قطع التتار الفرات ووصلوا إلى حلب و بذلوا السيف فيها ثم وصلوا إلى دمشق وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار فأقبل المظفر بالجيوش و شاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت ووقع المصاف وذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان فهزم التتار شر هزيمة وانتصر المسلمون ولله الحمد وقتل من التتار مقتلة عظيمة وولوا الأدبار وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم، وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر فطار الناس فرحا ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدا منصورا وأحبه الخلق غاية المحبة وساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد ووعده السلطان بحلب ثم رجع عن ذلك فتأثر بيبرس من ذلك وكان ذلك مبدأ الوحشة وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه فصرف وجهه عن ذلك ورجع إلى مصر وقد أضمر الشر لبيبرس وأسر ذلك لبعض خواصه فأطلع على ذلك بيبرس فساروا إلى مصر و كل منهما محترس من صاحبه فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذي القعدة
   

قبرهعدل

بعد مقتل قطز بقي ملقًا على الأرض مضرحًا بدمائه دون أن يجرؤ أحد على دفنه، إلى أن دفنه بعض غلمانه، وصار قبره يقصد للزيارة والتبرك والناس يترحمون عليه ويدعون على قاتله، وكثر الترحم عليه والدعاء على من قتله، وكان الملك الظاهر بيبرس قد شارك في قتله فلما بلغه ذلك سيَّر من نبشه ونقله إلى غير ذلك المكان وعفى أثره ولم يعفى خبره، ثم حُمل قطز بعد ذلك إلى القاهرة، ودفن بالقرب من زاوية الشيخ تقي الدين قبل أن تُعمر، ثم نقله الحاج قطز الظاهري إلى القرافة ودفن بالقرب من زاوية ابن عبود.[91][92][93][94]

شخصيتهعدل

وصف المؤرخون شخصية المظفر قطز، فقالوا انه كان شابًا أشقر اللون، كبير اللحية، بطلًا شجاعًا، مقدامًا حازمًا، حسن التدبير، كانت له اليد البيضاء في قتال المغول،[95] قال أبو المحاسن ابن تغري بردي: «كان بطلاً شجاعًا، مِقدامًا حازمًا، حَسَنَ التدبير، يرجِع إلى دينٍ وإسلام وخيرٍ»،[45] وقال الإمام الذهبي «السلطان الشهيد.. كان فارسًا شجاعًا، سائسًا ، دينًا، محببا إلى الرعية، هزم التتار وطهر الشام منهم يوم عين جالوت، ويسلم له إن شاء الله جهاده، وكان شابا أشقر، وافر اللحية، تام الشكل، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض الله شبابه بالجنة ورضي عنه»،[96] وقال ابن كثير«وكان شجاعًا بطلًا، كثير الخير، ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا»،[97] قال ابن العماد الحنبلي «كان بطلًا شجاعًا حازمًا، كسر التتار كسرة جُبر بها الإسلام، واستعاد منهم الشام، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا».[98]

دينار قطزعدل

وُجد دينار من الذهب بكتابة نسخية باسم المظفر قطز، عليه كتابة على كل من الوجه والظهر تحمل اسم السلطان المظفر سيف الدنيا والدين قطز، ضرب هذا الدينار في الإسكندريةالتي كانت مركزًا تجاريًا هامًا في العصر الفاطمي والعصر المملوكي، يوجد الدينار الآن في متحف الفن الإسلامى فيالقاهرة عاصمة مصر، ويحمل الدينار رقم 16412.[99]

قطز في الأدب والسينما والتلفزيونعدل

غلاف رواية وا إسلاماه.

في الأدبعدل

  • رواية وا إسلاماه، هي رواية تاريخية عربية للكاتب علي أحمد باكثير صدرت عام 1945، يسرد فيها الكاتب سيرة حياة السلطان قطز منذ ولادته وحتى مماته وأحوال البلاد التي عاش فيها وملوكها وصراعهم مع التتار والصليبين.[100]
  • رواية قطز، ألفها الروائي السعودية منذر القباني، تعتبر الرواية الجزء الثاني من ثلاثية فرسان وكهنة، تتمثل الرواية بالمزج بين الأدب والتاريخ والدين في شخصية قطز، نشرتها الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2014.[101][102]

في السينما والتلفزيونعدل

المراجععدل

  1. ^ مقتل قطز مفكرة الإسلام
  2. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 56
  3. ^ السلطان سيف الدين قطز ” بطل عين جالوت وقاهر المغولمكتبة نون
  4. ^ أ ب قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني صفحة 366
  5. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 52
  6. ^ رابطة أدباء الشام عوامل النصر في رواية وا إسلاماه
  7. ^ وا إسلاماه، علي أحمد باكثير صفحة 15
  8. ^ أ ب ت ث ج سيف الدين قطزقصة الإسلام
  9. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 73
  10. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 57
  11. ^ اسلام ويب سلسلة التتار قطز وبناء الأمة للشيخ راغب السرجاني
  12. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 58
  13. ^ سيف الدين قطز.. القائد وقت الأزمة جريدة الشعب
  14. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 93
  15. ^ قصة الإسلام معركة المنصورة
  16. ^ مجلة الفاتح معركة المنصورة
  17. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 41
  18. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 43
  19. ^ مفكرة الإسلام مقتل السلطان الأيوبي توران شاه
  20. ^ مفكرة الإسلام مقتل توران شاه.. سقوط الدولة الأيوبية
  21. ^ يابيروت شجرة الدر
  22. ^ قصة الإسلام شجرة الدر.. ملكة مصر
  23. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 66
  24. ^ تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة، محمد سهيل طقوش صفحة 398
  25. ^ نداء الإيمان كتاب: تاريخ ابن خلدون
  26. ^ قصة الإسلام عز الدين أيبك .. الملك المعز
  27. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 74
  28. ^ المسالك مقتل شجر الدر فاروق عسكر، دليل مدينة القاهرة الجزء الثالث صفحة 222،224.
  29. ^ مفكرة الإسلام مقتل شجرة الدر
  30. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 79
  31. ^ أ ب السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 137
  32. ^ نداء الإيمان كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك
  33. ^ أ ب السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 84
  34. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 128-129
  35. ^ المكتبة الشاملة كتاب المغول (التتار) بين الانتشار والانكسار
  36. ^ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كتاب السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت صفحة 82
  37. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 87
  38. ^ ويكي مصدر البداية والنهاية/الجزء الثالث عشر/ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة
  39. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 139
  40. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 86
  41. ^ عودة ودعوة المماليك.. ملوك أعزوا الأمة بالإسلام
  42. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 140-141
  43. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 87
  44. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 94
  45. ^ أ ب سلاطين المماليك البحرية وأهم أعمالهم أيبك – قطزشبكة الألوكة
  46. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 163
  47. ^ سيف الدين قُطُز: قهر المغول، وطعنه الرفاق سراج
  48. ^ عين جالوت 658 هـ إسلام ويب
  49. ^ قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني، صفحة 284
  50. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 113
  51. ^ المغول (التتار) بين الانتشار والانكسار المكتبة الشاملة
  52. ^ سيف الدين قطز قاهر الخوف د.خالد أبو شادي
  53. ^ قرار تاريخي في موقف حاسم اسلام ويب
  54. ^ من للإسلام إن لم نكن نحن؟ عودة ودعوة
  55. ^ قطز.. وقرار الجهاد نداء الإيمان
  56. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 116
  57. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 166
  58. ^ أ ب ت الهدنة بين قطز والصليبيين في عكا قصة الإسلام
  59. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 120
  60. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 114
  61. ^ تأكيد الهدنة بين المسلمين والصليبين في عكا المكتبة الشاملة
  62. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 123
  63. ^ معركة عين جالوت وحوار أيبك وكتبغا قصة الإسلام
  64. ^ قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني، صفحة 318
  65. ^ قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني، صفحة 323
  66. ^ عين جالوت بقيادة الملك المظفر قطز، الدكتور شوقي أبو خليل صفحة 76
  67. ^ كتاب البداية والنهاية نداء الإيمان
  68. ^ الوافي بالوفيات للصفديالموسوعة الشاملة
  69. ^ كيف انتصر المسلمون على التتار وبماذا؟ (تقرير2-2) عودة ودعوة
  70. ^ عين جالوت محمد عبدالغني شبكة الألوكة
  71. ^ قائد المغول في معركة عين جالوت إسلام ويب
  72. ^ عين جالوت صفحة بيضاء في تاريخ الأمة الإسلام اليوم
  73. ^ من التاريخ: درع مصر في عين جالوت د. محمد عبد الستار البدري الشرق الأوسط
  74. ^ عين جالوت أ.د. عبدالعزيز بن إبراهيم العُمري صحيفة المدينة
  75. ^ معركة عين جالوت مفكرة الإسلام
  76. ^ معركة عين جالوت عام 658هـ أمانة مكة
  77. ^ قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني، صفحة 337
  78. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت المكتبة الشاملة
  79. ^ قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني صفحة 339
  80. ^ السلطان سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول، منصور عبد الحكيم صفحة 182
  81. ^ معركة عين جالوت (مرآة الماضي للحاضر)، د. محمد أحمد عبدالهادي رمضان بوابة الشرق
  82. ^ قصة التتار من البداية حتى عين جالوت، راغب السرجاني، صفحة 342
  83. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 126
  84. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 141
  85. ^ أ ب ت كتاب تاريخ ابن خلدون: قصة مقتل الملك المظفر سيف الدين قطز، سراج نت، اطلع عليه في 13 مارس 2015.
  86. ^ أ ب البداية والنهاية، جزء 13، صفحة 222.
  87. ^ أ ب ت تاريخ الخلفاء، الجزء الأول، صفحة 403.
  88. ^ عين جالوت بقيادة الملك المظر قطز، الدكتور شوقي أبو خليل، صفحة 85.
  89. ^ السلطان قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصّلاّبي، مؤسسة إقرأ، صفحة 129.
  90. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت الطريق إلى عرش المماليك المكتبة الشاملة
  91. ^ سيف الدين قطز ناصر بن محمد الأحمد
  92. ^ السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي محمد محمد الصلابي صفحة 134
  93. ^ النجوم الزاهره فى ملوك مصر و القاهره، يوسف بن تغري بردي المجلد السابع صفحة 87
  94. ^ السلوك لمعرفة دول الملوك، تقي الدين المقريزي المجلد الأول صفحة 520
  95. ^ قطز بن عبد الله المعزيالموسوعة الفلسطينية
  96. ^ سير أعلام النبلاء الطبقة الرابعة والثلاثون، المظفر المكتبة الإسلامية
  97. ^ السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل مهركة عين جالوت، قاسم عبده قاسم صفحة 3
  98. ^ شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي المكتبة الشاملة
  99. ^ دينار قطز ذاكرة العالم العربي
  100. ^ وا إسلاماه قود ريدرز
  101. ^ قُـطُز – الجزء الثاني من ثلاثية “فرسان وكهنة” أبجد
  102. ^ قطز (فرسان وكهنة 2)قود ريدرز

مصادر أخرىعدل

  • قطز، منذر القباني، الدار العربية للعلوم ناشرون (2014).
  • الملك المظفر قطز بن عبد الله المعزي، رحاب عكاوي، دار الفكر العربي للطباعة والنشر (2004).
  • القائد المظفر قطز، محمد عمر الحاجي، دار غار حراء (2004).
  • قطز أول من هزم التتار، محمد بيومي، مكتبة جزيرة الورد (2013).
  • قطز قاهر التتار، ساهر رافع، العالمية للكتب والنشر (2013).
  • قطز قاهر التتار، الصاوي محمد الصاوي، مكتبة النافذة (2012).
  • سيف الدين قطز قاهر المغول، نور الدين خليل، مكتبة بستان المعرفة (2010).
  • السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت في عهد المماليك، محمد علي الصَّلابي (2010).
  • سيف الدين قطز قائد عين جالوت وهازم التتار، محمد القاضي، دار التوزيع والنشر الإسلامية (2010).
  • فرسان الإسلام سيف الدين قطز، محمود حامد، منشورات الغالي (1998).
  • سيف الدين قطز، محمد علي قطب، دار الدعوة للطباعة والنشر والتوزيع (1998).
  • المظفر قطز ومعركة عين جالوت، بسام العسلي، دار النفائس (1986).

وصلات خارجيةعدل

نقاشتصنيفات

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

”  ظاهرة الإلحادية الجديدة  ”

🔴😱الملحدون والرد عليهم 😱🔴

التعريف بموضوع الكتاب:
الإلحاد هو ذلِكم المذهب الفَلسفي الذي يقوم على فكرةٍ عدميَّةٍ،

أساسها إنكارُ وجود الله الخالق سبحانه وتعالى،

فيدَّعي الملحِدون بأنَّ الكون وُجِد بلا خالق،

وليس الإلحاد ظاهرةً وليدةَ اللحظة، وليس هو فِكرًا جديدًا انتشَر للتوِّ، بل لقدِ اعتنق هذا الفكرَ – الذي هو إنكار الخالق – بعضُ الأفراد والأُمم الماضية، لكنَّه أخَذ منحنًى أكثرَ خطورةً في الآونة الأخيرةِ، حتى اجتاحات المجتمعاتِ الغربيةَ موجةٌ إلحاديةٌ جديدةٌ اشتهرت في الدوائر الفكريَّة والثقافيَّة والعقديَّة ب ـ

( الإلحاد الجديد، ولكن يُميِّزه عن غيره من أنماط الإلحاد جملةٌ من الخصائص والسِّمات، والرُّموز، والمؤلَّفات.
وكتابُ هذا الأسبوع يتحدَّث عن تلك الظَّاهرة الجديدة من الإلحاد، وأصلُ هذا الكتاب هو موادُّ سمعيَّة ومرئية للباحث.
ويُعدُّ هذا الكتاب مدخلًا موجزًا للتعريف بالظاهرة الإلحاديَّة الجديدة، ويُطلع المتلقِّي على أهمِّ السِّمات والخصائص لها، ولم يَقصد مؤلِّفه – كما بيَّن في مقدَّمته – معالجةَ جوانب هذه الظاهرة الإلحاديَّة كافةً، ولا مناقشة الشُّبهات والإشكالات التي تطرحها؛ فإنَّ الحديث عنها بهذا الشكل بحاجة إلى جهود أكبرَ، وأبحاث كثيرة، من شخصيات متعدِّدة، ومن خلفيَّات علميَّة متنوِّعة، تُوجِد نوعًا من التكامُل المهم في إدارة هذا الموضوع.

في مقدِّمة الكتاب:

ذكَر الباحثُ نقطةً مهمةً توضِّح مدى الحاجة للحديث عن هذه الظاهرة الفكريَّة، هذه النقطة هي ما توصَّل إليه من خلال استقرائه للخطابات الشرعيَّة العقديَّة، التي تناولت الظاهرة الإلحاديَّة مؤخرًا، فقد وجَد قدرًا من الغَيبة عن إدراك كثيرٍ من مستجدَّات هذا الموضوع، بل إنَّ كثيرًا من الشرعيِّين لا يكاد يخرج تصوُّره عن الإلحاد عن أحد تصوُّرين، وكلاهما يحتاجُ إلى تصحيح:
😱  التصوُّر الأول:

أنَّ الإلحاد يُعدُّ استثناءً في المشهد العقدي، وشذوذًا بشريًّا، وأنَّ الملاحدة لا يوجد منهم إلَّا الفردُ بعد الفرد، وأنَّ نِسبتهم إلى المجموع البشري لا يُشكِّل رقمًا ذا بالٍ، وقد بيَّن المؤلِّف أنَّ هذا التصور غير صحيح، ولا يعكس الحقيقةَ على أرض الواقِع في الوقت الحاضر، فللملاحدة وجودُهم الحقيقي في الخارطة العقديَّة البشريَّة، وهم يُمثِّلون رقعةً واسعةً من تلك الخارطة؛ مؤكِّدًا ذلك ببعض الإحصائيات المخيفة والمقلِقة عن نِسبتهم.
😱😱  التصور الثاني:

أنَّ الإلحاد حالةٌ اقترنت في العهد القريب بالشيوعيَّة؛ فمتى تمدَّدت الشيوعيَّة، تمدَّدت ظاهرة الإلحاد، ومتى تقلَّصت تلك، تقلَّصت هذه. مشيرًا إلى أنَّ هذا التصور أيضًا يحتاج إلى تصويب، فحقًّا أن الدول التي تحلحلت عنها قبضةُ الشيوعيَّة تشهد فعلًا ظاهرةَ العودة للتديُّن، أو إعلان التديُّن، لكن في المقابل ثَمَّة موجةٌ إلحاديَّة جديدة تكتسب أنصارًا، وتشهد تمدُّدًا في دول كثيرة؛ فكان تصحيح التصوُّر حيالَ ملفِّ الإلحاد، وبيان واقعِه اليومَ هو الباعثَ الأساسيَّ لكتابةِ هذا البحث.

وجاء الحديث عن ذلك في المحور الأوَّل من الكتاب، وأمَّا المحور الثاني فكان عن مراجعة أداء الخطاب العقدي الإسلامي، ومدى كفاءة الأدوات الحالية للإسلاميِّين لمجابهة إشكالية الإلحاد، وإيجاد الحصانة العقديَّة المطلوبة لأبناء المسلمين اليوم.
ثم تَلَا المقدِّمةَ بعنوان رئيسي أسماه: (الإلحاد الجديد “التطوُّرات والسِّمات والخصائص”) عدَّد فيه السمات التي تميز الإلحاد الجديد عن غيره، وكانت السِّمة الأولى التي ذكرها هي (الحماس والحِرص الشَّديد على الدعوة للإلحاد)، وبيَّن تحت هذه العلامة أهمَّ الأشكال الدعوية التي اتَّخذها الملاحدة في سبيل نشْر أفكارهم، ومن هذه الأشكال:

التأليف والكتابة؛ فقد انهمرتْ مجموعةٌ من التآليف المتعدِّدة، والتي شكَّلت القوة الدافعة للإلحاد الجديد، ونواته الصُّلبة، واستطاعت أن تخترقَ الفضاء العامَّ؛ بسبب جودة الأسلوب، وسِحْر العبارة، ووضوح الأفكار، ومباشرة الطَّرْح. كما عدَّد المؤلِّف أهمَّ تلك الكتب والمؤلَّفات، والتي منها كتاب: “نهاية الإيمان” لسام هارس، وكتاب:

“وهم الإله” للبيلوجي الدارويني الشَّهير رِيتشاد دوكنز، وغيرها. وممَّا أشار إليه الباحثُ أنَّ بعض الكتُب ازدادت سهولةً ويسرًا؛ لتتمكَّن من اختراق فئات مجتمعيَّة أوسع، مختلفة الوعي ومتنوِّعة الثقافة، حتى وصل بِهم الأمرُ إلى تأليف كتُب للأطفال؛ للترويج للفِكر الإلحادي في أوساطهم، ومن ذلك كتاب: “إني أتساءل” لمؤلفته أناكا هارس.
ومن الوسائل التي اتَّخذها الملاحدةُ للدعوة لأفكارهم البرامج الفضائية والإذاعية؛ فقد أنتج الملاحدةُ كثيرًا من البرامج الإعلاميَّة المتنوِّعة، ما بين برامج حواريَّة، وأفلام وثائقيَّة، بل إنَّ عددًا كبيرًا من الأفلام والمسلسلات الترفيهيَّة تُشكِّل فيها الفكرة الإلحادية أحيانًا فكرةَ شديدة المركزيَّة، أو على الأقل تتضمَّن لقطاتٍ ومشاهدَ ذات خلفيَّة إلحاديَّة، وساق المؤلفُ أمثلةً لذلك. ثمَّ ذكر أنَّ عددًا كبيرًا من مشاهير الممثِّلين والممثِّلات ملاحدة، بل إنَّ بعضهم لديهم حماسةٌ حقيقيَّة للتعبير عن هُويتهم الملحِدة، وذكر الباحث أسماء بعضٍ منهم، كما عرَّج على نمطٍ من الأنماط الفنيَّة التي مَرَّرَ من خلالها الملاحدةُ الكثيرَ من رسائلهم الإلحاديَّة،

ألَا وهو الغناء، و(الفيديو كليبات).

ومِن الوسائل الدعويَّة لأفكارهم التي اتَّخذها الملاحِدة

“المؤسَّسات الإلحاديَّة”؛

فالعمل الإلحادي الجديد ليس عملًا عشوائيًّا؛ يعتمد على الجهود الذاتيَّة والفرديَّة، بل هناك مؤسَّسات إلحاديَّة تُعنى بالدَّعوة إلى الإلحاد، ورِعاية الملحِدين. ومن أمثلة تلك المؤسَّسات الإلحاديَّة الشهيرة:

“التحالف الدولي للملاحدة”،

و”رابطة الملاحدة”،

و”مؤسَّسة ريتشارد دوكنز لدعم العقل والعِلم”، وغيرها.
كذلك من وسائلهم لضخِّ خِطابهم وفِكرهم الإلحادي،

“مواقع على شبكة الإنترنت”،

وقد عدَّد الباحث عددًا من تلك المواقع، كما بيَّن أنَّ لهم حضورًا قويًّا من خلال صفحاتهم على

“الفيس بوك”

ومواقِع التواصُل الاجتماعي الأخرى.
هذه أهمُّ الوسائل المتَّخذَة، وهناك أيضًا عدد من الإستراتيجيات والتقنيات التي يستخدمها الملاحدةُ؛ من أجْل نشْر أفكارهم، وقد تطرَّق الباحث إلى أهمها.
السِّمة الثانية لظاهرة الإلحاد الجديدة: (عدائيَّة الخِطاب الإلحادي الجديد)، فمما يُميِّز الملاحدةَ الجدد تلك اللُّغةُ الشديدة العدائية للدِّين ولمبدأ التديُّن، ولقضية الإيمان بالله؛ حتى تم توصيفُ الظاهرة الإلحاديَّة الجديدة في بعض الدوائر الفكريَّة الغربية ب

ـ(مليشيات الإلحاد)؛

وذلك بسبب النَّمط العدائي الشديد الذي يتميَّز به هذا الخطاب الإلحادي، فالملاحِدة الجُدد يَنطلقون في تعامُلهم مع الدِّين من رؤية ترَى فيه منبعًا للشرور والكوارث، والقوارع البشريَّة، وأنَّه من الواجب السعيُ الحثيث وبجديَّة لمحاربته وَفقَ الأدوات المتاحة والممكنة.
🔴😱🔴وأما السِّمة الثالثة :

التي ذكرها الباحث هي

(استعمال أداة الإرهاب في حرب الأديان)،😎

وبيَّن المؤلِّف أنَّ مسألة:

(الشرور التي مُورِست باسم الدِّين)😎

هي أشهر الأدوات المستعملة في خطابهم الإلحادي الجديد التي من خلالها يحاربون الدين بضراوة لا متناهية، بل تشكل هذه المسألة السمة المركزية للكثير من كتابات وأطروحات الخِطاب الإلحادي الجديد.😎
ومن السِّمات البارزة للإلحاد الجديد: (الهجوم اللاذع على دِين الإسلام)،😎

وقد أوضَح المؤلِّف أنَّ ظواهر الإلحاد عند الغرب كان السِّجال فيها إجمالًا، بين الإلحاد من جِهة، وبين النصرانية من جهة أخرى، وذلك أمر طبيعي بحُكم الحاضنة المجتمعيَّة الغربيَّة، لكن بعد حادثة الحادي عشر من سبتمر، وربْط ذلك الحدث بالإرهاب والإرهاب بالإسلام، انتقل الدِّينُ الإسلاميُّ من كونه قضيةً على هامش اهتمام ملاحدة الغرب، إلى أنْ يكون هو من أهمِّ قضاياهم، ولِيَحظى بموقع شديد التقدُّم في حرب الملاحدة الجُدد على الأديان. ثم ساق المؤلِّف عدة نماذج تبين مدى العَداء والحرب الضَّروس التي يشنُّها هؤلاء على الدِّين الإسلاميِّ وتعاليمه.
والسِّمة الخامسة للإلحاد الجديد هي: (الجاذبية) التي يتمتَّع بها أهل هذه الدعوة؛ فقد أضحت هذه الظاهرةُ لها جاذبيةً خاصَّة، وذلك من خلال ما يتحلَّى به رموزه من كاريزما خاصَّة، وأسلوبٍ لافتٍ، وطريقةٍ في الحديث مؤثِّرة، وهذا كله كان له أثرٌ واضح في الأتْباع، وأدَّى إلى تحوُّل الإلحاد من كونه حالة فلسفيَّةً مرتبطة بمشهد أكاديمي مملٍّ؛ إلى أن يكونَ نمطًا له سحره الخاص في دوائر شعبيَّة واسعة. كما بيَّن الباحث كيف أصبح رموز الإلحاد الجُدد شخصياتٍ لامعةً تتمتع بالمعجبين والمعجبات، وأضْحى لهم حضورٌ لافت في الفضاء الإعلامي الغربيِّ، على مستوياته كافَّةً، ووضح أنَّ التعامل معهم لم يعد على أساس أنهم مثقَّفين أو مفكِّرين أو علماء، بل كنجومٍ وأيقوناتٍ إعلاميةٍ تحظى بأعداد غفيرة من المعجبين.
ومن السِّمات التي ميَّزت الظاهرة الإلحادَّيةَ الجديدة: (المغالاة الشَّديدة في العلوم الطبيعية التجريبيَّة، والاتكاء عليها في التنظير للفكرة الإلحاديَّة)، فرؤية الملاحِدة للكون والحياة قائمة على فلسفة ماديَّة مجرَّدة لا تؤمِن إلَّا بها، وينتج عن ذلك أنَّه ليس للإنسان إلَّا أحد خِيارين فقط: إما أن يؤمِن بالعلوم الطبيعيَّة التجريبيَّة، وما تُفضي إليه من حقائق، وإمَّا الوقوع في الخُرافة والجهل.

ووضَّح الباحث من خلال دِراسته لهذه السِّمة أنَّها ليستْ مختصَّة بالظاهرة الإلحاديَّة الجديدة دون ما سبَقَها من ظواهر الإلحاد، ولكن مركزيَّة العلم الطبيعي في تشكيل الرؤية الإلحاديَّة الجديدة باتت أوضحَ، وكذلك المغالاة الشديدة في إمكانيات العلم التجريبي في تحصيل العلم والمعرفة، إضافةً إلى الرُّوح العدائيَّة لكلِّ ما كان خارجًا عن هذه الطبيعة العلميَّة الضيِّقة، كل ذلك جعَل من هذه السِّمةِ علامةً حقيقيةً للإلحاد الجديد.
وبعد أن انتهى الباحثُ من دِراسته للسِّمات التي تميِّز الظاهرة الإلحاديَّة الجديدة عن غيرها عقَد عنوانًا رئيسيًّا أسماه: (الاقتراب بالعدسة محليًّا – “الإلحاد وشبابنا”)، بيَّن فيه أنَّ مَن يتأمل الحالة الدينيَّة والعقديَّة محليًّا، سيَلفِت نظرَه أنَّ ثَمَّةَ حالةً من حالات التمرُّد ضدَّ القِيم والمبادئ الدِّينيَّة في بعض الدوائر والشَّرائح، وأنَّ هذه الحالة آخِذة في التوسُّع، خصوصًا في شريحة الشَّباب – بحسَب رؤية الباحث. وكذلك أوضَح بعضًا من المسببات لتلك الظاهرة، والتي منها الانفتاح المعرفي الهائل، الذي أصبح له دَورٌ تثقيفي حقيقي، فبات الكثيرُ من الشَّباب يتلقَّى معرفةً أفقية سطحيَّة، ويحصُل عن طريق مواقع التواصُل الاجتماعي على جُرعات معلوماتيَّة مُخفَّفة ومبعثرة، تُوجِد مع الوقت حالةً من الانتفاخ المعرفي الخاوي. وبيَّن أنَّ هذه الحالة التي تَحقَّق بسببها قدرٌ من الوعي الثقافي الحقيقي، أو الوهمي لدَى هذه الطَّبقة أوجد شعورًا مع الوقت بأنَّ هامشَ الفرق بينهم وبين طبقة الدُّعاة وطلبة العِلم والمشايخ، والمفكِّرين والمثقَّفين، ما عادتْ كما كانت، ونتَج عن ذلك أنْ أصبح الخطابُ الشرعيُّ المحليُّ لا يُرضي مجموعاتٍ متزايدةً من الشباب محليًّا، وأضحت الصورة النمطيَّة للخِطاب المشيخي في وعي الكثيرين صورةً سلبيَّة قاتمةً أثمرت – للأسف – مع الوقت حالةً من عدم الرِّضا عنه، أو السخط عليه.
كما ساق المؤلِّف أسبابًا أخرى أدَّت إلى نشوء مِثل هذه الحالات، موضِّحًا أنَّه بسبب تعقيدات الحالة المحليَّة، وبسبب تعقيدات الحالة الإلحاديَّة – فإنَّ الوقوف بدِقَّة على حجم هذه الحالة ومدَى انتشارها مجتمعيًّا مسألةٌ في غاية التعقيد، وساق بعد ذلك أربعةَ تنبيهات في غاية الأهميَّة، في سِياق قضية الإلحاد في الحالة المحليَّة، تُعطي القارئَ تصورًا عامًّا، ورؤيةً مجملةً عن هذه الظاهرة في المجتمع المحلي.

ثثم انتقَل الباحث إلى المحور الثاني من الكتاب، وهو (توصيات ومراجعات لتطوير الخِطاب العقدي)، فعدَّدَ – بدايةً – مجموعةً من الأسباب التي تجعل الاهتمامَ بهذا الملف، والإسهام الفاعل فيه واجبًا على الأمَّة الإسلاميَّة في المعركة ضدَّ الإلحاد. وبعدَ ذلك تحدَّث عن واقع المكتبة الإسلاميَّة حِيال قضية الإلحاد، موضِّحًا القصورَ الكبير والملحوظ في التعاطي مع هذا الملف، بالرغم من أهميَّته! كما أشاد بمَن لهم جهود وإسهامات في الوقوف ضدَّ الإلحاد وأفكاره من المؤسَّسات والأفراد، وعدَّدَ بعضًا منها؛ فمِن الشخصيات التي ذكرها: “الشيخ جعفر شيخ إدريس”، و”الشيخ محمد العوضي”، ومن المنتديات على الانترنت التي اهتمَّت بهذا الأمر “منتدى التوحيد”، كما ذكَر أيضًا أنَّ هناك بعض المراكز الناشئة والمختصَّة في هذا المجال كـ (مركز براهين).

ثم انتقل المؤلِّف بعد ذلك إلى ذِكر بعض القضايا المهمَّة المتعلِّقة بتطوير أداء الخِطاب الشرعيِّ في تناوُل هذه الظاهرة، إضافةً إلى تذكيره بشيءٍ من المجالات البحثيَّة التي يجب التنبُّهُ لها، والعناية بها؛ للارتقاء بالخِطاب العَقدي المعاصِر؛ ليكون قادرًا على مجابهة إشكاليَّة الإلحاد، وتحقيق الحصانة لأبناء المسلمين من كثيرٍ من شُبَهه:
فذكر أولًا: “ضرورة تحرِّي الصِّدق والعدل، والدِّقَّة والموضوعيَّة في تناول الظاهرة الإلحاديَّة”، وتنبع أهميَّة الالتزام بهذا الأمر من كونه يُمثِّل قيمةً شرعيَّةً أخلاقيَّةً واجبة في حدِّ ذاتها، كما أنَّ الصدق والعدل في وصْف الظواهر أُولى خُطوات الفَهم السَّليم لها، والأهم من ذلك أنَّ عدم الالتزام بالصدق والعدل في توصيف الظواهر العقديَّة والعلميَّة له آثارُه الخطيرة على المستوى القريب والبعيد؛ إذ يَفتح المجالَ لتسلُّط المخالِف على أهل الحقِّ، واستطالته عليهم، كما أنَّه قد يتسبَّب في رُدود أفعال سلبيَّة عند بعض المتديِّنين عند انكشاف جوانب الخلَل في الرؤية المقدَّمة من قِبَل الخطاب الشرعي.

والقضية الثانية من القضايا المهمَّة في تناول ظواهر الإلحاد عند تناولها، هي: عدَم تسطيحها، فهي ظاهرة معقَّدة مركَّبة، ومن ثَمَّ تَستدعي نظرًا مركَّبًا.
وأيضًا ممَّا ذكره الباحثُ من القضايا المهمَّة المتعلِّقة بتطوير الخِطاب الشرعي في تناوُل ظاهرة الإلحاد “تجديد الخطاب العقدي للاستجابة لمِثل هذه الظاهرة”.
كذلك أكد على أن ممَّا ينبغي الاهتمام به “درء تعارُض العِلم التجريبي والنَّقل”، كما ذكَر الباحث أنَّ من المجالات التي تحتاج إلى قدر من التأصيل العقدي والمنهجي تحريرَ الصِّلة والعلاقة بين المعارف الشرعيَّة والمعارف العلميَّة الطبيعيَّة.
وذكر أيضًا “أنَّ من الضرورة تقديم رُؤًى نقديَّة هجوميَّة للإلحاد وأفكاره، وعدم الاكتفاء بالمدافعة”، وأنَّ ممَّا ينبغي مراعاته في سِجال الإلحاد ألَّا يكون المنتصر للموقف الدِّيني انهزاميًّا، يكتفي بالمدافعة فقط.
كما ذكَر أنَّه لا بدَّ من “تأصيل المنهج الشرعي في التعامُل مع الشُّبهات والإشكالات”؛ إذ إنَّ جزأً لا بأسَ به من الإشكالات المتَّصلة بملف الإلحاد يعود في الحقيقة إلى افتقاد المنهجيَّة الصحيحة في التعاطي مع الشُّبهات والإشكالات.
وأيضًا ممَّا تطرَّق إليه الباحث: أنَّه لا بد من “ترسيخ الحُضور القرآني في قضايانا الفِكريَّة والعقديَّة”.

ثم ختَم المؤلِّفُ بحثَه بثلاثة ملاحق:
الملحق الأول: مقال “عقولنا تحت القصف” للشيخ عائض الدُّوسري.
الملحق الثاني: مقال “المادة النقديَّة للفِكرة الإلحاديَّة” للشيخ سلطان العميري.
الملحق الثالث: عدَّد فيه كتُب ومراجِع أجنبيَّة متعلِّقة بالإلحاد الجديد، وما يتَّصل به.

والكتاب فريد في بابه وننصح كلَّ مشتغلٍ بالخطاب العقدي أن يقرأه.

🔴🔴🔴🔴🔴😱🔴🔴🔴🔴🔴

Sorry: Caution duty:

We do not use the word God .. but say the word Allah for God is one and only ..
the word God as possible collected shall be Gods. We do not use the word mosque, but we use the word because the meaning of the word Masjid Mosque bad and the right to use the word Masjid
🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

🌻 { In the name of Allah } 🌻

the Merciful
Atheism and the existence of Allah

Praise be to Allah , and pray, and gave the envoy mercy to the worlds, our Prophet Muhammad and his family and companions and followers, but after;
Valmtoml in the Qur’an find that talk about the existence of Allah did not work where a lot of space; and that only the human nature that Allah created man, he says:

{Adding to your face upright for religion Aftrt Allah created mankind does not change Allah’s creation is religion, but most people do not know} [Roman: 30].

In Saheeh Muslim Allah Almighty says in the hadith Qudsi:

«I created Ebadi none but all of them, and they are finding the Devils Vajtalthm their religion, and deprived them what Ohllt them, and ordered them to engage the My unless revealed by the authority».

To this instinct find polytheist who worshiped other than Allah, if you care about speeches or distress Weather happened to him what was worshiped without Allah and without resort than others.

Had the children not been exposed to the influence of the demons of mankind and the jinn of grew up on Islam and the unification of Allah, and in that of our Lord the Messenger of Allah, peace be upon him says:

«What live only born on instinct, Ehudanh Furthermore, his Ehudanh or a Christian or Imjdzisanh» did not refer to Islam; because it is common sense that People create them.

The too aware: that atheism is not a phenomenon -as some Alofadil- said, but he wanted his family to be well, it is an anomaly thought is not accepted by the mind nor assigned by science, more offense from Abed idol Valmlhd; because Abed idol headquarters of the existence of Allah, and that the Creator for everything, but it goes much an act of worship, but immortalized in Hell company, it has been worshiped Allah and worshiped with him other {Allah, if we are in manifest error (97) as the Lord of the Worlds Nxueqm} [poets: 97.98]. Where is this who denies the existence of the Lord?

I do not believe those who deny the existence of Allah! I have no doubt that arrogant and a liar {Jehdoa out and Astiguentha themselves unjustly and louder} [ant: 14]. As kilims peace be upon him said to Pharaoh, {I have learned what they revealed only Lord of the heavens and the earth, insights and I think you, O Pharaoh Mthbora} [Al-Isra: 102], did not say: I did not know.

One of the idolaters heard the Prophet, peace be upon him read in the Maghrib: {or created by nothing, or are they the creators (35) or created the heavens and the earth but do not believe} [Tur: 35.36] He said: My heart almost to fly. Then he became Muslim, a bin Jubair restaurant may Allah be pleased with him.

This Quranic argument roasted all of the people of arrogant atheism; either this atheist, who denies that Allah Khalgah- creation without the Creator! And it found without sire, or create it himself! LACK was found to exist the same !! This talk is not accepted never mind!
Vtaan say that his creator, and have only Allah ?!

What wiser that Bedouin who asked: Bam knew Lord? He said: “the impact indicating a march, and Bar indicates the camel’s back, Vsme with towers, and the land of Glens, do you not show gentle expert”?

The smartest our imam Abu Hanifa Allah’s mercy! I have said to a group of atheists: I think they make their ship in the sea billows nor her commander, and Efrat on the beach emptied the load without being on the back of one! They denied this, and accused him in his mind, then they knew that the first libel him what he said to them:

deny that the ship going without commander and abide KUNA without Lord and Creator !?

What in the universe of verses cosmic spokesman for the existence of Allah, and what was called the world’s scientists, but because it is sign of our Lord Almighty, Valsmawat, land, mountains, seas, rivers, trees, valleys and rain pouring on the bottoms do not take action which becomes after the green green bay, all of these verses witness B:

No God but Allah.
No God but Allah.
No God but Allah.

And I go away ?! {In yourselves do you not see?} [Almariaat: 21]?

Can you tell us who deny the existence of Allah and the mystery of the inability of a group of atheists scientists wanted to make a cell? Why they have declared their inability to find this finite object at a young age? A cell is the basic building block in the human body.

O atheists:
Told us the following:
6,500 liters of blood pumped from the heart to the body a day ..
In the case of pregnancy heart pumps daily 15 thousand liters of blood ..
In human blood per 25 million human erythrocytes and consumes 2 million in the second erythrocytes.
Heart rate to two thousand million accuracy in life without interruption and without that the heart gets some rest
400 billion cells in the liver and is more than 50 jobs ..
Body consumption of 7500 million cells per minute
There are 35 million stomach gland to secrete what digest our food
750 million in the lung and pulmonary vesicle human breathes in a day at a rate of 23 thousand times up over a lifetime about 2040 million times.
In the human body of 3-4 million units make him feel the pain.
In every second are 660 million signal from the sensory organs grasped the nervous system.
{This created What Allah who create without him, but the wrong-doers in manifest error} [Luqman: 11].
Eat this was a coincidence? !!

Atheists are accused of the Prophet, peace be upon him of lying, we are unanimous in what we believe in it: he is a man my mother, but say it: my mother is lying! Allah to be a prophet as well! We ask them:

If it is not sending it to him where this superstition that told us by and watch people with their own eyes?

The Scientific Miracles evidence in the Sunnah of our Prophet, peace be upon him speaking his sincerity, Allah sent him a witness.

Our Prophet, peace be upon him if the devil we know or forget reap came to us and said:

of Allah’s creation? To finish and kick the thinking in this. This medical miracles in the Sunnah, many waswasah not treat her with psychiatrists but to cut off thinking about it and you’re all going too far and getting carried away with it. We make the same question to you: you say:

😷 Nature has created, it is created?

Many atheists if he wants to evaluate the evidence on the health of his doctrine to deliberately myths do not believe in the divine religions distorted and concluded then that the religions superstitions,
not from Allah! We may agree with them in that some of what is attributed to the Bible, the Torah is not from Allah, these books undergone distortion, and the Koran instill this belief in our hearts:

🌻{Ovttmon to believe you have a team of them hear the word of Allah and then Ihrvouna of Akloh after what they know} [Al-Baqarah: 75]
{Of who are Jews distort words from their Moadah} [women: 46]
{Although a team of them to twist their tongues to count him the book of the book and what is from the book, they say, is from Allah and what is from Allah and say a lie against Allah and they know} [Al-Imran: 78].

It underestimated the minds of people that comes Atheist FALSITY in the Torah or the Bible to demonstrate his lie on the Quran! And the Koran in which the headquarters of the existence of misrepresentation, the denier of the people did so from the two religions.

O atheists:
Tell us about a man who darkened the world in front of him, he lifted up his hands to pray, then still his main concern, and the clouds lifted his chagrin. Who invited him and answered his complaint heard?

بسم الله الرحمن الرحيم
الإلحاد ووجود الله

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد؛
فالمتأمِّل في القرآن الكريم يجد أنَّ الحديث عن وجود الله لم يشغل فيه حيزا كبيرا؛ وما ذاك إلا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

وفي صحيح مسلم يقول ربنا سبحانه في الحديث القدسي: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا».

ولهذه الفطرة تجد المشرك الذي يعبد غير الله إذا نابه خطب أو حل به كرب يذر ما كان يعبد من دون الله ويلجأ إليه دون من سواه.

ولو أن طفلا لم يتعرض لتأثير شياطين الإنس والجن لنشأ على الإسلام وتوحيد الله، وفي ذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» ولم يشر إلى الإسلام؛ لأنه الفطرة التي خلق الناس عليها.

إن مما ينبغي إدراكه: أن الإلحاد ليس ظاهرةً –كما قال بعضُ الأفاضل-، وإنما أراد له أهله أن يكون كذلك، فهو فكر شاذ لا يقبله عقل ولا يسنده علم، فالملحد أشد جرما من عابد الصنم؛ لأن عابد الصنم مقر بوجود الله، وبأنه خالق لكل شيء، بل يتوجه إليه بكثير من العبادات، وإنما خلّده في نار جهنم شركُه، فقد كان يعبد الله ويعبد معه غيره {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98]. فأين هذا ممن يجحد وجود ربه؟

ولستُ أصدق من ينكر وجود الله! ولست أشك في أنه مكابر كاذب {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل: 14]. ولما قال الكليم عليه السلام لفرعون {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102]، لم يقل: لم أعلم.

أحد المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] فقَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. فأسلم بعدها، وهو جبير بن مطعم رضي الله عنه.

فهذه حجة قرآنية تفحم كل مكابر من أهل الإلحاد؛ فإما أن هذا الملحد -الذي ينكر أن الله خلقه- خُلق بدون خالق! ووُجد بدون موجِد، أو أنه خلق نفسه! كان عدما فوُجد ليُوجد نفسه!! وهذا كلام لا يقبله عقل أبدا!
فتعين القول بأنَّ له خالقا، ومن يكون سوى الله؟!

ما أعقل ذاك الأعرابي الذي سئل: بم عرفت ربك؟ فقال: “الأثر يدل على المسير، والبعر يدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير”؟

وما أذكى إمامَنا أبا حنيفة رحمه الله! فلقد قال لجماعةٍ من الملاحدة: أفكِّر في سفينة كانت تشق عُباب البحر ولا قائد لها، وأرفأت على شاطئ فأفرغت فيه حمولتها بدون أن يكون على ظهرها من أحد! فأنكروا هذا، واتهموه في عقله، فعلموا أنهم أولى بالذم منه لما قال لهم: تنكرون أن سفينة تسير بلا قائد وتثبتون كونا بلا رب ولا خالق!؟

إن ما في الكون من الآيات الكونية ناطق بوجود الله، وما سُمِّي العالم عالماً إلا لأنه علامة دالة على ربنا سبحانه، فالسماوات والأرض والجبال والبحار والأنهار والأشجار والوديان والمطر الذي ينهمر على أرض قيعان لا نبت فيها فتصبح بعده خضراء ناضرة، كل هذه آيات شاهدة بـ : لا إله إلا الله.

وما لي أذهب بعيدًا؟! {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]؟

هلا أخبرنا من ينكر وجود الله عن سر عجز جماعة من علماء الملاحدة أرادوا صنع خلية؟ لماذا أعلنوا عجزهم عن إيجاد هذا الكائن المتناهي في الصغر؟ والخلية هي اللبنة الأساسية في جسم الإنسان.

يا معشر الملاحدة:
حدثونا عما يلي:
6500 لتر من الدم يضخها القلب إلى الجسم يوميا..
في حالة الحمل يضخ القلب يومياً 15 ألف لتر من الدم..
في دم الإنسان الواحد 25 مليون كرية حمراء ويستهلك الإنسان في الثانية 2 مليون كرية حمراء.
دقات القلب إلى ألفي مليون دقة في متوسط العمر دون توقف ودون أن يحصل القلب على قسط من الراحة
400 مليار خلية في الكبد وتقوم بأكثر من 50 وظيفة..
استهلاك الجسم 7500 مليون خلية في الدقيقة
يوجد بالمعدة 35 مليون غدة لإفراز ما يهضم لنا الطعام
في الرئة 750 مليون حويصلة رئوية و يتنفس الإنسان في اليوم الواحد 23 ألف مرة بمعدل يصل علي مدي العمر قرابة 2040 مليون مرة.
في جسم الإنسان من 3-4 مليون جهاز يشعره بالألم.
وفي كل ثانية تتم 660 مليون إشارة من الأعضاء الحسية يتلقفها الجهاز العصبي.
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11].
أكل هذا جاء صدفة؟!!

الملحدون متهمون لنبينا صلى الله عليه وسلم بالكذب، مجمعون على ما نعتقده فيه: أنه رجل أمي، ولكنهم يقولون عنه: أميٌّ يكذب! تعالى الله أن يكون نبيه كذلك! ونحن نسألهم: إذا لم يكن مرسلا فمن أين له بهذه الغيبيات التي أخبرنا بها وشاهدها الناس بأعينهم؟

إن أدلة الإعجاز العلمي في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ناطقة بصدقه، شاهدة بإرسال الله له.

نبينا صلى الله عليه وسلم علَّمنا إذا جاءنا شيطانٌ إنسي أو جني فقال: من خلق الله؟ أن ننتهي ونقلع عن التفكير في هذا. وهذا إعجاز طبي في السنة النبوية، فكثير من الوسوسة لا علاج لها لدى أطباء النفس إلا بقطع التفكير فيها والانتهاء عن التمادي والاسترسال معها. ونحن نوجه إليكم السؤال نفسه: تقولون: الطبيعة خَلقت، فمن خلقها؟

كثير من الملاحدة إذا أراد أن يقيم دليلا على صحة مذهبه عمد إلى خرافات لا نؤمن بها في الأديان السماوية المحرفة وخلص إلى القول بعدها بأن الأديان خرافات وليست من عند الله! ونحن قد نتفق معهم في أن بعض ما ينسب إلى الإنجيل والتوراة ليس من عند الله، فهذه الكتب طرأ عليها التحريف، والقرآن الكريم غرس هذه العقيدة في قلوبنا:
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]
{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].

فمن الاستخفاف بعقول الناس أن يأتي الملحد بكذب في التوراة أو الإنجيل ليدلل به على كذب القرآن! والقرآن مقر بوجود التحريف فيهما، منكر على من قام بذلك من أهل الديانتين.

يا معشر الملاحدة:
أخبرونا عن رجل أظلمت الدنيا أمام ناظريه، فرفع بالدعاء يديه، ثم زال همه، وانقشعت سحائب غمه. من الذي أجاب دعاه وسمع شكواه؟

🔴🔴😱😱😱😎😎😎🔴🔴

🔴🔴  الإلحاد ووجود الله  🔴🔴

🌻🌻بسم الله الرحمن الرحيم🌻🌻

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد؛
فالمتأمِّل في القرآن الكريم يجد أنَّ الحديث عن وجود الله لم يشغل فيه حيزا كبيرا؛ وما ذاك إلا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

وفي صحيح مسلم يقول ربنا سبحانه في الحديث القدسي:
«إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا».

ولهذه الفطرة تجد المشرك الذي يعبد غير الله إذا نابه خطب أو حل به كرب يذر ما كان يعبد من دون الله ويلجأ إليه دون من سواه.

ولو أن طفلا لم يتعرض لتأثير شياطين الإنس والجن لنشأ على الإسلام وتوحيد الله، وفي ذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» ولم يشر إلى الإسلام؛ لأنه الفطرة التي خلق الناس عليها.

إن مما ينبغي إدراكه:
أن الإلحاد ليس ظاهرةً –كما قال بعضُ الأفاضل-، وإنما أراد له أهله أن يكون كذلك، فهو فكر شاذ لا يقبله عقل ولا يسنده علم، فالملحد أشد جرما من عابد الصنم؛ لأن عابد الصنم مقر بوجود الله، وبأنه خالق لكل شيء، بل يتوجه إليه بكثير من العبادات، وإنما خلّده في نار جهنم شركُه، فقد كان يعبد الله ويعبد معه غيره
{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98]. فأين هذا ممن يجحد وجود ربه؟

ولستُ أصدق من ينكر وجود الله! ولست أشك في أنه مكابر كاذب

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل: 14]. ولما قال الكليم عليه السلام لفرعون {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102]، لم يقل: لم أعلم.

أحد المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] فقَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. فأسلم بعدها، وهو جبير بن مطعم رضي الله عنه.

فهذه حجة قرآنية تفحم كل مكابر من أهل الإلحاد؛ فإما أن هذا الملحد -الذي ينكر أن الله خلقه- خُلق بدون خالق! ووُجد بدون موجِد، أو أنه خلق نفسه! كان عدما فوُجد ليُوجد نفسه!! وهذا كلام لا يقبله عقل أبدا!
فتعين القول بأنَّ له خالقا، ومن يكون سوى الله؟!

ما أعقل ذاك الأعرابي الذي سئل:
بم عرفت ربك؟ فقال: “الأثر يدل على المسير، والبعر يدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير”؟

وما أذكى إمامَنا أبا حنيفة رحمه الله! فلقد قال لجماعةٍ من الملاحدة: أفكِّر في سفينة كانت تشق عُباب البحر ولا قائد لها، وأرفأت على شاطئ فأفرغت فيه حمولتها بدون أن يكون على ظهرها من أحد! فأنكروا هذا، واتهموه في عقله، فعلموا أنهم أولى بالذم منه لما قال لهم: تنكرون أن سفينة تسير بلا قائد وتثبتون كونا بلا رب ولا خالق!؟

إن ما في الكون من الآيات الكونية ناطق بوجود الله، وما سُمِّي العالم عالماً إلا لأنه علامة دالة على ربنا سبحانه، فالسماوات والأرض والجبال والبحار والأنهار والأشجار والوديان والمطر الذي ينهمر على أرض قيعان لا نبت فيها فتصبح بعده خضراء ناضرة، كل هذه آيات شاهدة بـ : لا إله إلا الله.

وما لي أذهب بعيدًا؟!
{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]؟

هلا أخبرنا من ينكر وجود الله عن سر عجز جماعة من علماء الملاحدة أرادوا صنع خلية؟ لماذا أعلنوا عجزهم عن إيجاد هذا الكائن المتناهي في الصغر؟ والخلية هي اللبنة الأساسية في جسم الإنسان.

يا معشر الملاحدة:
**************
حدثونا عما يلي:
6500 لتر من الدم يضخها القلب إلى الجسم يوميا..
في حالة الحمل يضخ القلب يومياً 15 ألف لتر من الدم..
في دم الإنسان الواحد 25 مليون كرية حمراء ويستهلك الإنسان في الثانية 2 مليون كرية حمراء.
دقات القلب إلى ألفي مليون دقة في متوسط العمر دون توقف ودون أن يحصل القلب على قسط من الراحة
400 مليار خلية في الكبد وتقوم بأكثر من 50 وظيفة..
استهلاك الجسم 7500 مليون خلية في الدقيقة
يوجد بالمعدة 35 مليون غدة لإفراز ما يهضم لنا الطعام
في الرئة 750 مليون حويصلة رئوية و يتنفس الإنسان في اليوم الواحد 23 ألف مرة بمعدل يصل علي مدي العمر قرابة 2040 مليون مرة.
في جسم الإنسان من 3-4 مليون جهاز يشعره بالألم.
وفي كل ثانية تتم 660 مليون إشارة من الأعضاء الحسية يتلقفها الجهاز العصبي.

{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11].

أكل هذا جاء صدفة؟!!

الملحدون متهمون لنبينا صلى الله عليه وسلم بالكذب، مجمعون على ما نعتقده فيه:
أنه رجل أمي، ولكنهم يقولون عنه:
أميٌّ يكذب! تعالى الله أن يكون نبيه كذلك! ونحن نسألهم:
إذا لم يكن مرسلا فمن أين له بهذه الغيبيات التي أخبرنا بها وشاهدها الناس بأعينهم؟

إن أدلة الإعجاز العلمي في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ناطقة بصدقه، شاهدة بإرسال الله له.

نبينا صلى الله عليه وسلم علَّمنا إذا جاءنا شيطانٌ إنسي أو جني فقال:
من خلق الله؟ أن ننتهي ونقلع عن التفكير في هذا. وهذا إعجاز طبي في السنة النبوية، فكثير من الوسوسة لا علاج لها لدى أطباء النفس إلا بقطع التفكير فيها والانتهاء عن التمادي والاسترسال معها. ونحن نوجه إليكم السؤال نفسه: تقولون: الطبيعة خَلقت، فمن خلقها؟

كثير من الملاحدة إذا أراد أن يقيم دليلا على صحة مذهبه عمد إلى خرافات لا نؤمن بها في الأديان السماوية المحرفة وخلص إلى القول بعدها بأن الأديان خرافات وليست من عند الله! ونحن قد نتفق معهم في أن بعض ما ينسب إلى الإنجيل والتوراة ليس من عند الله، فهذه الكتب طرأ عليها التحريف، والقرآن الكريم غرس هذه العقيدة في قلوبنا:

{ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]
{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].

فمن الاستخفاف بعقول الناس أن يأتي الملحد بكذب في التوراة أو الإنجيل ليدلل به على كذب القرآن! والقرآن مقر بوجود التحريف فيهما، منكر على من قام بذلك من أهل الديانتين.

يا معشر الملاحدة:
**************
أخبرونا عن رجل أظلمت الدنيا أمام ناظريه، فرفع بالدعاء يديه، ثم زال همه، وانقشعت سحائب غمه. من الذي أجاب دعاه وسمع شكواه؟

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

🌻لا اله الا الله وحده لا شريك له 🌻
هذة الاية تبين قدرة الله عز وجل على عذاب الامم السابقة الكافره
اولا: العذاب من فوق
ثانيا:العذاب من تحت
ثالثا: يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
رابعا: وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ
تفسير آيه 65من سورة الانعام
بسم الله الرحمن الرحيم
🌻{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ }🌻
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) من السماء كالحجارة والصيحة (أو من تحت أرجلكم) كالخسف (أو يلبسكم) يخلطكم (شيعا) فرقا مختلفة الأهواء (ويذيق بعضكم بأس بعض) بالقتال قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت :

“هذا أهون وأيسر” ولما نزل ما قبله : “أعوذ بوجهك” رواه البخاري وروى مسلم حديث

“سألت ربي ألا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها”

وفي حديث

“لما نزلت قال أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد”

(انظر كيف نصرف) نبين لهم (الآيات) الدالات على قدرتنا (لعلهم يفقهون) يعلمون أن ما هم عليه باطل

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

🌻
👇👇👇
قال تعالى :
🌻 { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } 🌻

9) سورة التوبة – مدنية (آياتها 129)
صفحة رقم192
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 32 )
يريد الكفار بتكذيبهم أن يبطلوا دين الإسلام, ويبطلوا حجج الله وبراهينه على توحيده الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, ويأبى الله إلا أن يتم دينه ويظهره, ويعلي كلمته, ولو كره ذلك الجاحدون.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 )
هو الذي أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن ودين الإسلام; ليعليه على الأديان كلها, ولو كره المشركون دين الحق – الإسلام- وظهوره على الأديان.
🌻{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }🌻

( 34 )
يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, إن كثيرًا من علماء أهل الكتاب وعُبَّادهم ليأخذون أموال الناس بغير حق كالرشوة وغيرها, ويمنعون الناس من الدخول في الإسلام, ويصدون عن سبيل الله. والذين يمسكون الأموال, ولا يؤدون زكاتها, ولا يُخْرجون منها الحقوق الواجبة, فبشِّرهم بعذاب موجع.
🌻{ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } 🌻( 35 )
يوم القيامة توضع قطع الذهب والفضة في النار, فإذا اشتدت حرارتها أُحرقت بها جباه أصحابها وجنوبهم وظهورهم. وقيل لهم توبيخًا: هذا مالكم الذي أمسكتموه ومنعتم منه حقوق الله, فذوقوا العذاب الموجع; بسبب كنزكم وإمساككم.
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 36 )
إنّ عدة الشهور في حكم الله وفيما كُتب في اللوح المحفوظ اثنا عشر شهرًا, يوم خلق السموات والأرض, منها أربعة حُرُم; حرَّم الله فيهنَّ القتال ( هي:

ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ) ذلك هو الدين المستقيم, فلا تظلموا فيهن أنفسكم; لزيادة تحريمها, وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها, لا أنَّ الظلم في غيرها جائز. وقاتلوا المشركين جميعًا كما يقاتلونكم جميعًا, واعلموا أن الله مع أهل التقوى بتأييده ونصره.

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

فائدة
قال الشيخ أحمد النجمي حول تحقيق العبودية لله عزوجل:
🍃من أدى هذا الحق لله جل وعلا فقد وعده الله أن يدخله الجنة على ما كان من العمل،،
♦ففي الصحيح أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمارٍ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟؟}
قال:
الله ورسوله أعلم،،
قال:
{حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً}
ثم قال:
{أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟}
فقلت:
الله ورسوله أعلم،،
قال:
{حقهم عليه ألا يعذبهم إذا هم فعلوا ذلك}
♦وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
{من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل}
أخرجاه في الصحيحين،،
🔷فالعبادة هي سبب النجاة،،
🔺والحق المذكور في الحديث أوجبه الله على نفسه لعباده ولم يوجبه أحدٌ من خلقه،،
✅من كتاب: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا من ص26 إلى 27،،

🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻🌻

😱😱  ظاهرة الإلحـــاد :  😱😱

تتعرض مجتمعات المسلمين اليوم لحملات متتابعة للطعن في ثوابتها ومحاولة شغلها عن بناء مستقبلها وإغراقها في مشاكل الهوية والفكر والصدامات الفلسفية استمرارا لنظرية هدم الإسلام من الداخل بأيدي أبناءه.
وما ينتشر اليوم من نشر للشبهات الفكرية والشهوات البوهيمية بين شباب المسلمين ليس جديدا ولا مستغرباً من أعداء الإسلام فتلك سنة من السنن الإلهية في الصراع بين الحق والباطل؛ لكن الجديد هو ما أُلبسته تلك الحملة الإلحادية من لبوس العصرية والاستفادة من التقنية والمال ووسائل الإعلام.
وقد تصدى لتلك الحملات الشرسة المتتابعة من أبناء المسلمين على مرّ التاريخ رجال كثر وعلماء صدق بذلوا حياتهم لنصرة الإسلام ونذروا أوقاتهم لكشف تلك الغمة الإلحادية عن أبناء المسلمين من خلال الدعوة والحوار والنقد وكشف شبهات الملاحدة.

ومن أبرز أولئك الإمام محمد الخضر حسين – شيخ الأزهر الذي استقال من مشيخة الأزهر دفاعاً عن الإسلام – في كتابه المسمى الإلحاد ، تقديم وتعليق محمد إبراهيم الشيباني الذي قامت بنشره مكتبة ابن تيمية بالكويت 1406هـ.وهو رسالة صغيرة الحجم كبيرة الفائدة جمعت أصولا مهمة في بيان أسباب الإلحاد ووصفات الملاحدة وطرق التعامل معهم وقد قمت باختصار هذه الرسالة لتقريبها للقراء ولفت الانتباه لها وزدت عليها إضافات قليلة جعلتها بين قوسين وبخط بارز.

قال الشيخ محمد خضر حسين رحمه الله:
في تعريف الإلحاد هو:العادل الجائر عن القصد ومنه قول الله تعالى:( إن الذين يلحدون في آياتنا) قال الحسن يجورون ويعدلون ومنه سمي القبر باللحد لأنه في ناحية.

أسباب الإلحاد:
1- النشأة في بيت لا يعرف آداب الإسلام ولا يهتدي بهداه، لا يسمع فيه الناشئ ما يدله على دينه.ولا يتعلم حب دينه.
2- أن يتصل الفتى بملحد أقوى منه نفساً وألحن حجة وأبرع لساناً يأخذه ببراعته إلى الإلحاد.
3- أن يقرأ كتبا في الإلحاد دُس فيها السم بألفاظ منمقة فتأخذ الألفاظ المنمقة بمجامعه عن معانيها المنحرفة.
4- أن تغلب الشهوات على قلب المرء فتريه المصلحة في إباحتها وأن تحريم الشرع لها خال عن الحكمة.فيؤدي به ذلك إلى إباحية وجحود.
5- (ومما استجد في هذا العصر انفتاح العالم الفضائي بشقيه- القنوات والانترنت- وما يُبث فيهما من شهوات وشبهات تأخذ كل واحدة منهما بنصيبها من شبابنا مع عدم وجود حملة تحصين مضادة لأثارها.
6- أنظمة الحكم وما سببته للناس من فتن في دينهم فبعضها يروج الإلحاد ويقيم المؤسسات التعليمية والأنشطة التي تبثه بين الناشئة، وأخرى تدعي أنها تعتني بالدين ؛ ومؤسساتها –عن غير قصد- ممثل سيء للدين مما يتسبب في ردة فعل عكسية من الدين والمتدينين ولسان حال هؤلاء الشباب يقول:إذا كان هذا حال حملة الدين من الظلم والانكباب على الدنيا فكوننا بلا دين أفضل!.
7- يتبع ما سبق عدم عناية الإعلام ووسائله الرسمية بإبراز القدوات الصالحة التي تتسم بالعلم والعمل وحينما يخبو أثر هؤلاء فقل ما شئت عن بروز أدعياء العلم والتقوى الذين تحتفل بهم وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية.
8- عدم قيام مؤسسات التربية من تعليم ومعاهد وجامعات بأنشطة تذكر للوقوف في وجه موجة الإلحاد الجديدة ؛ وبطء استجابتها للمستجدات العالمية والحراك الاجتماعي بشكل مؤسسي ؛ وغياب كثير من أساتذة الجامعات والمربين عن المشهد الثقافي وعدم تمكينهم من المشاركة الاجتماعية له أثره.
9- دور النشر وما تبثه من روايات إلحادية وتجارب منحرفة وكتب فكرية وفلسفية تصادم ثوابت الإسلام تسببت في نشر غثاء الإلحاد وشكوكهم وأثرها واضح على الجيل المعاصر؛ وإني لأعجب من جلد التجار والناشرين الملحدين ودأبهم في نشر غثائهم وكسل التجار الصالحين وطلبة العلم عن نشر الكتب والروايات التي لا تناقض الدين ؛ ومن حاول نشر كتاب من كتابنا غير المشهورين مهما كانت قيمة موضوع بحثه عرف المعاناة التي يعانيها المؤلف في بلادنا.
10- المقاهي الثقافية التي تروج للثقافة الإلحادية وعدم وجود منافس لها ؛ وسنرجع مرة أخرى للوم تجارنا الصالحين الغافلين ونسألهم إلى متى؟.
11- المواقع المشبوهة التي يدعمها كبار الملاحدة على الشبكة العنكبوتية والتي تدعي نصرة المظلومين وتبث ضمن ذلك ما شاءت من أفكار إلحادية
12- وجود فئات من المجتمع التي خلطت بين الدين والعادات وأساءت للدين من خلال حماسها غير المنضبط وجهلها العريض ليتحول الدين عندها إلى مظاهر لا يصاحبها في كثير من الأحيان جواهر نقية .
13- إشكاليات الحضارة وأزمة الهوية السائدة بين الشباب مع عدم وجود المحاضن التربوية المقنعة التي تحوي الفكر والإيمان إضافة إلى السلوك).

صفات الملاحدة (طبائع الإلحاد):
1- فرحتهم بوصف عالم كبير بالإلحاد لأن ذلك يدعم موقفهم.
2- استهزاؤهم بالدين في مجالسهم ما لم يخافوا من وجود رقيب عليهم.
3- انهماكهم في الفسوق والإغراق في الشهوات ولا يتورعون عن شيء.
4- تناقض أقوالهم.
5- إنكارهم المعجزات الكونية.
6- دسهم في الشريعة ما ينافي حكمتها مثل ترويج الأحاديث الموضوعة.
7- إنكارهم العمل بالحديث وزعمهم الاكتفاء بالقرآن وحده.
8- تأويلهم للقرآن على حسب أهوائهم.
9- صداقتهم للمجاهرين بالجحود.
10- إلحاحهم في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين.
11- بسط ألسنتهم في أهل الدين من العلماء والدعاة.
12- دعوتهم إلى الإلحاد بشتى الوسائل الممكنة ونشر الشبه والشكوك.

مفاسد الإلحاد الاجتماعية:
تخيل مجتمعاً من الملاحدة لا يحل حلالا ولا يحرم حراما لترى ما شئت من الموبقات التي لا يجتنبها الملحد ما لم يخف من عقوبة توقع به.

😱😱أسباب ظهور الإلحاد:😱😱
1- أن بعض الحكومات صارت تضع قوانينها في عبارات لا يرى فيها الملحد قيدا يكفه عن إعلان إلحاده أو الدعوة إليه.
2- أن كثيرا من المنتمين إلى الشريعة فرطوا في واجب الغيرة على الحق فتراهم يوادّون من يصفهم الناس بالإلحاد ويتملقونهم بالإطراء ويشهدون لهم بالإخلاص في الدين يفعلون هذا رجاء متاع في الحياة الدنيا.
3- أن بعض الحكومات ترفع إلى مناصبها العالية بعض الملحدين مما يجعل لهم حظوة فيتمكن من مناصب ينفث من خلالها سمومه.
4- أن بعض الملاحدة دخلوا في الحركات الوطنية فأطلق عليهم المنخدعون بهم لقب الزعامة فأخذوا يروجون الإلحاد بين من يتصل بهم من الشباب .
5- (قلت :وغفلة التجار المسلمين عن دورهم المنتظر منهم في حماية المجتمع مع جلد التجار الفجار في دعم إلحادهم؛ حيث يروج التجار المنحرفون ما يتسبب في انحراف المجتمع ).

🌻🌻كيف يعالج الإلحاد؟ :🌻🌻
متى قيض الله للحكومات الإسلامية رجالا يقدرون فضل الدين في إصلاح حال الأفراد والجماعات ، وفضله في إخراج رجال يطمحون إلى العزة ، ويقتحمون كل ما يعترضهم في سبيلها من عقبات ، وفضله في بسط الأمن في البلاد ، متى قد أولوا الأمر فضل الدين ، ومتى تضافر علماء الشريعة على الدعوة إلى الحق بحكمة ، وعلى مكافحة الزائفين بالحجة ، طهرت الأمة من خبث الإلحاد وبلغت أقصى غايات المجد والفلاح.
(قلت: كان ذلك لما كانت الدولة ومؤسساتها هي المسئولة عن كل شيء أما وقد دخل في المسئولية شراكات اجتماعية و مؤسسات أهلية وأفراد من الملاحدة وجب أن يزاحمهم أهل الخير كل فيما يخصه فالتاجر والعالم والمعلم والمربي والإعلامي ومؤسسات المجتمع المدني كلها مسئولة عن ردّ الموجة الإلحادية المعاصرة.
كما يجب أن نحرص على وجود جمعيات تطوعية تقدم طرقاً تناسب العصر لتتقبل الشباب وتساعدهم على تجاوز أزمات الهوية التي يعانونها.
وقد غدا الفكر الإلحادي ظاهرة عامة يمكن لكل متابع أن يلحظ آثارها في وسائل الإعلام والكتب المنشورة والروايات المنحلة والموضات الهابطة وشيوع الدعوة إلى كل سلوك مصادم للشريعة والتراث والأعراف .
وجزء كبير من المشكلة يجب أن نرجع فيه لتصحيح كثير من السلوكيات التي تسببت في هذا مثل الظلم الاجتماعي والمظهريات الجوفاء في السلوك المتدين على المستوى الفردي والأسري وعلى مستوى المؤسسات الحكومية).
أرجو أن أكون قد وفقت في تقريب كتاب الشيخ محمد الخضر حسين أو لفت النظر لمن يبحث هذا الموضوع بشكل موسع وبالله التوفيق.

↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔

{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن
ْ
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ

إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا

أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا }
[سورة الكهف 29]

↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔

قال الله تعالى:
🌻 { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } 🌻 {الزمر22}.
Is he whose breast Allah has opened to Islam, so that he is in light from His Lord (as he who is non-Muslim)? So, woe to those whose hearts are hardened against remembrance of Allah! They are in plain error!
Surah Az-Zumar (The Groups) 22
أفمن وسَّع الله صدره, فسعد بقبول الإسلام والانقياد له والإيمان به, فهو على بصيرة من أمره وهدى من ربه, كمن ليس كذلك؟ لا يستوون.
فويل وهلاك للذين قَسَتْ قلوبهم, وأعرضت عن ذكر الله,

أولئك في ضلال بيِّن عن الحق.

↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔

Surat Al-Baqarah 6
( 6 )🌻{  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }🌻
Indeed, those who disbelieve – it is all the same for them whether you warn them or do not warn them – they will not believe.

التفسير الميسر :
******
6 ) إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع منهم الإيمان، سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم.      #سُوۡرَةُ_البَقَرَة

↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔

♡ المسيحى من آب وام مسيحيين … لا فضل له
♡ المسلم من ابوين مسلمين ……. ﻻ فضل له
♧ الملحد فكر و ظهر له أن الكون كونه الطبيعة
فهو يعتقد أنه ………. لا إله …………………
ونحن نقول للملحد graduation نهنئه أنه فكر
هو اﻵن نصف مسلم !!!
كيف هذا !!! إنه يقول …. لا إله …………
و المسلم يقول ……….. لا إله …. إلا الله
أنظر انه نصف مسلم .. اهتدى إلى نصف الشهادة
بقى علينا :
أن نساعده ليهتدى للنصف اﻵخر من الشهادة

وهو ………………. إلا الله ………………

أرأيتم كيف بسطت اﻷمر … اﻵن من عنده امكانية
هداية ملحد :
…………………… أن الله …………………..

…. هو اﻹله الواحد الحق المستحق بالعبادة …..

و يجب أن تأخذ فى بالك وانت تهديه انه لا يعترف باليهودية ولا المسيحية ولا اﻹسلام .. ولا الكتب السماوية كلها … ﻹنه لا يعترف بوجود الله فطبيعى انه لا يعترف لا برسل ولا بأنبياء ولا كتب سماوية !!!!!!!!!
……. فمن لديه الوسائل ليثبت للملحدين أنه يوجد إله

من لديه هذه القدرة فنحن نرحب ونحن فى انتظار مقالته حتى نعرضها بصفحتنا

♡♡♡♡♡ الملحدين والرد عليهم ♡♡♡♡♡

ونتقدم بالشكر لكل من سيجتهد ويمدنا بأفكار مقنعة
مقنعة ليكمل الملحد الشهادة .. حيث هو توصل إلا
………………….. لا إله ………………………
……ونحن نرغب فى مساعدته ليهتدى إلى …….
…………………… إلا الله ……………………

{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
[سورة آل عمران 85]

{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ

يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ }
[سورة اﻷنعام 125]

{ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ

لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ *

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ

يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا

لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ }
[سورة اﻷنعام 157 – 158]

↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔↔

 

By Hussein Metwalley #جامع_العلوم_والحكم_لإبن_رجب_الحنبلى

By Hussein Metwalley

#جامع_العلوم_والحكم_لإبن_رجب_الحنبلى

شرح الأحاديث من الحادى والثلاثون حتى الخمسون 31 حتى 50

[ص: 174 ] الحديث الحادي والثلاثون :.

عن سهل بن سعد الساعدي قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله ، وأحبني الناس ، فقال : ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس . حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي ، عن سفيان الثوري ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن إسناده حسن ، وفي ذلك نظر ، فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمام أحمد : منكر الحديث ، وقال مرة : ليس بثقة ، يروي أحاديث بواطيل ، وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال مرة : كان كذابا يكذب ، حدث عن شعبة [ ص: 175 ] أحاديث موضوعة ، وقال البخاري وأبو زرعة : منكر الحديث ، وقال أبو حاتم : متروك الحديث ضعيف ، ونسبه صالح بن محمد ، وابن عدي إلى وضع الحديث ، وتناقض ابن حبان في أمره ، فذكره في كتاب ” الثقات ” وذكره في كتاب ” الضعفاء ” وقال : كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات ، لا يحل الاحتجاج بخبره ، وخرج العقيلي حديثه هذا وقال : ليس له أصل من حديث سفيان الثوري ، قال : وقد تابع خالدا عليه محمد بن كثير الصنعاني ، ولعله أخذه عنه ودلسه ، لأن المشهور به خالد هذا .

قال أبو بكر الخطيب : وتابعه أيضا أبو قتادة الحراني ومهران بن أبي عمر الرازي ، فرووه عن الثوري قال : وأشهرها حديث ابن كثير . كذا قال ، وهذا يخالف قول العقيلي : إن أشهرها حديث خالد بن عمرو ، وهذا أصح ، ومحمد بن كثير الصنعاني هو المصيصي ، ضعفه أحمد . وأبو قتادة ومهران تكلم فيهما أيضا ، لكن محمد بن كثير خير منهما ، فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ .

وقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا ، وقال ما أدري ما أقول فيه .

وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير عن سفيان الثوري ، فذكر هذا الحديث ، فقال : هذا حديث باطل ، يعني بهذا الإسناد ، يشير إلى أنه لا أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان .

وقال ابن مشيش : سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد ، فذكر هذا الحديث ، فقال أحمد : لا إله إلا الله – تعجبا منه – من يروي هذا ؟ قلت : [ ص: 176 ] خالد بن عمرو ، فقال : وقعنا في خالد بن عمرو ، ثم سكت ، ومراده الإنكار على من ذكر له شيئا من حديث خالد هذا ، فإنه لا يشتغل به .

وخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ” المواعظ ” له عن خالد بن عمرو ، ثم قال : كنت منكرا لهذا الحديث ، فحدثني هذا الشيخ يعني عن وكيع : أنه سأله عنه ، ولولا مقالته هذه لتركته . وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن عمرو ، وذكر رواية محمد بن كثير له أيضا ، وقال : هذا الحديث عن الثوري منكر ، وقال : ورواه زافر – يعني ابن سلمان – عن محمد بن عيينة أخي سفيان ، عن أبي حازم ، عن ابن عمر . انتهى ، وزافر ومحمد بن عيينة ، كلاهما ضعيف .

وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسل : أخرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في ” مسند ” إبراهيم بن أدهم من جمعه من رواية معاوية بن حفص ، عن إبراهيم بن أدهم ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل يحبني الله عليه ، ويحبني الناس عليه ، فقال : أما العمل الذي يحبك الله عليه ، فازهد في الدنيا ، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه ، فانظر هذا الحطام ، فانبذه إليهم .

[ ص: 177 ] وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ” ذم الدنيا ” من رواية علي بن بكار عن إبراهيم بن أدهم ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره ، ولم يذكر في إسناده منصورا ولا ربعيا ، وقال في حديثه : فانبذ إليهم ما في يديك من الحطام .

وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين : إحداهما : الزهد في الدنيا ، وأنه مقتض لمحبة الله عز وجل لعبده . والثانية : الزهد فيما في أيدي الناس ، فإنه مقتض لمحبة الناس .

فأما الزهد في الدنيا ، فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه ، وإلى ذم الرغبة في الدنيا ، قال تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى [ الأعلى : 17 ] ، وقال تعالى : تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة [ الأنفال : 67 ] وقال تعالى في قصة قارون : فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون إلى قوله : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [ القصص : 79 – 83 ] ، وقال تعالى : وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع [ الرعد : 26 ] وقال قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [ النساء : 77 ] .

وقال حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه : [ ص: 178 ] ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار [ غافر : 38 – 39 ] .

وقد ذم الله من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته ، وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث ” الأعمال بالنيات ” .

والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدا ، ففي ” صحيح مسلم ” عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفيه ، فمر بجدي أسك ميت ، فتناوله ، فأخذ بأذنه ، فقال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : أتحبون أنه لكم ؟ قالوا : والله لو كان حيا كان عيبا فيه ، لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ فقال : والله ، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم .

وفيه أيضا عن المستورد الفهري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بماذا ترجع .

وخرج الترمذي من حديث سهل بن سعد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ما سقى كافرا منها شربة ماء صححه .

[ ص: 179 ] ومعنى الزهد في الشيء : الإعراض عنه لاستقلاله ، واحتقاره ، وارتفاع الهمة عنه ، يقال : شيء زهيد ، أي : قليل حقير .

وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا ، وتنوعت عباراتهم عنه ، وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن واقد ، عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك . وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وعمرو بن واقد منكر الحديث .

قلت : الصحيح وقفه ، كما رواه الإمام أحمد في كتاب ” الزهد ” ، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي ، حدثنا خالد بن صبيح ، حدثنا يونس بن حلبس قال : قال أبو مسلم الخولاني : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك ، وإذا أصبت بمصيبة ، كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك .

وخرجه ابن أبي الدنيا من راوية محمد بن مهاجر ، عن يونس بن ميسرة ، قال : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون حالك في [ ص: 180 ] المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء ، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء .

ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب ، لا من أعمال الجوارح ، ولهذا كان أبو سليمان يقول : لا تشهد لأحد بالزهد ، فإن الزهد في القلب .

أحدها : أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه ، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته ، فإن الله ضمن أرزاق عباده ، وتكفل بها ، كما قال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [ هود : 6 ] ، وقال : وفي السماء رزقكم وما توعدون [ الذاريات : 22 ] ، وقال : فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه [ العنكبوت : 17 ] .

وقال الحسن : إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل .

وروي عن ابن مسعود قال : إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا ليس في البيت دقيق . وقال مسروق : إن أحسن ما أكون ظنا حين يقول الخادم : ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم . وقال الإمام أحمد : أسر أيامي إلي يوم أصبح وليس عندي شيء .

وقيل لأبي حازم الزاهد : ما مالك ؟ قال : لي مالان لا أخشى معهما الفقر : الثقة بالله ، واليأس مما في أيدي الناس .

وقيل له : أما تخاف الفقر ؟ فقال : أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ؟ !

[ ص: 181 ] ودفع إلى علي بن الموفق ورقة ، فقرأها فإذا فيها : يا علي بن الموفق أتخاف الفقر وأنا ربك ؟ .

وقال الفضيل بن عياض : أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل . وقال : القنوع هو الزاهد وهو الغني .

فمن حقق اليقين ، وثق بالله في أموره كلها ، ورضي بتدبيره له ، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا ، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ، ومن كان كذلك كان زاهدا في الدنيا حقيقة ، وكان من أغنى الناس ، وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال عمار : كفى بالموت واعظا ، وكفى باليقين غنى ، وكفى بالعبادة شغلا .

وقال ابن مسعود : اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ، ولا تحمد أحدا على رزق الله ، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله ، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ، ولا يرده كراهة كاره ، فإن الله تبارك وتعالى – بقسطه وعلمه وحكمه – جعل الروح والفرح في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط .

وفي حديث مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا [ صادقا ] حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا قسمته لي ، ورضني من المعيشة بما قسمت لي .

وكان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول : اللهم هب لنا يقينا منك حتى تهون علينا مصائب الدنيا ، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت [ ص: 182 ] علينا ، ولا يصيبنا من الرزق إلا ما قسمت لنا .

روينا من حديث ابن عباس مرفوعا ، قال : من سره أن يكون أغنى الناس ، فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده .

والثاني : أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال ، أو ولد أو غير ذلك – أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له ، وهذا أيضا ينشأ من كمال اليقين .

وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا وهو من علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها ، كما قال علي رضي الله عنه : من زهد الدنيا ، هانت عليه المصيبات .

والثالث : أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق ، وهذا من علامات الزهد في الدنيا ، واحتقارها ، وقلة الرغبة فيها ، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب [ ص: 183 ] المدح وكره الذم ، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم ، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح ، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق ، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه ، وامتلائه من محبة الحق ، وما فيه رضا مولاه ، كما قال ابن مسعود : اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله . وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم .

وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا ، وكلها ترجع إلى ما تقدم ، كقول الحسن : الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال : هو أفضل مني ، وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها ، ولهذا يقال : الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة ، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على الناس ، فهو الزاهد حقا ، وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق ، وكقول وهيب بن الورد : الزهد في الدنيا أن لا تأسى على ما فات منها ، ولا تفرح بما آتاك منها ، قال ابن السماك : هذا هو الزاهد المبرز في زهده .

وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها ، وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق .

وسئل بعضهم – أظنه الإمام أحمد – عمن معه مال ، هل يكون زاهدا ؟ قال : إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه ، أو كما قال .

وسئل الزهري عن الزاهد فقال : من لم يغلب الحرام صبره ، ولم يشغل الحلال شكره ، وهذا قريب مما قبله ، فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر [ ص: 184 ] منها على حرام ، صبر عنه ، فلم يأخذه ، وإذا حصل له منها حلال ، لم يشغله عن الشكر ، بل قام بشكر الله عليه .

وقال أحمد بن أبي الحوارى : قلت لسفيان بن عيينة : من الزاهد في الدنيا ؟ قال : من إذا أنعم عليه شكر ، وإذا ابتلي صبر ، فقلت : يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر ، وإذا ابتلي فصبر ، وحبس النعمة ، كيف يكون زاهدا ؟ فقال : اسكت ، من لم تمنعه النعماء من الشكر ، ولا البلوى من الصبر ، فذلك الزاهد .

وقال ربيعة : رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ، ووضعها في حقها .

وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباء . وقال : كان من دعائهم : اللهم زهدنا في الدنيا ، ووسع علينا منها ، ولا تزوها عنا ، فترغبنا فيها . وكذا قال الإمام أحمد : الزهد في الدنيا : قصر الأمل ، وقال مرة : قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس .

ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله ، بالخروج من الدنيا ، وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها ، فمن قصر أمله ، فقد كره البقاء في الدنيا ، وهذا نهاية الزهد فيها ، والإعراض عنها ، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين إلى قوله : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة [ البقرة : 94 – 96 ] الآية .

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل ، فقال : يا رسول الله ، من أزهد الناس ؟ فقال : من لم ينس القبر والبلى ، وترك زينة الدنيا ، وآثر ما يبقى على ما يفنى ، ولم يعد غدا من أيامه وعد [ ص: 185 ] نفسه من الموتى وهذا مرسل .

وقد قسم كثير من السلف الزهد أقساما : فمنهم من قال : أفضل الزهد الزهد في الشرك ، وفي عبادة ما عبد من دون الله ، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي ، ثم الزهد في الحلال ، وهو أقل أقسام الزهد ، فالقسمان الأولان من هذا الزهد ، كلاهما واجب ، والثالث : ليس بواجب ، فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك ، ثم في المعاصي كلها . وكان بكر المزني يدعو لإخوانه : زهدنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات ، فعلم أن الله يراه فتركه .

وقال ابن المبارك : قال سلام بن أبي مطيع : الزهد على ثلاثة وجوه : واحد أن يخلص العمل لله عز وجل والقول ، ولا يراد بشيء منه الدنيا ، والثاني : ترك ما لا يصلح ، والعمل بما يصلح ، والثالث : الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع ، وهو أدناها .

وهذا قريب مما قبله ، إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل ، وهو الشرك الأصغر ، والحامل عليه محبة المدح في الدنيا ، والتقدم عند أهلها ، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة .

وقال إبراهيم بن أدهم : الزهد ثلاثة أصناف : فزهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فالزهد الفرض : الزهد في الحرام ، والزهد الفضل : الزهد في الحلال ، والزهد السلامة : الزهد في الشبهات .

[ص: 207 ] الحديث الثاني والثلاثون . :

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ضرر ولا ضرار حديث حسن ، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا ، ورواه مالك في ” الموطإ ” عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، فأسقط أبا سعيد ، وله طرق يقوى بعضها ببعض .

الحاشية رقم: 1
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه ، وإنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ، حدثنا الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضره الله ، ومن شاق شق الله عليه وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ، وقال البيهقي : تفرد به عثمان عن [ ص: 208 ] الدراوردي ، وخرجه مالك في ” الموطإ ” عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا .

قال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، قال : ولا يسند من وجه صحيح ، ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي ، عن الدراوردي موصولا ، والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ، ولا يعبأ به ، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله . وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ : لم يصح حديث : لا ضرر ولا ضرار مسندا .

وأما ابن ماجه ، فخرجه من رواية فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد ، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار ، وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا الإسناد ، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب ، قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما ، وإسحاق بن يحيى قيل : هو ابن طلحة ، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة ، قاله أبو زرعة وابن أبي حاتم والدارقطني في موضع ، وقيل : إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة ، ولم يسمع أيضا من عبادة ، قاله الدارقطني أيضا . [ ص: 209 ] وذكره ابن عدي في كتابه ” الضعفاء ” ، وقال : عامة أحاديثه غير محفوظة ، وقيل : إن موسى بن عقبة لم يسمع منه ، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه ، وأبو عياش لا يعرف .

وخرجه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون ، وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة وإبراهيم ضعفه جماعة ، وروايات داود عن عكرمة مناكير .

وخرج الدارقطني من حديث الواقدي ، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، عن أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ، ولا ضرار والواقدي متروك ، وشيخه مختلف في تضعيفه . وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم عن عائشة .

وخرج الطبراني أيضا من رواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وهذا إسناد مقارب وهو غريب ، لكن خرجه أبو داود في ” المراسيل ” من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع مرسلا ، وهذا أصح .

وخرج الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش ، قال : أراه عن ابن عطاء ، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا ضرورة ، ولا يمنعن [ ص: 210 ] أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه ، وهذا الإسناد فيه شك ، وابن عطاء : هو يعقوب ، وهو ضعيف .

وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا إضرار قال ابن عبد البر : إسناده غير صحيح .

قلت : كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه : هو أصح حديث في الباب ، وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وقال : هو خير من مراسيل ابن المسيب ، وكذلك حسنه ابن أبي عاصم ، وترك حديثه آخرون ، منهم الإمام أحمد وغيره ، فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب .

وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن بعض طرقه تقوى ببعض ، وهو كما قال ، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني : إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قويت .

وقال الشافعي في المرسل : إنه إذا أسند من وجه آخر ، أو أرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه يقبل .

وقال الجوزجاني : إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع – يعني : لا يقنع برواياته – وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار ، استعمل واكتفي به ، وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه .

وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث ، وقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار . [ ص: 211 ] وقال أبو عمرو بن الصلاح : هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه ، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه ، وقد تقبله جماهير أهل العلم ، واحتجوا به ، وقول أبي داود : إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف والله أعلم .

وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ضار ضار الله به ، ومن شاق شاق الله عليه خرجه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن غريب .

وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به .

وقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار . هذه الرواية الصحيحة ، ضرار بغير همزة ، وروي ” إضرار ” بالهمزة ، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدارقطني ، بل وفي بعض نسخ الموطإ ، وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال : ضر وأضر بمعنى واحد ، وأنكرها آخرون ، وقالوا : لا صحة لها .

[ ص: 212 ] واختلفوا : هل بين اللفظين – أعني الضر والضرار – فرق أم لا ؟ فمنهم من قال : هما بمعنى واحد على وجه التأكيد ، والمشهور أن بينهما فرقا ، ثم قيل : إن الضرر هو الاسم ، والضرار الفعل ، فالمعنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع ، وإدخال الضرر بغير حق كذلك .

وقيل : الضرر : أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به ، والضرار : أن يدخل على غيره ضررا بلا منفعة له به ، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ، ورجح هذا القول طائفة ، منهم ابن عبد البر ، وابن الصلاح .

وقيل : الضرر : أن يضر بمن لا يضره ، والضرار : أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز .

وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر والضرار بغير حق .

فأما إدخال الضرر على أحد بحق ، إما لكونه تعدى حدود الله ، فيعاقب بقدر جريمته ، أو كونه ظلم غيره ، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل ، فهذا غير مراد قطعا ، وإنما المراد : إلحاق الضرر بغير حق ، وهذا على نوعين : أحدهما : أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير ، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه ، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع : منها في الوصية ، قال الله تعالى : من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [ النساء : 12 ] ، وفي حديث أبي هريرة المرفوع : إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضره الموت ، فيضار في الوصية ، فيدخل النار ، ثم تلا : تلك حدود الله إلى قوله : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها [ النساء : 13 – 14 ] ، وقد خرجه الترمذي وغيره بمعناه .

[ ص: 213 ] وقال ابن عباس : الإضرار : في الوصية من الكبائر ، ثم تلا هذه الآية .

والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له ، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث .

وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث ، فتنقص حقوق الورثة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : الثلث والثلث كثير .

ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث ، لم ينفذ ما وصى به إلا بإجازة الورثة ، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد ، وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث ، فإنه يأثم بقصده المضارة ، وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا ؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد ، وقيل : إنه قياس مذهب أحمد .

[ص: 226 ] الحديث الثالث والثلاثون :

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر . حديث حسن ، رواه البيهقي وغيره هكذا ، وبعضه في ” الصحيحين ” .

الحاشية رقم: 1
أصل هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه .

وخرجاه أيضا من رواية نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه .

واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابن الصلاح قبله في الأحاديث الكليات ، وقال : رواه البيهقي بإسناد حسن .

[ ص: 227 ] وخرجه الإسماعيلي في ” صحيحه ” من رواية الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ، ولكن البينة على الطالب ، واليمين على المطلوب .

وروى الشافعي : أنبأ مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : البينة على المدعي قال الشافعي : وأحسبه – ولا أثبته – أنه قال : واليمين على المدعى عليه .

وروى محمد بن عمر بن لبابة الفقيه الأندلسي عن عثمان بن أيوب الأندلسي – ووصفه بالفضل – عن غازي بن قيس ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث ، قال : لكن البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر وغازي بن قيس الأندلسي كبير صالح ، سمع من مالك وابن جريج وطبقتهما ، وسقط من هذا الإسناد ابن جريج والله أعلم .

وقد استدل الإمام أحمد وأبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، وهذا يدل على أن هذا اللفظ عندهما صحيح محتج به ، وفي المعنى أحاديث كثيرة ، ففي ” الصحيحين ” عن الأشعث بن قيس ، قال : كان بيني وبين رجل خصومة في بئر ، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه ، قلت : إذا يحلف ولا يبالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك ، ثم اقترأ هذه الآية : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية [ آل عمران : 77 ] . وفي رواية لمسلم بعد قوله : ” إذا يحلف ” ، قال : ليس لك إلا ذلك . وخرجه أيضا مسلم بمعناه من حديث وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وخرج الترمذي من حديث العرزمي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه ، وقال : في إسناده مقال ، والعرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه . وخرجه الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي – وفيه ضعف عن [ ص: 229 ] ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة . ورواه الحافظ عن ابن جرير ، عن عمرو مرسلا .

وخرجه أيضا من رواية مجاهد عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم الفتح : المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة ، وخرجه الطبراني ، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وفي إسناده كلام . وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة .

وروى حجاج الصواف ، عن حميد بن هلال ، عن زيد بن ثابت ، قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل طلب عند رجل طلبة ، فإن المطلوب هو أولى باليمين .

وخرجه أبو عبيد والبيهقي ، وإسناده ثقات ، إلا أن حميد بن هلال ما أظنه لقي زيد بن ثابت ، وخرجه الدارقطني ، وزاد فيه ” بغير شهداء ” .

وخرج النسائي من حديث ابن عباس ، قال : جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فادعى أحدهما على الآخر حقا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي : أقم بينتك فقال : يا رسول الله ، ما لي بينة ، فقال للآخر : احلف بالله الذي لا إله إلا هو : ما له عليك أو عندك شيء .

وقد روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى : أن البينة على المدعي ، [ ص: 230 ] واليمين على من أنكر . وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبي بن كعب ولم ينكراه .

وقال قتادة : فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام : هو أن البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر .

قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه ، قال : ومعنى قوله : البينة على المدعي يعني : يستحق بها ما ادعى ، لأنها واجبة يؤخذ بها ، ومعنى قوله : اليمين على المدعى عليه أي : يبرأ بها ، لأنها واجبة عليه ، يؤخذ بها على كل حال . انتهى .

[ص: 243 ] الحديث الرابع والثلاثون :

عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . رواه مسلم .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي سعيد ومن رواية إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، عن أبي سعيد وعنده في حديث طارق قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان ، فقام إليه رجل ، فقال : الصلاة قبل الخطبة ، فقال : قد ترك ما هنالك ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ثم روى هذا الحديث .

وقد روى معناه من وجه آخر ، فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي ، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده ، فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه ، فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه ، فهو مؤمن ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل . [ ص: 244 ] وروى سالم المرادي عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم ، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله بلسانه ويده وقلبه ، فذلك الذي سبقت له السوابق ، ورجل عرف دين الله فصدق به ، وللأول عليه سابقة ، ورجل عرف دين الله ، فسكت ، فإن رأى من يعمل بخير أحبه عليه ، وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه ، فذلك الذي ينجو على إبطائه وهذا غريب ، وإسناده منقطع .

وخرج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي – وهو ضعيف جدا – عن مولى لعمر ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : توشك هذه الأمة أن تهلك إلا ثلاثة نفر : رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه ، فإن جبن بيده ، فبلسانه وقلبه ، فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه .

وخرج أيضا من رواية الأوزاعي عن عمير بن هانئ ، عن علي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : سيكون بعدي فتن لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيد ولا بلسان ، قلت : يا رسول الله ، وكيف ذاك ؟ قال : ينكرونه بقلوبهم ، قلت : يا رسول الله ، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئا ؟ قال : لا ، إلا كما ينقص القطر من الصفا ، وهذا الإسناد منقطع . وخرج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف .

[ ص: 245 ] فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه ، وأما إنكاره بالقلب لا بد منه ، فمن لم ينكر قلبه المنكر ، دل على ذهاب الإيمان من قلبه .

وقد روى عن أبي جحيفة ، قال : قال علي : إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ، ثم الجهاد بألسنتكم ، ثم الجهاد بقلوبكم ، فمن لم يعرف قلبه المعروف ، وينكر قلبه المنكر ، نكس فجعل أعلاه أسفله .

وسمع ابن مسعود رجلا يقول : هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ، فقال ابن مسعود هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر ، يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك .

[ص: 257 ] الحديث الخامس والثلاثون :

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه رواه مسلم .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة ، وأبو سعيد هذا لا يعرف اسمه ، وقد روى عنه غير واحد ، وذكره ابن حبان في ” ثقاته ” وقال ابن المديني : هو مجهول .

وروى هذا الحديث سفيان الثوري ، فقال فيه : سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ووهم في قوله : ” سعيد بن يسار ” إنما هو : أبو سعيد مولى ابن كريز ، قاله أحمد ويحيى والدارقطني ، وقد روي بعضه من وجه آخر . وخرجه الترمذي من رواية أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله ، كل المسلم على [ ص: 258 ] المسلم حرام : عرضه وماله ودمه ، التقوى هاهنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم .

وخرج أبو داود من قوله : كل المسلم إلى آخره .

وخرجاه في ” الصحيحين ” من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تحاسدوا ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا .

وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة .

وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وعرضه ، وماله ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ، والتقوى هاهنا – وأومأ بيده إلى القلب – وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . [ ص: 259 ] وخرج أبو داود آخره فقط .

وفي ” الصحيحين ” من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ” . وخرجه الإمام أحمد ولفظه ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، وبحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم .

وفي ” الصحيحين ” عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا .

ويروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا وموقوفا .

[ ص: 260 ] فقوله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا يعني : لا يحسد بعضكم بعضا ، والحسد مركوز في طباع البشر ، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل .

ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام ، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل ، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه ، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه ، وهو شرهما وأخبثهما ، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه ، وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه السلام لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأسكنه في جواره ، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها ، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح : اثنتان بهما أهلك بني آدم : الحسد ، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما ، والحرص [ وبالحرص ] أبيح آدم الجنة كلها ، فأصبت حاجتي منه بالحرص . خرجه ابن أبي الدنيا .

وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن ، كقوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق [ البقرة : 109 ] ، وقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [ النساء : 54 ] .

وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الزبير بن العوام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، حالقة الدين لا حالقة الشعر ، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم .

[ ص: 261 ] وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، أو قال : العشب .

وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سيصيب أمتي داء الأمم ، قالوا : يا نبي الله ، وما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر ، والتكاثر والتنافس في الدنيا ، والتباغض ، والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج .

[ ص: 262 ] وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره ، لم يعمل بمقتضى حسده ، ولم يبغ على المحسود بقول ولا بفعل . وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك ، وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة ، وهذا على نوعين : أحدهما : أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد من نفسه ، فيكون مغلوبا على ذلك ، فلا يأثم به .

والثاني : من يحدث نفسه بذلك اختيارا ، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحا إلى تمني زوال نعمة أخيه ، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية ، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء ، وربما يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى ، لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود ، ولو بالقول ، فيأثم بذلك .

وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود ، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله ، ويتمنى أن يكون مثله ، فإن كانت الفضائل دنيوية ، فلا خير في ذلك ، كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا : ياليت لنا مثل ما أوتي قارون [ القصص : 79 ] ، وإن كانت فضائل دينية ، فهو حسن ، وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله عز وجل . وفي ” الصحيحين ” عنه صلى الله عليه وسلم ، قال : لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا ، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله القرآن ، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، وهذا هو الغبطة ، وسماه حسدا من باب الاستعارة .

[ ص: 263 ] وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد ، سعى في إزالته ، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه ، والدعاء له ، ونشر فضائله ، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل ، وهذا من أعلى درجات الإيمان ، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه

[ص: 284 ] الحديث السادس والثلاثون :

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ، ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما ، سهل الله له به طريقا إلى الجنة ، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطأ به عمله ، لم يسرع به نسبه رواه مسلم .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في تخريجه ، منهم الفضل الهروي والدارقطني ، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش ؛ قال : حدثت عن أبي صالح ، فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه به عنه ، ورجح الترمذي وغيره هذه الرواية ، وزاد بعض أصحاب الأعمش في [ ص: 285 ] متن الحديث : ومن أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة .

وخرجا في ” الصحيحين ” من حديث ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه ، كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم ، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة .

وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من نفس عن مؤمن كربة من كربه ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر على مؤمن عورته ، ستر الله عورته ، ومن فرج عن مؤمن كربة ، فرج الله عنه كربته .

وخرج الإمام أحمد من حديث مسلمة بن مخلد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من ستر مسلما في الدنيا ، ستره الله في الدنيا والآخرة ، ومن نجى مكروبا ، فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن كان في حاجة أخيه ، كان الله في حاجته .

فقوله صلى الله عليه وسلم : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل ، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى ، كقوله صلى الله عليه وسلم : إنما يرحم الله من عباده الرحماء ، [ ص: 286 ] وقوله : إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا .

والكربة : هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب ، وتنفيسها أن يخفف عنه منها ، مأخوذ من تنفيس الخناق ، كأنه يرخى له الخناق حتى يأخذ نفسا ، والتفريج أعظم من ذلك ، وهو أن يزيل عنه الكربة ، فتفرج عنه كربته ، ويزول همه وغمه ، فجزاء التنفيس التنفيس ، وجزاء التفريج التفريج ، كما في حديث ابن عمر ، وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة .

وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا : أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع ، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة ، وأيما مؤمن سقى مؤمنا على ظمإ ، سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم ، وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عري ، كساه الله من خضر الجنة . وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه ، وقيل : إن الصحيح وقفه .

[ ص: 287 ] وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال : يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط ، وأجوع ما كانوا قط ، وأظمأ ما كانوا قط ، وأنصب ما كانوا قط ، فمن كسا لله عز وجل كساه الله ، ومن أطعم لله عز وجل أطعمه الله ، ومن سقى لله عز وجل سقاه الله ، ومن عفا لله عز وجل أعفاه الله .

وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعا : أن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار ، فيناديه رجل من أهل النار : يا فلان ، هل تعرفني ؟ فيقول : لا والله ما أعرفك ، من أنت ؟ فيقول : أنا الذي مررت بي في دار الدنيا ، فاستسقيتني شربة من ماء ، فسقيتك ، قال : قد عرفت ، قال : فاشفع لي بها عند ربك ، قال : فيسأل الله عز وجل ، ويقول : شفعني فيه ، فيأمر به ، فيخرجه من النار .

وقوله : كربة من كرب يوم القيامة ، ولم يقل : من كرب الدنيا والآخرة كما قيل في التيسير والستر ، وقد قيل في مناسبة ذلك : إن الكرب هي الشدائد العظيمة ، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا ، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر ، فإن أحدا لا يكاد يخلو في الدنيا من ذلك ، ولو بتعسر الحاجات المهمة . وقيل : لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء ، فادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده ، لينفس به كرب الآخرة ، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فيسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس منهم ، فيبلغ الناس من الغم [ ص: 288 ] والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول الناس بعضهم لبعض : ألا ترون ما بلغكم ؟ ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ؟ ، وذكر حديث الشفاعة ، خرجاه بمعناه من حديث أبي هريرة .

وخرجا من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : تحشرون حفاة عراة غرلا ، قالت : فقلت : يا رسول الله ، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : الأمر أشد من أن يهمهم ذلك .

وخرجا من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : يوم يقوم الناس لرب العالمين [ المطففين : 6 ] ، قال : يقوم أحدهم في الرشح إلى أنصاف أذنيه .

وخرجا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم ولفظه للبخاري ، ولفظ مسلم : إن العرق ليذهب في الأرض سبعين باعا ، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم .

وخرج مسلم من حديث المقداد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين ، فتصهرهم الشمس ، فيكونون في [ ص: 289 ] العرق قدر أعمالهم ، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه إلجاما .

وقال ابن مسعود : الأرض كلها يوم القيامة نار ، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها ، فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة ، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه ، وما مسه الحساب ، قال : فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : مما يرى الناس يصنع بهم .

وقال أبو موسى : الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة ، وأعمالهم تظلهم أو تضحيهم .

وفي ” المسند ” من حديث عقبة بن عامر مرفوعا : كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس .

[ ص: 311 ] الحديث السابع والثلاثون :

. عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال : إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة . رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجاه من رواية الجعد أبي عثمان ، حدثنا أبو رجاء العطاردي ، عن ابن عباس وفي رواية لمسلم زيادة في آخر الحديث ، وهي : أو محاها الله ، ولا يهلك على الله إلا هالك . وفي هذا المعنى أحاديث متعددة ، فخرجا في ” الصحيحين ” من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقول الله : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة ، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ، فإن عملها ، فاكتبوها بمثلها ، وإن تركها من أجلي ، فاكتبوها له حسنة ، وإن أراد أن يعمل حسنة ، فلم يعملها ، فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وهذا لفظ البخاري ، وفي رواية لمسلم : قال الله عز وجل : إذا تحدث عبدي بأن [ ص: 312 ] يعمل حسنة ، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل ، فإذا عملها ، فأنا أكتبها بعشر أمثالها ، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة ، فأنا أغفرها له ما لم يعملها ، فإذا عملها ، فأنا أكتبها له بمثلها . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة – وهو أبصر به – قال : ارقبوه ، فإن عملها ، فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها ، فاكتبوها له حسنة ، إنما تركها من جراي . قال رسول الله صلى عليه وسلم : إذا أحسن أحدكم إسلامه ، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله . وفي ” الصحيحين ” عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل عمل ابن آدم يضاعف : الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ، وفي رواية بعد قوله : إلى سبعمائة ضعف : إلى ما يشاء الله . وفي ” صحيح مسلم ” عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله : من عمل حسنة ، فله عشر أمثالها أو أزيد ، ومن عمل سيئة ، فجزاؤها مثلها أو أغفر . وفيه أيضا عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من هم بحسنة ، فلم يعملها ، كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة ، فلم يعملها لم يكتب عليه شيء ، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة . وفي ” المسند ” عن خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من هم بحسنة ، [ ص: 313 ] فلم يعملها ، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه ، وحرص عليها ، كتبت له حسنة ، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ، ومن عملها كتبت له واحدة ، ولم تضاعف عليه ، ومن عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها ، ومن أنفق نفقة في سبيل الله ، كانت له بسبعمائة ضعف . وفي المعنى أحاديث أخر متعددة . فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات ، والسيئات ، والهم بالحسنة والسيئة ، فهذه أربعة أنواع : النوع الأول : عمل الحسنات ، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات ، وقد دل عليه قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [ الأنعام : 160 ] . وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له ، فدل عليه قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [ البقرة : 261 ] ، فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف . وفي ” صحيح مسلم ” عن ابن مسعود ، قال : جاء رجل بناقة مخطومة ، فقال : يا رسول الله ، هذه في سبيل الله ، فقال : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة . وفي ” المسند ” بإسناد فيه نظر عن أبي عبيدة بن الجراح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ، ومن أنفق على نفسه وأهله ، وعياله ، أو عاد مريضا ، أو ماز أذى ، فالحسنة بعشر أمثالها . [ ص: 314 ] وخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف . وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أرسل نفقة في سبيل الله ، وأقام في بيته ، فله بكل درهم سبعمائة درهم ، ومن غزا بنفسه في سبيل الله ، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه الآية : والله يضاعف لمن يشاء [ البقرة : 261 ] . وخرج ابن حبان في ” صحيحه ” من حديث عيسى بن المسيب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : لما نزلت هذه الآية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل [ البقرة : 261 ] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب زد أمتي ، فأنزل الله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [ البقرة : 245 ] ، فقال : رب زد أمتي فأنزل الله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : 10 ] . [ ص: 315 ] وخرج الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة ثم تلا أبو هريرة : وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [ النساء : 40 ] . وقال : ” إذا قال الله أجرا عظيما ، فمن يقدر قدره ؟ ” وروي عن أبي هريرة موقوفا . وخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا : من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة . ومن حديث تميم الداري مرفوعا : من قال : أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ، إلها واحدا أحدا صمدا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له كفوا أحد عشر مرات ، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة ، وفي كلا الإسنادين ضعف . [ ص: 316 ] وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا : من قال : سبحان الله ، كتب الله له مائة ألف حسنة ، وأربعة وعشرين ألف حسنة .

[ص: 330 ] الحديث الثامن والثلاثون :

. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى قال من عادى لي وليا ، فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، . رواه البخاري .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب ، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث بطوله ، وزاد في آخره : وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته . وهو من غرائب ” الصحيح ” تفرد به ابن كرامة عن خالد ، وليس في ” مسند أحمد ” مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه أحمد وغيره ، وقالوا : له مناكير ، وعطاء الذي في إسناده قيل : إنه ابن أبي رباح ، وقيل : إنه ابن يسار ، وإنه وقع في بعض نسخ ” الصحيح ” منسوبا كذلك . [ ص: 331 ] وقد روي هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال فرواه عبد الواحد بن ميمون أبو حمزة مولى عروة بن الزبير عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من آذى لي وليا ، فقد استحل محاربتي ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي ، وإن عبدي ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت عينه التي يبصر بها ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وفؤاده الذي يعقل به ، ولسانه الذي يتكلم به ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن موته ، وذلك أنه يكره الموت وأنا أكره مساءته . خرجه ابن أبي الدنيا وغيره ، وخرجه الإمام أحمد بمعناه . وذكر ابن عدي أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة ، وعبد الواحد هذا قال فيه البخاري : منكر الحديث ، ولكن خرجه الطبراني : حدثنا هارون بن كامل ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا إبراهيم بن سويد المدني ، حدثني أبو حرزة يعقوب بن مجاهد ، أخبرني عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره . وهذا إسناده جيد ، ورجاله كلهم ثقات مخرج لهم في ” الصحيح ” سوى شيخ الطبراني ، فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله ، ولعل الرواي قال : حدثنا أبو حمزة ، يعني عبد الواحد بن ميمون ، فخيل للسامع أنه قال : أبو حرزة ، ثم سماه [ ص: 332 ] من عنده بناء على وهمه والله أعلم . وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان بن أبي عاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقول الله عز وجل : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، ابن آدم ، إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك ، ولا يزال عبدي يتحبب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فأكون قلبه الذي يعقل به ، ولسانه الذي ينطق به ، وبصره الذي يبصر به ، فإذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته ، وإذا استنصرني نصرته ، وأحب عبادة عبدي إلي النصيحة . عثمان وعلي بن يزيد ضعيفان . قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث : هو منكر جدا . وقد روي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ، خرجه الإسماعيلي في ” مسند علي ” . وروي من حديث ابن عباس بسند ضعيف ، وخرجه الطبراني ، وفيه زيادة في لفظه ، ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو ضعيف أيضا . وخرجه الطبراني وغيره من حديث الحسن بن يحيى الخشني ، عن صدقة بن عبد الله الدمشقي ، عن هشام الكناني ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل ، عن ربه تعالى قال : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وما [ ص: 333 ] ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولا بد له منه ، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من العبادة ، فأكفه عنه لا يدخله عجب ، فيفسده ذلك ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتنفل إلي حتى أحبه ، ومن أحببته ، كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ، دعاني فأجبته ، وسألني فأعطيته ، ونصح لي فنصحت له ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ، وإن بسطت له أفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ، ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته ، لأفسده ذلك ، إني أدبر عبادي بعلمي بما في قلوبهم ، إني عليم خبير . والخشني وصدقة ضعيفان ، وهشام لا يعرف ، وسئل ابن معين عن هشام هذا : من هو ؟ قال : لا أحد ، يعني : لا يعتبر به . وقد خرج البزار بعض الحديث من طريق صدقة عن عبد الكريم الجزري ، عن أنس . وخرج الطبراني من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة ، عن زر بن حبيش ، سمعت حذيفة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى أوحى إلي : يا أخا المرسلين ، ويا أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة ، فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي يصلي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها ، فأكون سمعه الذي يسمع به ، وأكون بصره الذي يبصر به ، ويكون من أوليائي وأصفيائي ، ويكون جاري من النبيين والصديقين والشهداء في الجنة . وهذا إسناد جيد وهو غريب جدا . [ ص: 334 ] ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري ، وقد قيل : إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء . قوله عز وجل : من عادى لي وليا ، فقد آذنته بالحرب يعني : فقد أعلمته بأني محارب له ، حيث كان محاربا لي بمعاداة أوليائي ، ولهذا جاء في حديث عائشة : فقد استحل محاربتي وفي حديث أبي أمامة وغيره : فقد بارزني بالمحاربة ، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن يسير الرياء شرك ، وإن من عادى لله وليا ، فقد بارز الله بالمحاربة ، وإن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يدعوا ، ولم يعرفوا ، [ قلوبهم ] مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة . فأولياء الله تجب موالاتهم ، وتحرم معاداتهم ، كما أن أعداءه تجب معاداتهم ، وتحرم موالاتهم ، قال تعالى : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [ الممتحنة : 1 ] ، وقال : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون [ المائدة : 55 – 56 ] ، ووصف أحباءه الذين يحبهم ويحبونه بأنهم أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، وروى الإمام أحمد في كتاب ” الزهد ” بإسناده عن وهب بن منبه ، قال : إن الله تعالى قال لموسى عليه [ ص: 335 ] السلام حين كلمه : اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه ، فقد بارزني بالمحاربة ، وبادأني وعرض نفسه ودعاني إليها ، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي ؟ أو يظن الذي يعازني أن يعجزني ؟ أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني ؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة ، فلا أكل نصرتهم إلى غيري ” .

[ص: 361 ] الحديث التاسع والثلاثون :

عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرجه ابن حبان في ” صحيحه ” والدارقطني ، وعندهما : عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر ، ورواته كلهم محتج بهم في ” الصحيحين ” وقد خرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما . كذا قال ، ولكن له علة ، وقد أنكره الإمام أحمد جدا ، وقال : ليس يروى فيه إلا عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . وقيل لأحمد : إن الوليد بن مسلم روى عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله ، فأنكره أيضا . [ ص: 362 ] وذكر لأبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي ، وحديث مالك ، وقيل له : إن الوليد روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، فقال أبو حاتم : هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة ، وقال : لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء ، وإنما سمعه من رجل لم يسمه ، أتوهم أنه عبد الله بن عامر ، أو إسماعيل بن مسلم ، قال : ولا يصح هذا الحديث ، ولا يثبت إسناده . قلت : وقد روي عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير مرسلا من غير ذكر ابن عباس ، وروى يحيى بن سليم ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : بلغني أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه خرجه الجوزجاني ، وهذا المرسل أشبه . وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا رواه مسلم بن خالد الزنجي عن سعيد العلاف ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه خرجه الجوزجاني . وسعيد العلاف : هو سعيد بن أبي صالح ، قال أحمد : هو مكي ، قيل له : كيف حاله ؟ قال : لا أدري وما علمت أحدا روى عنه غير مسلم بن خالد ، قال أحمد : وليس هذا مرفوعا ، إنما هو عن ابن عباس قوله . نقل ذلك عنه مهنا ، ومسلم بن خالد ضعفوه . [ ص: 363 ] وروي من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد ، عن علي الهمداني ، عن أبي جمرة عن ابن عباس مرفوعا ، خرجه حرب ، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تساوي شيئا . وروي من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبد الرحيم هذا ضعيف . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر ، وقد تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا ، وصححه الحاكم وغربه ، وهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك ، كما أنكره الإمام أحمد وأبو حاتم ، وكانا يقولان عن الوليد : إنه كثير الخطأ . ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود ، قال روى الوليد بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل ، منها عن نافع أربعة . قلت : والظاهر أن منها هذا الحديث ، والله أعلم . وخرجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي عن ثلاثة : عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه . ويزيد بن ربيعة ضعيف جدا . [ ص: 364 ] وخرج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ والنسيان والاستكراه قال أبو بكر : فذكرت ذلك للحسن ، فقال أجل ، أما تقرأ بذلك قرآنا : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] . وأبو بكر الهذلي متروك الحديث . وخرجه ابن ماجه ، ولكن عنده عن شهر ، عن أبي ذر الغفاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولم يذكر كلام الحسن . وأما الحديث المرسل عن الحسن ، فرواه عنه هشام بن حسان ، ورواه منصور ، وعوف عن الحسن من قوله ، لم يرفعه ، ورواه جعفر بن جسر بن فرقد ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن أبي بكرة مرفوعا ، وجعفر وأبوه ضعيفان . [ ص: 365 ] قال محمد بن نصر المروزي : ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به حكاه البيهقي . وفي ” صحيح مسلم ” عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزل قوله تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] قال الله : قد فعلت . وعن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنها لما نزلت ، قال : نعم ، وليس واحد منهما مصرحا برفعه . وخرج الدارقطني من رواية ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ، وما أكرهوا عليه ، إلا أن يتكلموا به أو يعملوا ، وهو لفظ غريب . وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه . وكذا رواه ابن عيينة عن مسعر ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد فيه : وما استكرهوا عليه خرجه ابن ماجه . وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عيينة ، ولم يتابعه عليها أحد . والحديث مخرج من رواية قتادة في ” الصحيحين ” والسنن والمسانيد بدونها . [ ص: 366 ] ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع ، فقوله : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان إلى آخره تقديره : إن الله رفع لي عن أمتي الخطأ ، أو ترك ذلك عنهم ، فإن ” تجاوز ” لا يتعدى بنفسه . وقوله : الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . فأما الخطأ والنسيان ، فقد صرح القرآن بالتجاوز عنهما ، قال الله تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] ، وقال : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم [ الأحزاب : 5 ] . وفي ” الصحيحين ” عن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا حكم الحاكم ، فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ ، فله أجر . وقال الحسن : لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين – يعني داود وسليمان – لرأيت أن القضاة قد هلكوا ، فإنه أثنى على هذا بعمله ، وعذر هذا باجتهاده : يعني قوله : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم [ الأنبياء : 78 ] الآية . وأما الإكراه فصرح القرآن أيضا بالتجاوز عنه ، قال تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ النحل : 106 ] ، وقال تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة [ آل عمران : 28 ] الآية .

[ص: 376 ] الحديث الأربعون :

. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي ، فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت ، فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك رواه البخاري .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه البخاري عن علي بن المديني ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، حدثنا الأعمش ، حدثني مجاهد ، عن ابن عمر ، فذكره ، وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في لفظة : ” حدثنا مجاهد ” وقالوا : هي غير ثابتة ، وأنكروها على ابن المديني وقالوا : لم يسمع الأعمش هذا الحديث من مجاهد ، إنما سمعه من ليث بن أبي سليم عنه ، وقد ذكره العقيلي وغيره ، وخرجه الترمذي من حديث ليث عن مجاهد ، وزاد فيه : وعد نفسك من أهل القبور ، وزاد في كلام ابن عمر : فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا . وخرجه ابن ماجه ولم يذكر قول ابن عمر . وخرج الإمام أحمد والنسائي من [ ص: 377 ] حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة ، عن ابن عمر قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي ، وقال : اعبد الله كأنك تراه ، وكن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل . وعبدة بن أبي لبابة أدرك ابن عمر ، واختلف في سماعه منه . وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا ، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا ، فيطمئن فيها ، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر : يهيئ جهازه للرحيل . وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم ، قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال : يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار [ غافر : 39 ] . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها . ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم : اعبروها ولا تعمروها ، وروي عنه أنه قال : من ذا الذي يبني على موج البحر دارا ، تلكم الدنيا ، فلا تتخذوها قرارا . ودخل رجل على أبي ذر ، فجعل يقلب بصره في بيته ، فقال : يا أبا ذر ، أين متاعكم ؟ قال : إن لنا بيتا نوجه إليه ، قال : إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا ، قال : إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه . [ ص: 378 ] ودخلوا على بعض الصالحين ، فقلبوا بصرهم في بيته ، فقالوا له : إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل ، فقال : أمرتحل ؟ لا أرتحل ولكن أطرد طردا . وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل . قال بعض الحكماء : عجبت ممن الدنيا مولية عنه ، والآخرة مقبلة إليه يشغل بالمدبرة ، ويعرض عن المقبلة . وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : إن الدنيا ليست بدار قراركم ، كتب الله عليها الفناء ، وكتب الله على أهلها منها الظعن ، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب ، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن ، فأحسنوا – رحمكم الله – منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى . وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ، ولا وطنا ، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين : إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة ، همه التزود للرجوع إلى وطنه ، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة ، بل هو ليله ونهاره ، يسير إلى بلد الإقامة ، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين . فأحدهما : أن يترك المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة ، لكن في بلد غربة ، فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة ، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه ، وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه ، قال الفضيل بن عياض : المؤمن في الدنيا مهموم حزين ، همه مرمة جهازه . ومن كان في الدنيا كذلك ، فلا هم له إلا في التزود بما ينفعه عند عوده إلى [ ص: 379 ] وطنه ، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم ، ولا يجزع من الذل عندهم ، قال الحسن : المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها ، ولا ينافس في عزها ، له شأن ، وللناس شأن . لما خلق آدم عليه السلام أسكن هو وزوجته الجنة ، ثم أهبطا منها ووعدا بالرجوع إليها ، وصالح ذريتهما ، فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه الأول ، وحب الوطن من الإيمان ، كما قيل :
كم منزل للمرء يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل
ولبعض شيوخنا : فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم
كان عطاء السليمي يقول في دعائه : اللهم ارحم في الدنيا غربتي ، وارحم في القبر وحشتي ، وارحم موقفي غدا بين يديك . قال الحسن : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إنما مثلي ومثلكم [ ص: 380 ] ومثل الدنيا ، كقوم سلكوا مفازة غبراء ، حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر ، أو ما بقي ، أنفدوا الزاد ، وحسروا الظهر ، وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة ، فأيقنوا بالهلكة ، فبينما هم كذلك ، إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه ماء ، فقالوا : إن هذا قريب عهد بريف ، وما جاءكم هذا إلا من قريب ، فلما انتهى إليهم ، قال : علام أنتم ؟ قالوا : على ما ترى ، قال : أرأيتكم إن هديتكم على ماء رواء ، ورياض خضر ، ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك شيئا ، قال : أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله ، قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا ، قال : فأوردهم ماء ، ورياضا خضرا ، فمكث فيهم ما شاء الله ، ثم قال : يا هؤلاء الرحيل ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماء ليس كمائكم ، وإلى رياض ليست كرياضكم ، فقال جل القوم – وهم أكثرهم – : والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده ، وما نصنع بعيش خير من هذا ؟ وقالت طائفة – وهم أقلهم – : ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه ، فوالله ليصدقنكم في آخره ، قال : فراح فيمن اتبعه ، وتخلف بقيتهم ، فنزل بهم عدو ، فأصبحوا بين أسير وقتيل خرجه ابن أبي الدنيا ، وخرجه الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه مختصرا . [ ص: 381 ] فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته ، فإنه أتاهم والعرب إذ ذاك أذل الناس ، وأقلهم ، وأسوؤهم عيشا في الدنيا وحالا في الآخرة ، فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة ، وظهر لهم من براهين صدقه ، كما ظهر من صدق الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة ، وقد نفد ماؤهم ، وهلك ظهرهم ، برؤيته في حلة مترجلا يقطر رأسه ماء ، ودلهم على الماء والرياض المعشبة ، فاستدلوا بهيئته وحاله على صدق مقاله ، فاتبعوه ، ووعد من اتبعه بفتح بلاد فارس والروم ، وأخذ كنوزهما وحذرهم من الاغترار بذلك ، والوقوف معه ، وأمرهم بالتجزي من الدنيا بالبلاغ ، وبالجد والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد لها ، فوجدوا ما وعدهم به كله حقا ، فلما فتحت عليهم الدنيا – كما وعدهم – اشتغل أكثر الناس بجمعها واكتنازها ، والمنافسة فيها ، ورضوا بالإقامة فيها ، والتمتع بشهواتها ، وتركوا الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجد والاجتهاد في طلبها ، وقبل قليل من الناس وصيته في الجد في طلب الآخرة والاستعداد لها . فهذه الطائفة القليلة نجت ، ولحقت نبيها في الآخرة حيث سلكت طريقه في الدنيا ، وقبلت وصيته ، وامتثلت ما أمر به . وأما أكثر الناس ، فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها ، فشغلهم ذلك عن الآخرة حتى فاجأهم الموت بغتة على هذه الغرة ، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير . وما أحسن قول يحيى بن معاذ الرازي : الدنيا خمر الشيطان ، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادما مع الخاسرين . الحال الثاني : أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم ألبتة ، وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره ، وهو الموت . ومن كانت هذه حاله في الدنيا ، فهمته تحصيل الزاد للسفر ، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا ، ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه [ ص: 382 ] أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب . قيل لمحمد بن واسع : كيف أصبحت ؟ قال : ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة ؟ . وقال الحسن : إنما أنت أيام مجموعة ، كلما مضى يوم مضى بعضك . وقال : ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك ، يوضعك النهار إلى الليل ، والليل إلى النهار ، حتى يسلمانك إلى الآخرة ، فمن أعظم منك يابن آدم خطرا ، وقال : الموت معقود في نواصيكم والدنيا تطوى من ورائكم . قال داود الطائي : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها ، فافعل ، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو ، والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك ، واقض ما أنت قاض من أمرك ، فكأنك بالأمر قد بغتك . وكتب بعض السلف إلى أخ له : يا أخي يخيل لك أنك مقيم ، بل أنت دائب السير ، تساق مع ذلك سوقا حثيثا ، الموت موجه إليك ، والدنيا تطوى من ورائك ، وما مضى من عمرك ، فليس بكار عليك يوم التغابن .
سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ولا بد من زاد لكل مسافر
ولا بد للإنسان من حمل عدة ولا سيما إن خاف صولة قاهر
قال بعض الحكماء : كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره ، وشهره يهدم [ ص: 383 ] سنته ، وسنته تهدم عمره ، كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله ، وتقوده حياته إلى موته . وقال الفضيل بن عياض لرجل : كم أتت عليك ؟ قال : ستون سنة ، قال : فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ ، فقال الرجل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال الفضيل : أتعرف تفسيره تقول : أنا لله عبد وإليه راجع ، فمن علم أنه لله عبد ، وأنه إليه راجع ، فليعلم أنه موقوف ، ومن علم أنه موقوف ، فليعلم أنه مسئول ، ومن علم أنه مسئول ، فليعد للسؤال جوابا ، فقال الرجل : فما الحيلة ؟ قال يسيرة ، قال : ما هي ؟ قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى ، فإنك إن أسأت فيما بقي ، أخذت بما مضى وبما بقي ، وفي هذا المعنى يقول بعضهم :
وإن امرأ قد سار ستين حجة إلى منهل من ورده لقريب
قال بعض الحكماء : من كانت الليالي والأيام مطاياه ، سارت به وإن لم يسر ، وفي هذا قال بعضهم :
وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
وأعجب شيء – لو تأملت – أنها منازل تطوى والمسافر قاعد
وقال آخر :
أيا ويح نفسي من نهار يقودها إلى عسكر الموتى وليل يذودها
قال الحسن : لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار ، وتقريب الآجال ، هيهات قد صحبا نوحا وعادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا ، فأصبحوا أقدموا على ربهم ، ووردوا على أعمالهم ، وأصبح الليل والنهار غضين جديدين ، لم يبلهما ما مرا به ، مستعدين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى . [ ص: 384 ] وكتب الأوزاعي إلى أخ له : أما بعد ، فقد أحيط بك من كل جانب ، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة ، فاحذر الله والمقام بين يديه ، وأن يكون آخر عهدك به ، والسلام .
نسير إلى الآجال في كل لحظة وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقا كأنه إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شامل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل
وأما وصية ابن عمر رضي الله عنهما ، فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه ، وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل ، وأن الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصباح ، وإذا أصبح لم ينتظر المساء ، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك ، وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا ، قال المروزي : قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد – أي شيء الزهد في الدنيا ؟ قال : قصر الأمل ، من إذا أصبح قال : لا أمسي ، قال : وهكذا قال سفيان . قيل لأبي عبد الله : بأي شيء نستعين على قصر الأمل ؟ قال : ما ندري إنما هو توفيق . قال الحسن : اجتمع ثلاثة من العلماء ، فقالوا لأحدهم : ما أملك ؟ قال : ما أتى علي شهر إلا ظننت أني سأموت فيه ، قال : فقال صاحباه : إن هذا لأمل ، فقالا لأحدهم : فما أملك ؟ قال : ما أتت علي جمعة إلا ظننت أني سأموت فيها ، قال : فقال صاحباه : إن هذا لأمل ، فقالا للآخر : فما أملك ؟ قال : ما أمل من نفسه في يد غيره ؟ . قال داود الطائي : سألت عطوان بن عمر التيمي ، قلت : ما قصر الأمل ؟ [ ص: 385 ] قال : ما بين تردد النفس ، فحدث بذلك الفضيل بن عياض ، فبكى ، وقال : يقول : يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه ، لقد كان عطوان من الموت على حذر . وقال بعض السلف : ما نمت نوما قط ، فحدثت نفسي أني أستيقظ منه . وكان حبيب أبو محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحوه ، وكان يبكي كلما أصبح أو أمسى ، فسئلت امرأته عن بكائه ، فقالت : يخاف – والله – إذا أمسى أن يصبح ، وإذا أصبح أن يمسي . وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله : أستودعكم الله ، فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم . وقال بكر المزني : إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا وعهده عند رأسه مكتوب ، فليفعل ، فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا ، ويصبح في أهل الآخرة . وكان أويس إذا قيل له : كيف الزمان عليك ؟ قال : كيف الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح ، وإن أصبح ظن أنه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار ؟ . وقال عون بن عبد الله : ما أنزل الموت كنه منزلته من عد غدا من أجله ، كم من مستقبل يوما يستكمله ، وكم من مؤمل لغد لا يدركه ، إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره ، لبغضتم الأمل وغروره ، وكان يقول : إن من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره . [ ص: 386 ] وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت : يا نفس ، الليلة ليلتك ، لا ليلة لك غيرها ، فاجتهدت ، فإذا أصبحت ، قالت : يا نفس اليوم يومك ، لا يوم لك غيره ، فاجتهدت . وقال بكر المزني : إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل : لعلي لا أصلي غيرها ، وهذا مأخوذ مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : صل صلاة مودع . وأقام معروف الكرخي الصلاة ، ثم قال لرجل : تقدم فصل بنا ، فقال الرجل : إني إن صليت بكم هذه الصلاة ، لم أصل بكم غيرها ، فقال معروف : وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى ؟ نعوذ بالله من طول الأمل ، فإنه يمنع خير العمل . وطرق بعضهم باب أخ له ، فسأل عنه ، فقيل له : ليس هو في البيت ، فقال : متى يرجع ؟ فقالت له جارية من البيت : من كانت نفسه في يد غيره ، من يعلم متى يرجع ، ولأبي العتاهية من جملة أبيات :
وما أدري وإن أملت عمرا لعلي حين أصبح لست أمسي
ألم تر أن كل صباح يوم وعمرك فيه أقصر منه أمس
[ ص: 387 ] وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا : ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك ، ومما أنشد بعض السلف :
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا فإنما الربح والخسران في العمل

[ص: 393 ] الحديث الحادي والأربعون .:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
الحاشية رقم: 1
قال الشيخ رحمه الله : حديث حسن صحيح ، رويناه في كتاب ” الحجة ” بإسناد صحيح ! . يريد بصاحب كتاب الحجة الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق ، وكتابه هذا هو كتاب ” الحجة على تارك المحجة ” يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة . وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب ” الأربعين ” وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه ، وخرجته الأئمة في مسانيدهم ، ثم خرجه عن الطبراني : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ولا يزيغ عنه . ورواه الحافظ أبو بكر بن عاصم الأصبهاني [ ص: 394 ] عن ابن واره ، عن نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره عن ابن سيرين ، فذكره . وليس عنده لا يزيغ عنه ، قال الحافظ أبو موسى المديني : هذا الحديث مختلف فيه على نعيم ، وقيل فيه : حدثنا بعض مشيختنا ، حدثنا هشام أو غيره . قلت : تصحيح هذا الحديث بعيد جدا من وجوه ، منها : أنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي ، ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة ، وخرج له البخاري ، فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن ، لصلابته في السنة ، وتشدده في الرد على أهل الأهواء ، وكانوا ينسبونه إلى أنه يهم ، ويشبه عليه في بعض الأحاديث ، فلما كثر عثورهم على مناكيره ، حكموا عليه بالضعف ، فروى صالح بن محمد الحافظ عن ابن معين أنه سئل عنه فقال : ليس بشيء ولكنه صاحب سنة ، قال صالح : وكان يحدث من حفظه ، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها . وقال أبو داود : عند نعيم نحو عشرين حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس لها أصل ، وقال النسائي : ضعيف . وقال مرة : ليس ثقة . وقال مرة : قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة ، فصار في حد من لا يحتج به . وقال أبو زرعة الدمشقي : يصل أحاديث يوقفها الناس ، يعني أنه يرفع الموقوفات ، وقال أبو عروبة الحراني : هو مظلم الأمر ، وقال أبو سعيد بن يونس : روى أحاديث مناكير عن الثقات ، ونسبه آخرون إلى أنه كان يضع الحديث ، وأين كان أصحاب عبد الوهاب الثقفي ، وأصحاب هشام بن حسان ، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى ينفرد به نعيم ؟ . ومنها : أنه قد اختلف على نعيم في إسناده ، فروي عنه ، عن الثقفي ، عن هشام ، وروي عنه عن الثقفي ، حدثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره ، وعلى هذه الرواية ، يكون الشيخ الثقفي غير معروف عينه ، وروي عنه ، عن الثقفي ، حدثنا [ ص: 395 ] بعض مشيختنا ، حدثنا هشام أو غيره ، فعلى هذه الرواية ، فالثقفي رواه عن شيخ مجهول ، وشيخه رواه عن غير معين ، فتزداد الجهالة في إسناده . ومنها : أن في إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري ، ويقال فيه : يعقوب بن أوس أيضا ، وقد خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه حديثا عن عبد الله بن عمرو ، ويقال : عبد الله بن عمر ، وقد اضطرب في إسناده ، وقد وثقه العجلي ، وابن سعد ، وابن حبان ، وقال ابن خزيمة : روى عنه ابن سيرين مع جلالته ، وقال ابن عبد البر : هو مجهول . وقال الغلابي في ” تاريخه ” : يزعمون أنه لم يسمع من عبد الله بن عمرو ، وإنما يقول : قال عبد الله بن عمرو ، فعلى هذا تكون رواياته عن عبد الله بن عمرو منقطعة والله أعلم . وأما معنى الحديث ، فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها ، فيحب ما أمر به ، ويكره ما نهى عنه . وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع . قال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ النساء : 65 ] . وقال تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [ الأحزاب : 36 ] . وذم سبحانه من كره ما أحبه الله ، أو أحب ما كرهه الله ، قال : ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [ محمد : 9 ] ، وقال تعالى : ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم [ محمد : 28 ] . فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه ، فإن زادت المحبة ، حتى أتى بما ندب إليه منه ، كان ذلك [ ص: 396 ] فضلا ، وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه ، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها ، كان ذلك فضلا . وقد ثبت في ” الصحيحين ” عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق ، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله . والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات ، قال عز وجل : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره [ التوبة : 24 ] . وقال تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [ آل عمران : 31 ] قال الحسن : قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إنا نحب ربنا حبا شديدا ، فأحب الله أن يجعل لحبه علما ، فأنزل الله هذه الآية . وفي ” الصحيحين ” عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار . فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه ، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه [ ص: 397 ] ما يحبه الله ورسوله ، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ، ويرضى ما يرضى الله ورسوله ، ويسخط ما يسخط الله ورسوله ، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض ، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك ، فإن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله ، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله ، مع وجوبه والقدرة عليه ، دل ذلك على نقص محبته الواجبة ، فعليه أن يتوب من ذلك ، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة . قال أبو يعقوب النهرجوري : كل من ادعى محبة الله عز وجل ولم يوافق الله في أمره ، فدعواه باطلة ، وكل محب ليس يخاف الله ، فهو مغرور . وقال يحيى بن معاذ : ليس بصادق من ادعى محبة الله عز وجل ولم يحفظ حدوده . وسئل رويم عن المحبة ، فقال الموافقة : في جميع الأحوال ، وأنشد :
ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
ولبعض المتقدمين :
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله ، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه ، وقال تعالى : فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله [ القصص : 50 ] .

[ص: 400 ] الحديث الثاني والأربعون .:

عن أنس بن مالك رضي عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : يابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني ، غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة . رواه الترمذي وقال : حديث حسن .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه من طريق كثير بن فائد ، حدثنا سعيد بن عبيد ، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول : حدثنا أنس ، فذكره ، وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . انتهى . وإسناده لا بأس به ، وسعيد بن عبيد هو الهنائي ، قال أبو حاتم : شيخ . وذكره ابن حبان في ” الثقات ” ، ومن زعم أنه غير الهنائي ، فقد وهم ، وقال الدارقطني : تفرد به كثير بن فائد ، عن سعيد مرفوعا ، ورواه سلم بن قتيبة ، عن سعيد بن عبيد ، فوقفه على أنس . قلت : قد روي عنه مرفوعا وموقوفا ، وتابعه على رفعه أبو سعيد أيضا مولى بني هاشم ، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا ، وقد روي أيضا من حديث ثابت ، عن أنس مرفوعا ، ولكن قال أبو حاتم : هو منكر . وقد روي أيضا من حديث أبي ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن [ ص: 401 ] حوشب ، عن معديكرب ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل فذكره بمعناه ، ورواه بعضهم عن شهر ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي ذر وقيل : عن شهر ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح هذا القول . وروي من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروي بعضه من وجوه أخر ، فخرج مسلم في ” صحيحه ” من حديث المعرور بن سويد ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقول الله تعالى : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن تقرب مني ذراعا ، تقربت منه باعا ، ومن أتاني يمشي ، أتيته هرولة ، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة . وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي ، قال : دخلت على أنس [ ص: 402 ] فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والذي نفسي بيده ، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ، ثم استغفرتم الله ، لغفر لكم . فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة : أحدها : الدعاء مع الرجاء ، فإن الدعاء مأمور به ، وموعود عليه بالإجابة ، كما قال تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [ غافر : 60 ] . وفي ” السنن الأربعة ” عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الدعاء هو العبادة ثم تلا هذه الآية . وفي حديث آخر خرجه الطبراني مرفوعا : من أعطي الدعاء ، أعطي الإجابة ، لأن الله تعالى يقول : ادعوني أستجب لكم . وفي حديث آخر : ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ، ويغلق عنه باب الإجابة . لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه ، وانتفاء موانعه ، وقد تتخلف إجابته ، لانتفاء بعض شروطه ، أو وجود بعض موانعه ، وقد سبق ذكر [ ص: 403 ] بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر . ومن أعظم شرائطه : حضور القلب ، ورجاء الإجابة من الله تعالى ، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه . وفي ” المسند ” عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذه القلوب أوعية ، فبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله ، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل . ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه : اللهم اغفر لي إن شئت ، ولكن ليعزم المسألة ، فإن الله لا مكره له . ونهي أن يستعجل ، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة ، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة ، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء . وجاء في الآثار : إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه ، قال : يا جبريل ، لا تعجل بقضاء حاجة عبدي ، فإني أحب أن أسمع صوته ، وقال تعالى : وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] . [ ص: 404 ] فما دام العبد يلح في الدعاء ، ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء ، فهو قريب من الإجابة ، ومن أدمن قرع الباب ، يوشك أن يفتح له . وفي ” صحيح الحاكم ” عن أنس مرفوعا : لا تعجزوا عن الدعاء ، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد .

[ص: 419 ] الحديث الثالث والأربعون .:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت الفرائض ، فلأولى رجل ذكر . خرجه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث الذي زعم بعض شراح هذه الأربعين أن الشيخ رحمه الله أغفله ، فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع لها ، وهذا الحديث خرجاه من رواية وهيب ، وروح بن القاسم ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس وخرجه مسلم من رواية معمر ، ويحيى بن أيوب ، عن ابن طاوس أيضا . وقد رواه الثوري ، وابن عيينة وابن جريج وغيرهم ، عن ابن طاوس عن أبيه مرسلا من غير ذكر ابن عباس ، ورجح النسائي إرساله . وقد اختلف العلماء في معنى قوله : ألحقوا الفرائض بأهلها : فقالت طائفة : المراد بالفرائض الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ، والمراد : أعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها الله لهم ، فما بقي بعد هذه الفروض ، فيستحقه أولى الرجال ، والمراد بالأولى الأقرب ، كما يقال : هذا [ ص: 420 ] يلي هذا ، أي يقرب منه ، فأقرب الرجال هو أقرب العصبات ، فيستحق الباقي بالتعصيب ، وبهذا المعنى فسر الحديث جماعة من الأئمة ، منهم الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، نقله عنهما إسحاق بن منصور ، وعلى هذا ، فإذا اجتمع بنت وأخت وعم وابن عم أو ابن أخ ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة ، وهذا قول ابن عباس ، وكان يتمسك بهذا الحديث ، ويقر بأن الناس كلهم على خلافه ، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضا . وقال إسحاق : إذا كان مع البنت والأخت عصبة ، فالعصبة أولى ، وإن لم يكن معها أحد ، فالأخت لها الباقي ، وحكي عن ابن مسعود أنه قال : البنت عصبة من لا عصبة له ، ورد بعضهم هذا ، وقال : لا يصح عن ابن مسعود . وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس ، ثم رجعا عنه . وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل ، منهم عمر ، وعلي ، وعائشة ، وزيد ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وتابعهم سائر العلماء . وروى عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج : سألت ابن طاوس عن ابنة وأخت ، فقال : كان أبي يذكر عن ابن عباس ، عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيئا ، وكان طاوس لا يرضى بذلك الرجل ، قال : وكان أبي يشك فيها ، ولا يقول فيها شيئا ، وقد كان يسأل عنها . والظاهر – والله أعلم – أن مراد طاوس هو هذا الحديث ، فإن ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ميراث الأخت مع البنت ، إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث . وما ذكره طاوس أن ابن عباس رواه عن رجل وأنه لا يرضاه ، فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة ، والصحابة كلهم عدول قد رضي الله عنهم ، [ ص: 421 ] وأثنى عليهم ، فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاوس . وفي ” صحيح ” البخاري عن أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل ، قال : جاء رجل إلى أبي موسى ، فسأله عن ابنة وابنة ابن ، وأخت لأب وأم ، فقال : للابنة النصف ، وللأخت ما بقي وائت ابن مسعود فسيتابعني ، فأتى ابن مسعود ، فذكر ذلك له ، فقال : لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي ، فللأخت ، قال : فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود ، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم . وفيه أيضا عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود بن يزيد ، قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة ، والنصف للأخت ، ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يذكره . وخرجه أبو داود من وجه آخر عن الأسود ، وزاد فيه : ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي . واستدل ابن عباس لقوله بقول الله عز وجل : قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [ النساء : 176 ] وكان يقول : أأنتم أعلم أم الله ؟ يعني أن الله لم يجعل لها النصف إلا مع عدم الولد ، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت . والصواب قول عمر والجمهور ، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك ؛ لأن المراد بقوله : فلها نصف ما ترك بالفرض ، وهذا مشروط بعدم الولد [ ص: 422 ] بالكلية ، ولهذا قال بعده : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك [ النساء : 176 ] يعني بالفرض ، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى ، فكذلك الأختان فصاعدا إنما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى ، فإن كان هناك ولد ، فإن كان ذكرا ، فهو مقدم على الإخوة مطلقا ذكورهم وإناثهم ، وإن لم يكن هناك ولد ذكر ، بل أنثى فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق ، فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها ؛ فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه ؟ وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطا لها ، فيتعين تقديمها عليه ، لامتناع مشاركته لها ، فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض ، وهذا حق ليس مفهوما أن الأخت تسقط بالبنت ، ولا تأخذ ما فضل من ميراثها ، يدل عليه قوله تعالى : وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [ النساء : 176 ] ، وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات ، وإنما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كله ، فكما أن الولد إن كان ذكرا ، منع الأخ من الميراث ، وإن كان أنثى ، لم يمنعه الفاضل عن ميراثها ، وإن منعه حيازة الميراث ، فكذلك الولد إن كان ذكرا منع الأخت الميراث بالكلية ، وإن كان أنثى منعت الأخت أن يفرض لها النصف ، ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها والله أعلم .

[ص: 438 ] الحديث الرابع والأربعون .:

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة خرجه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من رواية عمرة عن عائشة ، وخرج مسلم أيضا من رواية عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، وخرجاه أيضا من رواية عروة عن عائشة من قولها ، وخرجاه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرجه الترمذي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة ، وأن الرضاع يحرم ما يحرمه النسب ، ولنذكر المحرمات من النسب كلهن حتى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع ، فنقول : الولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح ، وهو على قسمين : أحدهما : تحريم مؤبد على الانفراد ، وهو نوعان [ ص: 439 ] أحدهما : ما يحرم بمجرد النسب ، فيحرم على الرجل أصوله وإن علون ، وفروعه وإن سفلن ، وفروع أصله الأدنى وإن سفلن ، فروع أصوله البعيدة دون فروعهن ، فيدخل في أصوله أمهاته وإن علون من جهة أبيه وأمه ، وفي فروعه بناته وبنات أولاده وإن سفلن ، وفي فروع أصله الأدنى أخواته من الأبوين ، أو من أحدهما ، وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن ، ودخل في فروع أصوله البعيدة العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما وإن علون ، فلم يبق من الأقارب حلالا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة ، وهن بنات العم وبنات العمات ، وبنات الخال ، وبنات الخالات . والنوع الثاني : ما يحرم من النسب مع سبب آخر ، وهو المصاهرة ؛ فيحرم على الرجل حلائل آبائه ، وحلائل أبنائه ، وأمهات نسائه ، وبنات نسائه المدخول بهن ؛ فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة الأم والأب وإن علون ، ويحرم عليه بنات امرأته ، وهن الربائب وبناتهن وإن سفلن ، وكذلك بنات بني زوجته وهن بنات الربائب نص عليه الشافعي وأحمد ، ولا يعلم فيه خلاف . ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه ، وإن علا وبامرأة ابنه وإن سفل ، ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر ، لأن تحريمهن من جهة نسب الرجل مع سبب المصاهرة . وأما أمهات نسائه وبناتهن ، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب المرأة ، فلم يخرج التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع انضمامه إلى سبب المصاهرة ، فإن التحريم بالسبب المجرد ، والنسب المضاف إلى المصاهرة يشترك فيه الرجال والنساء ؛ فيحرم على المرأة أن تتزوج أصولها وإن علوا ، وفروعها وإن سفلوا ، وفروع أصولها الأدنى وإن سفلوا من إخوتها ، وأولاد الإخوة وإن سفلوا ، وفروع أصولها البعيدة وهم الأعمام والأخوال وإن علوا دون أبنائهم ، فهذا كله بالنسب المجرد . [ ص: 440 ] وأما بالنسب المضاف إلى المصاهرة ، فيحرم عليها نكاح أبي زوجها وإن علا ، ونكاح ابنه وإن سفل بمجرد العقد ، ويحرم عليها زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد ، وزوج أمها وإن علت ، لكن بشرط الدخول بها .

ص: 445 ] الحديث الخامس والأربعون .:

عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ؟ قال : لا ، هو حرام ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : قاتل الله اليهود ، إن الله حرم عليهم الشحوم ، فأجملوه ، ثم باعوه ، فأكلوا ثمنه خرجه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
[ ص: 446 ] هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء ، عن جابر . وفي رواية لمسلم أن يزيد قال : كتب إلي عطاء ، فذكره ، ولهذا قال أبو حاتم الرازي : لا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئا ، يعني أنه إنما يروي عنه كتابه ، وقد رواه أيضا يزيد بن أبي حبيب ، عن عمرو بن الوليد بن عبدة ، عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . وفي ” الصحيحين ” عن ابن عباس قال : بلغ عمر أن رجلا باع خمرا ، فقال : قاتله الله ، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم ، فجملوها فباعوها ، وفي رواية : وأكلوا أثمانها . وخرجه أبو داود من حديث عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وزاد فيه : وإن الله إذا حرم أكل شيء ، حرم عليهم ثمنه ، وخرجه ابن أبي شيبة ، ولفظه : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه . وفي ” الصحيحين ” عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قاتل الله يهودا ، حرمت عليهم الشحوم ، فباعوها وأكلوا ثمنها . وفي ” الصحيحين ” عن عائشة ، قالت : لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقترأهن على الناس ، ثم نهى عن التجارة في الخمر ، وفي رواية لمسلم : لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا ، خرج [ ص: 447 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فحرم التجارة في الخمر . وخرج مسلم من حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء ، فلا يشرب ولا يبع . فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة ، فسفكوها . وخرجه أيضا من حديث ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الله قد حرمها ؟ قال : لا ، قال : فسار إنسانا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بم ساررته ؟ قال : أمرته ببيعها ، قال : إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، قال : ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها . فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الله الانتفاع به ، فإنه يحرم بيعه وأكل ثمنه ، كما جاء مصرحا به في الرواية المتقدمة : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ، وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراما ، وهو قسمان : أحدهما : ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء عينه ، كالأصنام ، فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله ، وهو أعظم المعاصي على الإطلاق ، ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ، ككتب الشرك والسحر والبدع والضلال ، وكذلك الصور المحرمة ، وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور ، وكذلك شراء الجواري للغناء . [ ص: 448 ] وفي ” المسند ” عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين ، وأمرني أن أمحق المزامير والكنارات – يعني البرابط والمعازف – والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية ، وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم ، معذبا أو مغفورا له ، ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ، ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس ، ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن ، ولا تعليمهن ، ولا تجارة فيهن ، وأثمانهن حرام [ يعني ] المغنيات . وخرجه الترمذي ، ولفظه : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ، ولا تعلموهن ، ولا خير في تجارة فيهن ، وثمنهن حرام ، في مثل ذلك أنزل الله : ومن الناس من يشتري لهو الحديث [ لقمان : 6 ] الآية ، وخرجه ابن ماجه أيضا ، وفي إسناد الحديث مقال ، وقد روي نحوه من حديث عمر وعلي بإسنادين فيهما ضعف أيضا . ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك ، فإنهما يقولان : إذا بيعت الأمة المغنية ، تباع على أنها ساذجة ، ولا يؤخذ لغنائها ثمن ، ولو كانت الجارية ليتيم ، ونص ذلك أحمد ، ولا يمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة ؛ لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها ، وهو من أعظم مقاصد الرقيق . نعم ، لو علم [ ص: 449 ] أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه ، لم يجز بيعه له عند الإمام أحمد وغيره من العلماء ، كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا ، ولا بيع السلاح في الفتنة ، ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها الخمر ، أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة . والقسم الثاني : ما ينتفع به مع إتلاف عينه فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما ، فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة ، مع أن في بعضها منافع غير محرمة ، كأكل الميتة للمضطر ، ودفع الغصة بالخمر ، وإطفاء الحريق به ، والخرز بشعر الخنزير عند قوم ، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك ، ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة ، لم يعبأ بها ، وحرم البيع بكون المقصود الأعظم من الخنزير والميتة أكلهما ، ومن الخمر شربها ، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك ، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى لما قيل له : أرأيت شحوم الميتة ، فإنها يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ، فقال : لا ، هو حرام

ص: 456 ] الحديث السادس والأربعون :.

عن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن ، فسأله عن أشربة تصنع بها ، فقال : وما هي ؟ قال : البتع والمزر ، فقيل لأبي بردة : وما البتع ؟ قال : نبيذ العسل ، والمزر نبيذ الشعير ، فقال : كل مسكر حرام خرجه البخاري .
الحاشية رقم: 1
وخرجه مسلم ، ولفظه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمن ، فقلت : يا رسول الله ، إن شرابا يصنع بأرضنا يقال له : المزر من الشعير ، وشراب يقال له : البتع من العسل ، فقال : كل مسكر حرام . وفي رواية لمسلم : فقال : كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام ، وفي رواية له قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال : أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة . فهذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات ، المغطية للعقل ، وقد ذكر الله في كتابه العلة المقتضية لتحريم المسكرات ، وكان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته ، فخلط في قراءته ، فنزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء : 43 ] ، وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 457 ] ينادي لا يقرب الصلاة سكران ، ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله تعالى : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون [ المائدة : 90 – 91 ] . فذكر سبحانه علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار ، وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء ، فإن من سكر اختل عقله ، فربما تسلط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم ، وربما بلغ إلى القتل ، وهي أم الخبائث ، فمن شربها قتل النفس وزنا ، وربما كفر . وقد روي هذا المعنى عن عثمان وغيره ، وروي مرفوعا أيضا . ومن قامر فربما قهر ، وأخذ ماله قهرا ، فلم يبق له شيء ، فيشتد حقده على من أخذ ماله . وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حراما ، وأخبر سبحانه أن الشيطان يصد بالخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة ، فإن السكران يزول عقله أو يختل ، فلا يستطيع أن يذكر الله ، ولا أن يصلي ، ولهذا قال طائفة من السلف : إن شارب الخمر تمر عليه ساعة لا يعرف فيها ربه ، والله سبحانه إنما خلق الخلق ليعرفوه ، ويذكروه ، ويعبدوه ، ويطيعوه ، فما أدى إلى الامتناع من ذلك ، وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته ، كان محرما ، وهو السكر ، وهذا بخلاف النوم ، فإن الله تعالى جبل العباد عليه ، واضطرهم إليه ، ولا قوام لأبدانهم إلا به ، إذ هو راحة لهم من السعي والنصب ، فهو من [ ص: 458 ] أعظم نعم الله على عباده ، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة ، ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته ودعائه ، كان نومه عونا له على الصلاة والذكر ، ولهذا قال من قال من الصحابة : إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي . وكذلك الميسر يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه ، ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه ، ولهذا قال علي لما مر على قوم يلعبون بالشطرنج : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ فشبههم بالعاكفين على التماثيل . وجاء في الحديث : إن مدمن الخمر كعابد وثن ، فإنه يتعلق قلبه بها ، فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته . وهذا كله مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ، ومحبته ، وخشيته ، وذكره ، ومناجاته ، ودعائه ، والابتهال إليه ، فما حال بين العبد وبين ذلك ، ولم يكن بالعبد إليه ضرورة ، بل كان ضررا محضا عليه ، كان محرما ، وقد روي عن علي أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج : ما لهذا خلقتم . ومن هنا يعلم أن الميسر محرم ، سواء كان بعوض أو بغير عوض ، وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه ، لأنها تشغل أصحابها عن ذكر الله وعن [ ص: 459 ] الصلاة أكثر من النرد . والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل مسكر حرام ، وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام . وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرجا في ” الصحيحين ” عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام ولفظ مسلم : وكل مسكر حرام . وخرج أيضا من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع ، فقال : كل شراب أسكر فهو حرام وفي رواية لمسلم : كل شراب مسكر حرام وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجا به ، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته ، وأنه أثبت شيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر . وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه ، فلا يثبت ذلك عنه . وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل [ ص: 460 ] مسكر حرام . وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار ، وهو مذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم ، وهو مما اجتمع على القول به أهل المدينة كلهم . وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة ، وقالوا : إن الخمر إنما هي خمر العنب خاصة ، وما عداها ، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر ، ولا يحرم ما دونه ، وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم ، وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورا لهم ، وفيهم خلق من أئمة العلم والدين . قال ابن المبارك : ما وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحيح إلا عن إبراهيم ، يعني النخعي ، وكذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح ، وقد صنف كتاب ” الأشربة ” ولم يذكر فيه شيئا من الرخصة ، وصنف كتابا في المسح على الخفين ، وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره ، فقيل له : كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح ؟ فقال : ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح . ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة ، ولم يكن بها خمر العنب ، فلو لم [ ص: 461 ] تكن آية تحريم الخمر شاملة لما عندهم ، لما كان فيها بيان لما سألوا عنه ، ولكان محل السبب خارجا من عموم الكلام ، وهو ممتنع ، ولما نزل تحريم الخمر أراقوا ما عندهم من الأشربة ، فدل على أنهم فهموا أنه من الخمر المأمور باجتنابه . وفي ” صحيح البخاري ” عن أنس قال : حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر . وعنه أنه قال : إني لأسقي أبا طلحة ، وأبا دجانة ، وسهيل بن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر ، فقذفتها ، وأنا ساقيهم وأصغرهم ، وإنا نعدها يومئذ الخمر . وفي ” الصحيحين ” عنه قال : ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ . وفي ” صحيح مسلم ” عنه قال : لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر ، وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر . وفي ” صحيح البخاري ” عن ابن عمر ، قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما منها شراب العنب . وفي ” الصحيحين ” عن الشعبي ، عن ابن عمر ، قال : قام عمر على المنبر ، فقال : أما بعد ، نزل تحريم الخمر وهي من خمس : العنب ، والتمر ، والعسل [ ص: 462 ] والحنطة ، والشعير ، والخمر : ما خامر العقل . وخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر الترمذي أن قول من قال : عن الشعبي عن ابن عمر ، عن عمر – أصح ، وكذا قال ابن المديني . وروى أبو إسحاق عن أبي بردة قال : قال عمر : ما خمرته فعتقته ، فهو خمر ، وأنى كانت لنا الخمر خمر العنب . وفي ” مسند ” الإمام أحمد عن المختار بن فلفل قال : سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفتة وقال : كل مسكر حرام قلت له : صدقت السكر حرام ، فالشربة والشربتان على طعامنا ؟ قال : المسكر قليله وكثيره حرام وقال : الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة ، فما خمرت من ذلك فهو الخمر ، خرجه أحمد عن عبد الله بن إدريس : سمعت المختار بن فلفل يقول فذكره ، وهذا إسناد على شرط مسلم . وفي ” صحيح مسلم ” ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة ، وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر . وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره ، كما خرجه أبو داود ، وابن [ ص: 463 ] ماجه ، والترمذي ، وحسنه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما أسكر كثيره فقليله حرام . وخرج أبو داود ، والترمذي ، وحسنه من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كل مسكر حرام ، وما أسكر الفرق ، فملء الكف منه حرام ، وفي رواية الحسوة منه حرام ، وقد احتج به أحمد وذهب إليه . وسئل عمن قال : إنه لا يصح ؟ فقال : هذا رجل مغل ، يعني أنه قد غلا في مقالته . وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة يطول ذكرها . وروى ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، حدثني أبو وهيب الجيشاني ، عن وفد أهل اليمن أنهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه عن أشربة تكون باليمن ، قال : فسموا له البتع من العسل ، والمزر من الشعير ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هل تسكرون منها ؟ قالوا : إن أكثرنا سكرنا ، قال : فحرام قليله ما أسكر كثيره خرجه القاضي إسماعيل . وقد كانت الصحابة تحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام على تحريم جميع أنواع المسكرات ، ما كان موجودا منها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما حدث بعده ، كما سئل ابن عباس عن الباذق ، فقال : سبق محمد الباذق ، فما أسكر ، [ ص: 464 ] فهو حرام ، خرجه البخاري ، يشير إلى أنه إن كان مسكرا ، فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة

ص: 467 ] الحديث السابع والأربعون :

عن المقدام بن معدي كرب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وقال الترمذي : حديث حسن .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام ، وخرجه النسائي من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده ، وخرجه ابن ماجه من وجه آخر عنه وله طرق أخرى . وقد روي هذا الحديث مع ذكر سببه ، فروى أبو القاسم البغوي في ” معجمه ” من حديث عبد الرحمن بن المرقع ، قال : فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وهي مخضرة من الفواكه ، فواقع الناس الفاكهة ، فمغثتهم الحمى ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الحمى رائد الموت وسجن الله في [ ص: 468 ] الأرض ، وهي قطعة من النار ، فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان ، فصبوها عليكم بين الصلاتين يعني المغرب والعشاء ، قال : ففعلوا ذلك ، فذهبت عنهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يخلق الله وعاء إذا ملئ شرا من بطن ، فإن كان لا بد ، فاجعلوا ثلثا للطعام ، وثلثا للشراب ، وثلثا للريح . وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها . وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في ” كتاب ” أبي خيثمة ، قال : لو استعمل الناس هذه الكلمات ، سلموا من الأمراض والأسقام ، ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة ، وإنما قال هذا ؛ لأن أصل كل داء التخم ، كما قال بعضهم : أصل كل داء البردة ، وروي مرفوعا ولا يصح رفعه . وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب : الحمية رأس الدواء ، والبطنة رأس [ ص: 469 ] الداء ، ورفعه بعضهم ولا يصح أيضا . وقال الحارث أيضا : الذي قتل البرية ، وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام . وقال غيره : لو قيل لأهل القبور : ما كان سبب آجالكم ؟ قالوا : التخم . فهذا بعض منافع تقليل الغذاء ، وترك التملي من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته . وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه ، فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب ، وقوة الفهم ، وانكسار النفس ، وضعف الهوى والغضب ، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك . قال الحسن : يابن آدم كل في ثلث بطنك ، واشرب في ثلثه ، ودع ثلث بطنك يتنفس لتتفكر . وقال المروذي : جعل أبو عبد الله ، يعني أحمد يعظم أمر الجوع والفقر ، فقلت له : يؤجر الرجل في ترك الشهوات ، فقال : وكيف لا يؤجر ، وابن عمر يقول : ما شبعت منذ أربعة أشهر ؟ قلت لأبي عبد الله : يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع ؟ قال : ما أرى . وروى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه ، فروى بإسناده عن ابن سيرين ، قال : قال رجل لابن عمر : ألا أجيئك بجوارش ؟ قال : [ ص: 470 ] وأي شيء هو ؟ قال : شيء يهضم الطعام إذا أكلته ، قال : ما شبعت منذ أربعة أشهر ، وليس ذاك أني لا أقدر عليه ، ولكن أدركت أقواما يجوعون أكثر مما يشبعون . وبإسناده عن نافع ، قال : جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر ، فقال : ما هذا ؟ قال : جوارش : شيء يهضم به الطعام ، قال : ما أصنع به ؟ إني ليأتي علي الشهر ما أشبع فيه من الطعام . وبإسناده عن رجل قال : قلت لابن عمر : يا أبا عبد الرحمن رقت مضغتك ، وكبر سنك ، وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك ، فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئا يلطفونك إذا رجعت إليهم ، قال : ويحك ، والله ما شبعت منذ إحدى عشرة سنة ، ولا اثنتي عشرة سنة ، ولا ثلاث عشرة سنة ، ولا أربع عشرة سنة مرة واحدة ، فكيف بي وإنما بقي مني كظمء الحمار . وبإسناده عن عمرو بن الأسود العنسي أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر . وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ” الجوع ” بإسناده عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : ما شبعت منذ أسلمت . [ ص: 471 ] وروى بإسناده عن محمد بن واسع ، قال : من قل طعمه فهم وأفهم ، وصفا ، ورق ، وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد . وعن أبي عبيدة الخواص ، قال : حتفك في شبعك ، وحظك في جوعك ، وإذا أنت شبعت ثقلت ، فنمت ، استمكن منك العدو فجثم عليك ، وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد . وعن عمرو بن قيس ، قال : إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب . وعن سلمة بن سعيد قال : إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله . وعن بعض العلماء قال : إذا كنت بطينا ، فاعدد نفسك زمنا حتى تخمص . وعن ابن الأعرابي قال : كانت العرب تقول : ما بات رجل بطينا فتم عزمه . وعن أبي سليمان الداراني قال : إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة ، فلا تأكل حتى تقضيها ، فإن الأكل يغير العقل . وعن مالك بن دينار قال : ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه ، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه . قال : وحدثني الحسن بن عبد الرحمن ، قال : قال الحسن أو غيره : كانت بلية أبيكم آدم عليه السلام أكلة ، وهي بليتكم إلى يوم القيامة . قال : وكان يقال : من ملك بطنه ، ملك الأعمال الصالحة كلها ، وكان يقال : لا تسكن الحكمة معدة ملأى . [ ص: 472 ] وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال : كان يقال : قلة الطعم عون على التسرع إلى الخيرات . وعن قثم العابد قال : كان يقال : ما قل طعم امرئ قط إلا رق قلبه ، ونديت عيناه . وعن عبد الله بن مرزوق قال : لم نر للأشر مثل دوام الجوع ، فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد : وما دوامه عندك ؟ قال : دوامه أن لا تشبع أبدا . قال : وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا ؟ قال : ما أيسر ذلك يا أبا عبد الرحمن على أهل ولايته ومن وفقه لطاعته ، لا يأكل إلا دون الشبع هو دوام الجوع . ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه ، فقال له : أكلت حتى لا أستطيع أن آكل ، فقال الحسن : سبحان الله ويأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل ؟ ! . وروى أيضا بإسناده عن أبي عمران الجوني ، قال : كان يقال : من أحب أن ينور قلبه ، فليقل طعمه . وعن عثمان بن زائدة قال : كتب إلي سفيان الثوري : إن أردت أن يصح جسمك ، ويقل نومك ، فأقل من الأكل . وعن ابن السماك قال : خلا رجل بأخيه ، فقال : أي أخي ، نحن أهون على الله من أن يجيعنا ، إنما يجيع أولياءه . وعن عبد الله بن الفرج قال : قلت لأبي سعيد التميمي : الخائف يشبع ؟ [ ص: 473 ] قال : لا ، قلت : المشتاق يشبع ؟ قال : لا . وعن رياح القيسي أنه قرب إليه طعام ، فأكل منه ، فقيل له : ازدد فما أراك شبعت ، فصاح صيحة وقال : كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي ؟ فرفع الرجل الطعام من بين يديه ، وقال : أنت في شيء ونحن في شيء . قال المروذي : قال لي رجل : كيف ذاك المتنعم ؟ يعني أحمد ، قلت له : وكيف هو متنعم ؟ قال : أليس يجد خبزا يأكل ، وله امرأة يسكن إليها ، ويطؤها ، فذكرت ذلك لأبي عبد الله فقال : صدق ، وجعل يسترجع ، وقال : إنا لنشبع . وقال بشر بن الحارث : ما شبعت منذ خمسين سنة ، وقال : ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال ، لأنه إذا شبع من الحلال ، دعته نفسه إلى الحرام ، فكيف من هذه الأقذار ؟ . وعن إبراهيم بن أدهم قال : من ضبط بطنه ضبط دينه ، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة ، وإن معصية الله بعيدة من الجائع ، قريبة من الشبعان ، والشبع يميت القلب ، ومنه يكون الفرح والمرح والضحك . وقال ثابت البناني : بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام ، فرأى عليه معاليق من كل شيء ، فقال له يحيى : يا إبليس ، ما هذه المعاليق التي أرى عليك ؟ قال : هذه الشهوات التي أصيب من بني آدم ، قال : فهل لي فيها شيء ؟ قال : ربما شبعت ، فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر ، قال : فهل غير هذا ؟ قال : لا ، قال : لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا ، قال : فقال إبليس : لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا . [ ص: 474 ] وقال أبو سليمان الداراني : إن النفس إذا جاعت وعطشت ، صفا القلب ورق ، وإذا شبعت ورويت ، عمي القلب ، وقال : مفتاح الدنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع ، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل ، وإن الله ليعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة ، فلا يعطي إلا من أحب خاصة ، ولأن أدع من عشائي لقمة أحب إلي من أن آكلها ثم أقوم من أول الليل إلى آخره . وقال الحسن بن يحيى الخشني : من أراد أن تغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه ، وقال أحمد بن أبي الحواري : فحدثت بهذا أبا سليمان فقال : إنما جاء الحديث : ” ثلث طعام وثلث شراب ” وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم ، فربحوا سدسا . وقال محمد بن النضر الحارثي : الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر . وعن الشافعي ، قال : ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة اطرحتها ، لأن الشبع يثقل البدن ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة . وقد ندب النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام ، وقال : حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه . وفي ” الصحيحين ” عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : المؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء والمراد أن المؤمن [ ص: 475 ] يأكل بأدب الشرع ، فيأكل في معى واحد والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره والنهم ، فيأكل في سبعة أمعاء . وندب – صلى الله عليه وسلم – مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه ، فقال : طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه ، وشرب في ثلث ، وترك للنفس ثلثا ، كما ذكره النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث المقدام ، فإن كثرة الشرب تجلب النوم ، وتفسد الطعام . قال سفيان : كل ما شئت ولا تشرب ، فإذا لم تشرب ، لم يجئك النوم . وقال بعض السلف : كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل ، فإذا كان عند فطرهم ، قام عليهم قائم فقال : لا تأكلوا كثيرا ، فتشربوا كثيرا ، فتناموا كثيرا ، فتخسروا كثيرا . وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه يجوعون كثيرا ، ويتقللون من أكل الشهوات ، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام ، إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها . ولهذا كان ابن عمر يتشبه بهم في ذلك – مع قدرته على الطعام – وكذلك كان أبوه من قبله . [ ص: 476 ] ففي ” الصحيحين ” عن عائشة ، قالت : ما شبع آل محمد – صلى الله عليه وسلم – منذ قدم المدينة من خبز بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض . ولمسلم : قالت : ما شبع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض . وخرج البخاري عن أبي هريرة قال : ما شبع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من طعام ثلاثة أيام حتى قبض . وعنه قال : خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير . وفي ” صحيح مسلم ” عن عمر أنه خطب ، فذكر ما أصاب الناس من الدنيا ، فقال : لقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه . وخرج الترمذي ، وابن ماجه من حديث أنس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما واراه إبط بلال . وخرجه ابن ماجه بإسناده عن سليمان بن صرد ، قال : أتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فمكثنا ثلاث ليال لا نقدر – أو لا يقدر – على طعام . [ ص: 477 ] وبإسناده عن أبي هريرة ، قال أتي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بطعام سخن فأكل ، فلما فرغ قال : الحمد لله ، ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا . وقد ذم الله ورسوله من اتبع الشهوات ، قال تعالى : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب [ مريم : 59 – 60 ] . وصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن . وفي ” المسند ” أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رأى رجلا سمينا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول : لو كان هذا في غير هذا ، لكان خيرا لك . وفي ” المسند ” عن أبي برزة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ، ومضلات الهوى . وفي ” مسند البزار ” وغيره عن فاطمة ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : شرار أمتي [ ص: 478 ] الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام ، ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام . وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر ، قال : تجشأ رجل عند النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فقال : كف عنا جشاءك ، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة . وخرجه ابن ماجه من حديث سلمان أيضا بنحوه ، وخرجه الحاكم من [ ص: 479 ] حديث أبي جحيفة ، وفي أسانيدها كلها مقال . وروى يحيى بن منده في كتاب ” مناقب الإمام أحمد ” بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس فقال : ثلث للطعام : هو القوت ، وثلث للشراب : هو القوى ، وثلث للنفس : هو الروح والله أعلم .

ص: 480 ] الحديث الثامن والأربعون .

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : أربع من كن فيه كان منافقا ، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر ، وإذا عاهد غدر خرجه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وخرجاه في ” الصحيحين ” أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . وفي رواية لمسلم : وصلى وزعم أنه مسلم وفي رواية له أيضا : من علامات المنافق ثلاثة . وقد روي هذا عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من وجوه أخر . وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فإنهم حدثوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فكذبوه ، وائتمنهم على سره فخانوه ، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه ، وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء ، وأنه قال : حدثني به جابر ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وذكر أن الحسن [ ص: 481 ] رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه ، وهذا كذب ، والمحرم هذا شيخ كذاب معروف بالكذب . وقد روي عن عطاء هذا من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله : ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وقال : قد حدث إخوة يوسف فكذبوا ، ووعدوا فأخلفوا ، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين ، وهذا لا يصح عن عطاء ، والحسن لم يقل هذا من عنده وإنما بلغه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – . فالحديث ثابت عنه – صلى الله عليه وسلم – لا شك في ثبوته وصحته ، والذي فسره به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه ، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين : أحدهما : النفاق الأكبر ، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه ، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم ، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار . والثاني : النفاق الأصغر ، وهو نفاق العمل ، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة ، ويبطن ما يخالف ذلك . وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث ، وهي خمسة : أحدها : أن يحدث بحديث لمن يصدقه به وهو كاذب له ، وفي ” المسند ” [ ص: 482 ] عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق ، وأنت به كاذب . قال الحسن : كان يقال : النفاق اختلاف السر والعلانية ، والقول والعمل ، والمدخل والمخرج ، وكان يقال : أس النفاق الذي بني عليه الكذب . والثاني : إذا وعد أخلف ، وهو على نوعين : أحدهما : أن يعد ومن نيته أن لا يفي بوعده ، وهذا أشر الخلف ، ولو قال : أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل ، كان كذبا وخلفا ، قاله الأوزاعي .

ص: 496 ] الحديث التاسع والأربعون .

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : لو أنكم توكلون على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا ، وتروح بطانا رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في ” صحيحه ” والحاكم ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من رواية عبد الله بن هبيرة ، سمع أبا تميم الجيشاني ، سمع عمر بن الخطاب يحدثه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرج لهما مسلم ، ووثقهما غير واحد ، وأبو تميم ولد في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وهاجر إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه . وقد روي هذا الحديث من حديث ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، ولكن في إسناده من لا يعرف حاله . قاله أبو حاتم الرازي . وهذا الحديث أصل في التوكل ، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها [ ص: 497 ] الرزق ، قال الله عز وجل : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : 2 – 3 ] ، وقد قرأ النبي – صلى الله عليه وسلم – هذه الآية على أبي ذر ، وقال له : لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم يعني : لو حققوا التقوى والتوكل ؛ لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم . وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث ابن عباس : احفظ الله يحفظك . قال بعض السلف : بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حسن توكلك عليه ، فكم من عبد من عباده قد فوض إليه أمره ، فكفاه منه ما أهمه ، ثم قرأ : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وحقيقة التوكل : هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها ، وكلة الأمور كلها إليه ، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه . قال سعيد بن جبير : التوكل جماع الإيمان . وقال وهب بن منبه : الغاية القصوى التوكل . قال الحسن : إن توكل العبد على ربه أن يعلم أن الله هو ثقته . وفي حديث ابن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : من سره أن يكون أقوى الناس ، فليتوكل على الله . [ ص: 498 ] وروي عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يقول في دعائه : اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك ، وأنه كان يقول : اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته . واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه المقدورات بها ، وجرت سنته في خلقه بذلك ، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل ، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له ، والتوكل بالقلب عليه إيمان به ، كما قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم [ النساء : 71 ] ، وقال تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ الأنفال : 60 ] ، وقال : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة : 10 ] . وقال سهل التستري : من طعن في الحركة – يعني في السعي والكسب – فقد طعن في السنة ، ومن طعن في التوكل ، فقد طعن في الإيمان ، فالتوكل حال النبي – صلى الله عليه وسلم – ، والكسب سنته ، فمن عمل على حاله ، فلا يتركن سنته .

ص: 510 ] الحديث الخمسون .

عن عبد الله بن بسر قال : أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – رجل ، فقال : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا ، فباب نتمسك به جامع ؟ قال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ .
الحاشية رقم: 1
وخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان في ” صحيحه ” بمعناه ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وكلهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي ، عن عبد الله بن بسر . وخرج ابن حبان في ” صحيحه ” وغيره من حديث معاذ بن جبل ، قال : آخر ما فارقت عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن قلت له : أي الأعمال خير وأقرب إلى الله ؟ قال : أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل . وقد سبق في هذا الكتاب مفرقا ذكر كثير من فضائل الذكر ، ونذكر هاهنا فضل إدامته والإكثار منه . قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأن يذكروه ذكرا كثيرا ، ومدح من ذكره كذلك ؛ [ ص: 511 ] قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا [ الأحزاب : 41 ] ، وقال تعالى : واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ الأنفال : 45 ] ، وقال تعالى : والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [ الأحزاب : 35 ] ، وقال تعالى : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم [ آل عمران : 191 ] . وفي ” صحيح مسلم ” عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مر على جبل يقال له : جمدان ، فقال : سيروا هذا جمدان ، قد سبق المفردون قالوا : ومن المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : سبق المفردون قالوا : وما المفردون ؟ قال : الذين يهترون في ذكر الله . وخرجه الترمذي ، وعنده : قالوا : يا رسول الله ، وما المفردون ؟ قال : المستهترون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يوم القيامة خفافا . وروى موسى بن عبيدة عن أبي عبد الله القراظ ، عن معاذ بن جبل قال : بينما نحن مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نسير بالدف من جمدان إذ استنبه ، فقال : يا معاذ أين السابقون ؟ فقلت : قد مضوا وتخلف أناس . فقال : يا معاذ إن السابقين الذين يستهترون بذكر الله عز وجل خرجه جعفر الفريابي . [ ص: 512 ] ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث ، فإنه لما سبق الركب ، وتخلف بعضهم ، نبه النبي – صلى الله عليه وسلم – على أن السابقين على الحقيقة هم الذين يدمنون ذكر الله ، ويولعون به ، فإن الاستهتار بالشيء : هو الولوع به والشغف ، حتى لا يكاد يفارق ذكره ، وهذا على رواية من رواه المستهترون ورواه بعضهم ، فقال فيه : الذين أهتروا في ذكر الله وفسر ابن قتيبة الهتر بالسقط في الكلام ، كما في الحديث : المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران . قال : والمراد من هذا الحديث من عمر وخرف في ذكر الله وطاعته ، قال : والمراد بالمفردين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القرن الذي كان فيه ، وأما على الرواية الأولى فالمراد بالمفردين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى ، كذا قال ، ويحتمل – وهو الأظهر – أن المراد بالانفراد على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرة الذكر دون الانفراد الحسي ، إما عن القرن أو عن المخالطة ، والله أعلم . ومن هذا المعنى قول عمر بن عبد العزيز ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة : ليس السابق اليوم من سبق بعيره ، وإنما السابق من غفر له . وبهذا الإسناد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : من أحب أن يرتع في رياض الجنة ، فليكثر ذكر الله عز وجل . [ ص: 513 ] وخرج الإمام أحمد والنسائي ، وابن حبان في ” صحيحه ” من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : استكثروا من الباقيات الصاحات قيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال : التكبير والتسبيح والتهليل والحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وفي ” المسند ” و ” صحيح ابن حبان ” عن أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : أكثروا ذكر الله حتى يقولوا : مجنون . وروى أبو نعيم في ” الحلية ” من حديث ابن عباس مرفوعا : اذكروا الله ذكرا يقول المنافقون : إنكم تراءون . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه سئل : أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا ، وقيل : يا رسول الله ، ومن الغازي في سبيل الله ؟ قال : لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دما ، لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة . [ ص: 514 ] وخرج الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ ، [ عن أبيه ] ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن رجلا سأله فقال : أي الجهاد أعظم أجرا يا رسول الله ؟ قال : أكثرهم لله ذكرا ، قال : فأي الصائمين أعظم ؟ قال : أكثرهم لله ذكرا ، ثم ذكر لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : أكثرهم لله ذكرا : ، فقال أبو بكر : يا أبا حفص ، ذهب الذاكرون بكل خير ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أجل . وقد خرجه ابن المبارك ، وابن أبي الدنيا من وجوه مرسلة بمعناه . وفي ” صحيح مسلم ” عن عائشة ، قالت : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يذكر الله على كل أحيانه . وقال أبو الدرداء : الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله ، يدخل أحدهما الجنة وهو يضحك ، وقيل له : إن رجلا أعتق مائة نسمة ، فقال : إن مائة نسمة من مال رجل كثير ، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار ، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل . وقال معاذ : لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحب إلي من أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل . [ ص: 515 ] وقال ابن مسعود في قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته [ آل عمران : 102 ] قال : أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر ، وخرجه الحاكم مرفوعا وصححه ، والمشهور وقفه . وقال زيد بن أسلم : قال موسى عليه السلام : يا رب ، قد أنعمت علي كثيرا ، فدلني على أن أشكرك كثيرا ، قال : اذكرني كثيرا ، فإن ذكرتني كثيرا ، فقد شكرتني ، وإذا نسيتني فقد كفرتني . وقال الحسن : أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرا وأتقاهم قلبا . وقال أحمد بن أبي الحواري : حدثني أبو المخارق ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : مررت ليلة أسري بي برجل مغيب في نور العرش ، فقلت : من هذا ؟ ملك ؟ قيل : لا ، قلت : نبي ؟ قيل : لا ، قلت : من هو ؟ قال : هذا رجل كان لسانه رطبا من ذكر الله ، وقلبه معلق بالمساجد ، ولم يستسب والديه قط . وقال ابن مسعود : قال موسى عليه السلام : رب أي الأعمال أحب إليك أن أعمل به ؟ قال : تذكرني فلا تنساني . وقال أبو إسحاق بن ميثم : بلغني أن موسى عليه السلام ، قال : رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال : أكثرهم لي ذكرا . وقال كعب : من أكثر ذكر الله ، برئ من النفاق ، ورواه مؤمل ، عن حماد بن سلمة ، عن سهيل ، عن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعا [ ص: 516 ] وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعا : من لم يكثر ذكر الله فقد برئ من الإيمان . ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، فمن أكثر ذكر الله ، فقد باينهم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد ، وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين . قال الربيع بن أنس ، عن بعض أصحابه : علامة حب الله كثرة ذكره ، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره . وقال فتح الموصلي : المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر ، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه . قال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان ، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله . وكان بعض السلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك . قال أبو جعفر المحولي : ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ، ولا يسأم من خدمته . وقد ذكرنا قول عائشة : كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يذكر الله على كل أحيانه ، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على [ ص: 517 ] طهارة أو على حدث . وقال مسعر : كانت دواب البحر في البحر تسكن ، ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل . وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به . وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح . وقيل لعمير بن هانئ : ما نرى لسانك يفتر ، فكم تسبح كل يوم ؟ قال مائة ألف تسبيحة ، إلا أن تخطئ الأصابع ، يعني أنه يعد ذلك بأصابعه . وقال عبد العزيز بن أبي رواد : كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحة ، فماتت فلما بلغت القبر ، اختلست من أيدي الرجال . وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إن صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة . وكان عامة كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده . كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام [ ص: 518 ] في الماء يذكر الله مع دواب البحر . نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظت من الليل ، وجدته يذكر الله ، فأغتم ، ثم أعزي نفسي بهذه الآية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [ المائدة : 54 ] . المحب اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه ، فلو كلف أن ينسى تذكره لما قدر ، ولو كلف أن يكف عن ذكره بلسانه لما صبر .
كيف ينسى المحب ذكر حبيب اسمه في فؤاده مكتوب
كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول : أحد أحد ، فإذا قالوا له : قل : واللات والعزى ، قال : لا أحسنه .
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
كلما قويت المعرفة ، صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة ، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه : الله الله ، ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح ، كما يلهمون النفس ، وتصير ” لا إله إلا الله ” لهم ، كالماء البارد لأهل الدنيا ، كان الثوري ينشد :
لا لأني أنساك أكثر ذكرا ك ولكن بذاك يجري لساني
إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه ، وتضاعف قلقه ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لابن مسعود : اقرأ علي القرآن ، قال : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : إني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأ عليه ، ففاضت عيناه . [ ص: 519 ] سمع الشبلي قائلا يقول : يا ألله يا جواد ، فاضطرب :
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرا كان في صدري
النبض ينزعج عند ذكر المحبوب :
إذا ذكر المحبوب عند حبيبه ترنح نشوان وحن طروب
ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [ الأنفال : 2 ] .
وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر
أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه . قال أبو الجلد : أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام : إذا ذكرتني ، فاذكرني ، وأنت تنتفض أعضاؤك ، وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا ، وإذا ذكرتني ، فاجعل لسانك من وراء قلبك . وصف علي يوما الصحابة ، فقال : كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في اليوم الشديد الريح ، وجرت دموعهم على ثيابهم . قال زهير البابي : إن لله عبادا ذكروه ، فخرجت نفوسهم إعظاما واشتياقا ، وقوم ذكروه ، فوجلت قلوبهم فرقا وهيبة ، فلو حرقوا بالنار ، لم يجدوا مس النار ، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده فارفضوا عرقا من خوفه ، وقوم ذكروه ، فحالت ألوانهم غبرا ، وقوم ذكروه فجفت أعينهم سهرا . [ ص: 520 ] صلى أبو يزيد الظهر ، فلما أراد أن يكبر ، لم يقدر إجلالا لاسم الله ، وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعة عظامه . كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله تغيرت عليه حاله حتى يرى جميع ذلك من عنده ، وكان يقول : ما أظن محقا يذكر الله عن غير غفلة ، ثم يبقى حيا إلا الأنبياء ، فإنهم أيدوا بقوة النبوة وخواص الأولياء بقوة ولايتهم .
إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعت مفاصلها من هول ما تتذكر
وقف أبو زيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول : لا إله إلا الله ، فما قدر إجلالا وهيبة ، فلما كان عند الصباح نزل ، فبال الدم .
وما ذكرتكم إلا نسيتكم نسيان إجلال لا نسيان إهمال
إذا تذكرت من أنتم وكيف أنا أجللت مثلكم يخطر على بالي
الذكر لذة قلوب العارفين . قال الله عز وجل : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [ الرعد : 28 ] . قال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل . وفي بعض الكتب السالفة : يقول الله عز وجل : معشر الصديقين بي فافرحوا ، وبذكري فتنعموا . وفي أثر آخر سبق ذكره : وينيبون إلى الذكر كما تنيب النسور إلى وكورها . وعن ابن عمر قال : أخبرني أهل الكتاب أن هذه الأمة تحب الذكر كما تحب الحمامة وكرها ، ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمئها . قلوب المحبين لا تطمئن إلا بذكره ، وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته ، [ ص: 521 ] قال ذو النون : ما طابت الدنيا إلا بذكره ، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ، ولا طابت الجنة إلا برؤيته .
أبدا نفوس الطالبيـ ــن إلى طلولكم تحن
وكذا القلوب بذكركم بعد المخافة تطمئن
جنت بحبكم ومن يهوى الحبيب ولا يجن
بحياتكم يا سادتي جودوا بوصلكم ومنوا
قد سبق حديث : اذكروا الله حتى يقولوا : مجنون ولبعضهم :
لقد أكثرت من ذكرا ك حتى قيل وسواس
كان أبو مسلم الخولاني كثير الذكر ، فرآه بعض الناس فأنكر حاله ، فقال لأصحابه : أمجنون صاحبكم ؟ فسمعه أبو مسلم ، فقال لا يا أخي ، ولكن هذا دواء الجنون .
وحرمة الود ما لي عنكم عوض وليس لي في سواكم سادتي غرض
وقد شرطت على قوم صحبتهم بأن قلبي لكم من دونهم فرضوا
ومن حديثي بكم قالوا : به مرض فقلت : لا زال عني ذلك المرض
المحبون يستوحشون من كل شاغل يشغل عن الذكر ، فلا شيء أحب إليهم من الخلوة بحبيبهم . قال عيسى عليه السلام : يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا ، وكلموا الناس قليلا ، قالوا : كيف نكلم الله كثيرا ؟ قال : اخلوا بمناجاته ، اخلوا بدعائه . وكان بعض السلف يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه ، فكان [ ص: 522 ] يصلي جالسا ألف ركعة ، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ، ويقول : عجبت للخليقة كيف أنست بسواك ، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك . وكان بعضهم يصوم الدهر ، فإذا كان وقت الفطور ، قال : أحس نفسي تخرج لاشتغالي عن الذكر بالأكل . قيل لمحمد بن النضر : أما تستوحش وحدك ؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني .
كتمت اسم الحبيب من العباد ورددت الصبابة في فؤادي
فواشوقا إلى بلد خلي لعلي باسم من أهوى أنادي
فإذا قوي حال المحب ومعرفته ، لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل ، فهو بين الخلق بجسمه ، وقلبه معلق بالمحل الأعلى ، كما قال علي رضي الله عنه في وصفهم : صحبوا الدنيا بأجساد أوراحها معلقة بالمحل الأعلى ، وفي هذا المعنى قيل :
جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن
وقال غيره :
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وهذه كانت حال الرسل والصديقين ، قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا [ الأنفال : 45 ] . [ ص: 523 ] وفي ” الترمذي ” مرفوعا : يقول الله عز وجل : إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه . وقال تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم [ النساء : 103 ] يعني الصلاة في حال الخوف ، ولهذا قال : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة [ النساء : 103 ] ، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ الجمعة : 10 ] ، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله ، وكثرة ذكره . ولهذا ورد فضل الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في ” المسند ” و ” الترمذي ” ، و ” سنن ابن ماجه ” عن عمر مرفوعا : من دخل سوقا يصاح فيها ويباع ، فقال : لا إله إلا وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة . وفي حديث آخر : ذاكر الله في الغافلين كمثل المقاتل عن الفارين ، وذاكر الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر يابس . [ ص: 524 ] قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود : ما دام قلب الرجل يذكر الله ، فهو في صلاة ، وإن كان في السوق وإن حرك به شفتيه فهو أفضل . وكان بعض السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة . والتقى رجلان منهم في السوق ، فقال أحدهما لصاحبه : تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس ، فخلوا في موضع ، فذكرا الله ، ثم تفرقا ، ثم مات أحدهما ، فلقيه الآخر في منامه ، فقال له : أشعرت أن الله غفر لنا عشية التقينا في السوق ؟

 

تم بحمد الله شرح الأحاديث الخمسون

من كتاب

#جامع_العلوم_والحكم_لإبن_رجب_الحنبلى

By Hussein Metwalley

By Hussein Metwalley

#جامع_العلوم_والحكم_لإبن_رجب_الحنبلى

🌻🌻🌻مقدمة المؤلف 🌻🌻🌻

[ص: 53 ] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين ،
وأتم علينا النعمة ،
وجعل أمتنا –
ولله الحمد – خير أمة
، وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ، ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة . أحمده على نعمه الجمة ،
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ، شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله للعالمين رحمة ، وفرض عليه بيان ما أنزل إلينا ، فأوضح لنا كل الأمور المهمة ، وخصه بجوامع الكلم ، فربما جمع أشتات الحكم والعلوم في كلمة ، أو شطر كلمة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، صلاة تكون لنا نورا من كل ظلمة ، وسلم تسليما كثيرا . أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم ، وخصه ببدائع الحكم . كما في ” الصحيحين ” ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” بعثت بجوامع الكلم قال الزهري : جوامع الكلم – فيما بلغنا – أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ، ونحو ذلك . [ ص: 54 ] خرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث عمرو بن العاص ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع ، فقال : ” أنا محمد النبي الأمي ” . قال ذلك ثلاث مرات . ” ولا نبي بعدي ، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه ” ، وذكر الحديث . وخرج أبو يعلى الموصلي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ” إنى أوتيت جوامع الكلم وخواتمه ، واختصر لي اختصارا ” . وخرج الدارقطني من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت جوامع الكلم ، واختصر لي الحديث اختصارا . وروينا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه ” فقلنا : يا رسول الله ، علمنا مما علمك الله عز وجل ، قال : فعلمنا التشهد . [ ص: 55 ] ‌ وفي ” صحيح مسلم ” ، عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ، عن البتع والمزر ، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه ، فقال : أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة . وروى هشام بن عمار في كتاب ” المبعث ” بإسناده ، عن أبي سلام الحبشي ، قال : حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ” فضلت على من قبلي بست ولا فخر ” فذكر منها : قال : ” وأعطيت جوامع الكلم ، وكان أهل الكتاب يجعلونها جزءا بالليل إلى الصباح ، فجمعها لي ربي في آية واحدة سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ( الحديد : 1 ) . فجوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان : أحدهما : ما هو في القرآن ، كقوله عز وجل : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ( النحل : 90 ) قال الحسن : لم تترك هذه الآية خيرا إلا أمرت به ، ولا شرا إلا نهت عنه . والثاني : ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم ، وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه [ ص: 56 ] صلى الله عليه وسلم . وقد جمع العلماء جموعا من كلماته صلى الله عليه وسلم الجامعة ، فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه : ” الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة ” وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعي من جوامع الكلم الوجيزة كتابا سماه : ” الشهاب في الحكم والآداب ” ، وصنف على منواله قوم آخرون ، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة . وأشار الخطابي في أول كتابه ” غريب الحديث ” إلى يسير من الأحاديث الجامعة . وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسا سماه ” الأحاديث الكلية ” جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال : إن مدار الدين عليها ، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة ، فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثا . ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا يحيى النووي رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح ، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثا ، وسمى كتابه ” بالأربعين ” ، واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها ، وكثر حفظها ، ونفع الله بها ببركة نية جامعها ، وحسن قصده رحمه الله . وقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار إليها ، فاستخرت الله سبحانه وتعالى في جمع كتاب يتضمن شرح ما ييسره الله تعالى من معانيها ، وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها ، وإياه أسأل العون على ما قصدت ، والتوفيق لصلاح النية والقصد فيما أردت ، وأعول في أمري كله عليه ، وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه . وقد كان بعض من شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها رحمه الله تركه [ ص: 57 ] لحديث : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت الفرائض ، فلأولى رجل ذكر قال : لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم ، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة ، كما ذكر حديث البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر لجمعه لأحكام القضاء . فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ رحمه الله ، وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم ، حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثا ، وهذه تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ رحمه الله في كتابه : حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب حديث : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه حديث : كل مسكر حرام حديث : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حديث : أربع من كن فيه كان منافقا حديث : لو أنكم توكلون على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير حديث : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل . وسميته : [ ص: 58 ] جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم . واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية ، فلذلك لا أتقيد بكلام الشيخ رحمه الله في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها ، وإنما آتي بالمعنى الذي يدل على ذلك ؛ لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض إلا في شرح معاني كلمات النبي صلى الله عليه وسلم الجوامع ، وما يتضمنه من الآداب والحكم والمعارف والأحكام والشرائع . وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ؛ ليعلم بذلك صحته وقوته وضعفه ، وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ ، وإن لم يكن في الباب غيره ، أو لم يكن يصح فيه غيره ، نبهت على ذلك كله ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

[ ص: 59 ] بسم الله الرحمن الرحيم
الحديث الأول

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه . رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن أبي وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، [ ص: 60 ] وليس له طريق تصح غير هذا الطريق ، كذا قال علي بن المديني وغيره . وقال الخطابي : لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك ، مع أنه قد روي من حديث أبي سعيد وغيره ، وقد قيل إنه قد روي من طرق كثيرة ، لكن لا يصح من ذلك شيء عند الحفاظ . ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير والجم الغفير ، فقيل : رواه عنه أكثر من مائتي راو ، وقيل : رواه عنه سبعمائة راو ، ومن أعيانهم : مالك ، والثوري ، [ ص: 61 ] والأوزاعي ، وابن المبارك ، والليث بن سعد وحماد بن زيد ، وشعبة ، وابن عيينة ، وغيرهم . واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول ، وبه صدر البخاري كتابه ” الصحيح ” وأقامه مقام الخطبة له ، إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله ، فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة ، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفت كتابا في الأبواب ، لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب ، وعنه أنه قال : من أراد أن يصنف كتابا ، فليبدأ بحديث ” الأعمال بالنيات ” . وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فروي عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين بابا من الفقه . وعن الإمام أحمد قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر : إنما الأعمال بالنيات وحديث عائشة : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وحديث النعمان بن بشير : الحلال بين والحرام بين . وقال الحاكم : حدثونا عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة والسلام : الأعمال بالنيات وقوله : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، وقوله : من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد فقال : ينبغي أن يبدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف ، فإنها أصول الأحاديث [ ص: 62 ] وعن إسحاق بن راهويه قال : أربعة أحاديث هي من أصول الدين : حديث عمر : إنما الأعمال بالنيات ، وحديث : الحلال بين والحرام بين ، وحديث إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ، وحديث : من صنع في أمرنا شيئا ليس منه فهو رد . وروى عثمان بن سعيد ، عن أبي عبيد ، قال : جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع أمر الآخرة في كلمة : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ، وجمع أمر الدنيا كله في كلمة : إنما الأعمال بالنيات يدخلان في كل باب . وعن أبي داود ، قال نظرت في الحديث المسند ، فإذا هو أربعة آلاف حديث ، ثم نظرت ، فإذا مدار أربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث : حديث النعمان بن بشير : الحلال بين والحرام بين ، وحديث عمر : إنما الأعمال بالنيات ، وحديث أبي هريرة : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين الحديث ، وحديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . قال : فكل حديث من هذه ربع العلم . وعن أبي داود أيضا ، قال كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب – يعني كتاب ” السنن ” – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث : أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ، والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، والثالث : قوله صلى الله عليه وسلم لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا [ ص: 63 ] يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه ، والرابع : قوله صلى الله عليه وسلم : الحلال بين والحرام بين . وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الفقه يدور على خمسة أحاديث : الحلال بين والحرام بين ، وقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار ، وقوله الأعمال بالنيات ، وقوله الدين النصيحة ، وقوله : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم . وفي رواية عنه ، قال : أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث : حديث عمر الأعمال بالنيات ، وحديث : الحلال بين والحرام بين ، وحديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وحديث : ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس . وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي :
عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البريه اتق الشبهات وازهد ودع ما
ليس يعنيك واعملن بنيه
فقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وفي رواية : الأعمال بالنيات . وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح ، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك ، ولا بسط القول فيه . وقد اختلف في تقدير قوله : الأعمال بالنيات ، فكثير من المتأخرين يزعم [ ص: 64 ] أن تقديره : الأعمال صحيحة أو معتبرة ومقبولة بالنيات ، وعلى هذا فالأعمال إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية ، فأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب ، واللبس وغيرها ، أو مثل رد الأمانات والمضمونات ، كالودائع والغصوب ، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية ، فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة هاهنا . وقال آخرون : بل الأعمال هاهنا على عمومها ، لا يخص منها شيء . وحكاه بعضهم عن الجمهور ، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين ، وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري ، وأبي طالب المكي وغيرهما من المتقدمين ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد . قال في رواية حنبل : أحب لكل من عمل عملا من صلاة ، أو صيام ، أو صدقة ، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات ، فهذا يأتي على كل أمر من الأمور . وقال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله – يعني أحمد – عن النية في العمل ، قلت كيف النية ؟ قال : يعالج نفسه ، إذا أراد عملا لا يريد به الناس . وقال أحمد بن داود الحربي : قال حدث يزيد بن هارون بحديث عمر : الأعمال بالنيات ، وأحمد جالس ، فقال أحمد ليزيد : يا أبا خالد ، هذا الخناق . وعلى هذا القول فقيل : تقدير الكلام : الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات ، فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل هو سبب عملها ووجودها ، ويكون قوله بعد ذلك : وإنما لكل امرئ ما نوى إخبارا عن حكم الشرع ، وهو أن حظ العامل من عمله نيته ، فإن كانت صالحة ، فعمله صالح ، فله أجره ، وإن كانت فاسدة ، فعمله فاسد ، فعليه وزره . ويحتمل أن يكون التقدير في قوله : الأعمال بالنيات : الأعمال صالحة ، [ ص: 65 ] أو فاسدة ، أو مقبولة ، أو مردودة ، أو مثاب عليها ، أو غير مثاب عليها بالنيات ، فيكون خبرا عن حكم شرعي ، وهو أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها ، كقوله : صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالخواتيم أي : إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمه بحسب الخاتمة . وقوله بعد ذلك : وإنما لكل امرئ ما نوى إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به ، فإن نوى خيرا حصل له خير ، وإن نوى به شرا حصل له شر ، وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولى ، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده ، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة ، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة ، وقد تكون نيته مباحة ، فيكون العمل مباحا ، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب ، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه ، المقتضية لوجوده ، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي بها صار العمل صالحا ، أو فاسدا ، أو مباحا .

[ ص: 93 ] الحديث الثاني :

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال يا محمد ،
أخبرني عن الإسلام ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الإسلام :
أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ،
وتقيم الصلاة ،
وتؤتي الزكاة ،
وتصوم رمضان ،
وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ” . قال : صدقت ،
قال :
فعجبنا له يسأله ويصدقه . قال :
فأخبرني عن الإيمان .
قال :
” أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ” . قال : صدقت .
قال :
فأخبرني عن الإحسان ،
قال :
” أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك ” .
قال : فأخبرني عن الساعة ؟
. قال :
” ما المسئول عنها بأعلم من السائل ” .
قال : فأخبرني عن أمارتها ؟ .
قال : ” أن تلد الأمة ربتها ،
وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ” . [ ص: 94 ] ثم انطلق ، فلبثت مليا ، ثم قال لي :
” يا عمر ، أتدري من السائل ؟ . قلت : الله ورسوله أعلم . قال :
هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ” . رواه مسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخاري بإخراجه ، فخرجه من طريق كهمس عن عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، قال :
كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين ، فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر ، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينه ، والآخر عن شماله ، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي ، فقلت :
يا أبا عبد الرحمن ، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ، ويتقفرون العلم ، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر ، وأن الأمر أنف . فقال :
إذا لقيت أولئك ، فأخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم برآء مني ، [ ص: 95 ] والذي يحلف به عبد الله بن عمر ، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا ، فأنفقه ، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر . ثم قال :
حدثني أبي عمر بن الخطاب ، قال :
بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث بطوله . ثم خرجه من طرق أخرى ، بعضها يرجع إلى عبد الله بن بريدة ، وبعضها يرجع إلى يحيى بن يعمر ، وذكر أن في بعض ألفاظها زيادة ونقصا . وخرجه ابن حبان في ” صحيحه ” من طريق سليمان التيمي ، عن يحيى بن يعمر ، وقد خرجه مسلم من هذا الطريق ، إلا أنه لم يذكر لفظه ، وفيه زيادات منها : في الإسلام ، قال : ” وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة ، وأن تتم الوضوء [ وتصوم رمضان ] ” قال :
فإذا فعلت ذلك ، فأنا مسلم ؟ قال :
نعم . وقال في الإيمان :
” وتؤمن بالجنة والنار والميزان ” ، وقال فيه :
فإذا فعلت ذلك ، فأنا مؤمن ؟ قال :
” نعم ” . وقال في آخره :
” هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم ، خذوا عنه ، والذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه ، وما عرفته حتى ولى ” . وخرجنا في ” الصحيحين ” من حديث أبي هريرة ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس ، فأتاه رجل ، فقال : ما الإيمان ؟ فقال :
” الإيمان :
أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ، وبلقائه ، ورسله ، وتؤمن بالبعث الآخر ” . قال :
يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال :
” الإسلام : أن تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ” [ ص: 96 ] قال :
يا رسول الله ، ما الإحسان ؟ قال :
” أن تعبد الله كأنك تراه ، فإنك إن لا تراه ، فإنه يراك ” . قال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ ” قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، ولكن سأحدثك ، عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها ، فذاك من أشراطها ، وإذا رأيت العراة الحفاة رؤوس الناس ، فذاك من أشراطها ، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان ، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ( لقمان : 34 ) . قال : ثم أدبر الرجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” علي بالرجل ” ، فأخذوا ليردوه ، فلم يروا شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم ” . وخرجه مسلم بسياق أتم من هذا ، وفيه في خصال الإيمان : ” وتؤمن [ ص: 97 ] بالقدر كله ” وقال في الإحسان : ” أن تخشى الله كأنك تراه ” . وخرجه الإمام أحمد في ” مسنده ” من حديث شهر بن حوشب ، عن ابن عباس . ومن حديث شهر بن حوشب أيضا ، عن ابن عامر أو أبي عامر ، أو أبي مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي حديثه قال : ونسمع رجع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نرى الذي يكلمه ، ولا نسمع كلامه ، وهذا يرده حديث عمر الذي خرجه مسلم وهو أصح . وقد روي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهما . وهو حديث عظيم جدا ، يشتمل على شرح الدين كله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره : ” هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ” بعد أن شرح درجة الإسلام ، ودرجة الإيمان ، ودرجة الإحسان ، فجعل ذلك كله دينا . واختلفت الرواية في تقديم الإسلام على الإيمان وعكسه ففي حديث [ ص: 98 ] عمر الذي خرجه مسلم أنه بدأ بالسؤال عن الإسلام ، وفي حديث الترمذي وغيره أنه بدأ بالسؤال عن الإيمان ، كما في حديث أبي هريرة ، وجاء في بعض روايات حديث عمر أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان . فأما الإسلام ، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل ، وأول ذلك : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وهو عمل اللسان ، ثم إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا . وهي منقسمة إلى عمل بدني : كالصلاة والصوم ، وإلى عمل مالي : وهو إيتاء الزكاة ، وإلى ما هو مركب منهما ، كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة . وفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك الاعتمار ، والغسل من الجنابة ، وإتمام الوضوء ، وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام . وإنما ذكر هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابن عمر بني الإسلام على خمس في موضعه إن شاء الله تعالى . وقوله في بعض الروايات : فإذا فعلت ذلك ، فأنا مسلم ؟ قال : ” نعم ” يدل على أن من كمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس ، صار مسلما حقا ، مع أن من أقر بالشهادتين ، صار مسلما حكما ، فإذا دخل في الإسلام بذلك ، ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام ، ومن ترك الشهادتين ، خرج من الإسلام ، وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء ، وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس ، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى [ ص: 99 ] ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده . وفي ” الصحيحين ” عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : أن تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وفي ” صحيح الحاكم ” عن أبي هريرة ، عن النبي قال : إن للإسلام [ ص: 100 ] صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك : أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم ، فمن انتقص منهن شيئا ، فهو سهم من الإسلام تركه ، ومن يتركهن ، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره . وخرجه ابن مردويه من حديث أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : للإسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق ، فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإتمام الوضوء ، والحكم بكتاب الله وسنة نبيه ، وطاعة ولاة الأمر ، وتسليمكم على أنفسكم ، وتسليمكم على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم ، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم وفي إسناده ضعف ، ولعله موقوف . وصح من حديث أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، وحج البيت سهم ، والجهاد سهم ، وصوم رمضان سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وخاب من لا سهم له . وخرجه البزار مرفوعا ، والموقوف أصح . [ ص: 101 ] ورواه بعضهم عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه أبو يعلى الموصلي وغيره ، والموقوف على حذيفة أصح . قاله الدارقطني وغيره . وقوله : ” الإسلام سهم ” يعني الشهادتين ، لأنهما علم الإسلام ، وبهما يصير الإنسان مسلما . وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضا ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . ويدل على هذا أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث العرباض بن سارية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ضرب الله مثلا صراطا مستقيما [ ص: 102 ] وعلى جنبتي الصراط سوران ، فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط جميعا ، ولا تعوجوا ، وداع يدعو من جوف الصراط ، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب ، قال ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه . والصراط : الإسلام ، والسوران : حدود الله ، والأبواب المفتحة : محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم زاد الترمذي : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( يونس : 25 ) . ففي هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى بالاستقامة عليه ، ونهى عن تجاوز حدوده ، وأن من ارتكب شيئا من المحرمات ، فقد تعدى حدوده .

[ ص: 144 ] الحديث الثالث :

عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
بني الإسلام على خمس :
شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ،
وإقام الصلاة ،
وإيتاء الزكاة ،
وحج البيت ،
وصوم رمضان ، رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من رواية عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ، وخرجه مسلم من طريقين آخرين ، عن ابن عمر ، وله طرق أخرى عنه . وقد روي هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله البجلي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرج حديثه الإمام أحمد . وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكر الإسلام . [ ص: 145 ] والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس ، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه ، وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في ” كتاب الصلاة ” ولفظه : بني الإسلام على خمس دعائم فذكره . والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم البنيان هذه الخمس ، فلا يثبت البنيان بدونها ، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان ، فإذا فقد منها شيء ، نقص البنيان وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك ، بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس ؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال ، وكذلك يزول بفقد الشهادتين ، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله . وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا : ” بني الإسلام على خمس : الإيمان بالله ورسوله ” وذكر بقية الحديث . وفي رواية لمسلم : ” على خمس : على أن يوحد الله ” وفي رواية له : ” على أن يعبد الله ويكفر بما دونه ” . وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق تقريره في الحديث الماضي . وأما إقام الصلاة ، فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها ، فقد خرج من الإسلام ، ففي ” صحيح مسلم ” عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ، وروي مثله من حديث بريدة [ ص: 146 ] وثوبان وأنس وغيرهم . وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت ، ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تترك الصلاة متعمدا ، فمن تركها متعمدا ، فقد خرج من الملة . وفي حديث معاذ عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط إلا به ولا يثبت إلا به ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه وقال عمر : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، وقال سعد [ ص: 147 ] وعلي بن أبي طالب : من تركها ، فقد كفر . وقال عبد الله بن شقيق : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر غير الصلاة . وقال أيوب السختياني : ترك الصلاة كفر ، لا يختلف فيه . وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق ، وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم ! وقال محمد بن نصر المروزي : هو قول جمهور أهل الحديث . وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه كافر بذلك وروي ذلك ، عن سعيد بن جبير ونافع والحكم ، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه ، وهو قول ابن حبيب من المالكية . وخرج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ، الحج في كل عام ؟ قال : لو قلت : نعم ، لوجب عليكم ولو وجب عليكم ، ما أطقتموه ، ولو تركتموه لكفرتم . [ ص: 148 ] وخرج الالكائي من طريق مؤمل ، قال : حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، ولا أحسبه إلا رفعه قال : عرى الإسلام ، وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة ، وصوم رمضان . من ترك منهن واحدة ، فهو بها كافر ، حلال الدم ، وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه ، وتجده كثير المال فلا يزكي ، فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفا مختصرا ، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد ، عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا ، وقال : ومن ترك منهن واحدة ، فهو بالله كافر ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل ، وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده . وقد روي عن عمر ضرب الجزية على من لم يحج ، وقال : ليسوا بمسلمين . وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم ، وعن أحمد رواية : أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام والحج . وقال ابن عيينة : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، وليس سواء ، لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر . وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا بنعت النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ، ولم يعملوا بشرائعه . [ ص: 149 ] وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم ، وترك السجود لله أعظم . وفي ” صحيح مسلم ” عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد ، اعتزل إبليس يبكي ويقول : يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود ، فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار . واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض ، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض كما في ” مسند الإمام أحمد ” عن زياد بن نعيم الحضرمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع فرضهن الله في الإسلام فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا : الصلاة ، والزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت وهذا مرسل ، وقد روي عن زياد ، عن عمارة بن حزم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئا دون شيء : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وبالجنة والنار ، والحياة بعد الموت هذه واحدة ، والصلوات الخمس عمود الدين لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة ، والزكاة طهور من الذنوب ، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة ، فمن فعل هؤلاء ، ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا [ ص: 150 ] لم يقبل الله منه الإيمان ، ولا الصلاة ، ولا الزكاة ، فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج ، فلم يحج ، ولم يوص بحجة ، ولم يحج عنه بعض أهله ، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها ذكره ابن أبي حاتم وقال سألت أبي عنه فقال : هذا حديث منكر يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني . قلت : الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر ، وعطاء من أجلاء علماء الشام . وقال ابن مسعود : من لم يزك ، فلا صلاة له ، ونفي القبول هنا لا يراد به نفي الصحة ، ولا وجوب الإعادة بتركه ، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به ، ومدح عامله ، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى ، والمباهاة به للملائكة . فمن قام بهذه الأركان على وجهها ، حصل له القبول بهذا المعنى ، ومن قام ببعضها دون بعض ، لم يحصل له ذلك ، وإن كان لا يعاقب على ما أتى به منها عقوبة تاركه ، بل تبرأ به ذمته ، وقد يثاب عليه أيضا . ومن هاهنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان تكون مانعة من قبول بعض الطاعات ، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما وقال : من أتى عرافا فصدقه بما يقول ، لم تقبل له صلاة أربعين يوما وقال : أيما عبد أبق من مواليه ، لم تقبل له صلاة . [ ص: 151 ] وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة ، لم يزل زوال الاسم بزوال بعضها ، فيبطل بذلك قول من قال : إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه ، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل ، وفي حديث طلحة بن عبيد الله الذي فيه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ، ففسره له بهذه الخمس . ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون : لو زال من الإسلام خصلة واحدة ، أو أربع خصال سوى الشهادتين ، لم يخرج بذلك من الإسلام . وقد روى بعضهم أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام ، لا عن الإسلام ، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده ، منهم أبو زرعة الرازي ، ومسلم بن الحجاج ، وأبو جعفر العقيلي وغيرهم . وقد ضرب العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله ، ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنه اسم الشجرة ، وإنما يقال هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها . وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى : ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ( إبراهيم : 24 ) . والمراد بالكلمة كلمة التوحيد ، وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب ، وأكلها : هو الأعمال الصالحة الناشئة منه . وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع [ ص: 152 ] النخلة ، أو من ثمرها ، لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية ، وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر . ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا ، مع أن الجهاد أفضل الأعمال ، وفي رواية أن ابن عمر قيل له : فالجهاد ؟ قال الجهاد حسن ، ولكن هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد . وفي حديث معاذ بن جبل إن رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد ، وذروة سنامه : أعلى شيء فيه ، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها ، وذلك لوجهين : أحدهما : أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء ، ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان . والثاني : أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر ، بل إذا نزل عيسى عليه السلام ، ولم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام ، فحينئذ تضع الحرب أوزارها ، ويستغني عن الجهاد بخلاف هذه الأركان ، فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك ، والله أعلم .

[ص: 153 ] الحديث الرابع :

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق :
إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ،
ثم يكون علقة مثل ذلك ،
ثم يكون مضغة مثل ذلك ،
ثم يرسل الله إليه الملك ،
فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات :
بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث متفق على صحته ، وتلقته الأمة بالقبول ، رواه الأعمش عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود ، ومن طريقه خرجه الشيخان في ” صحيحيهما ” وقد روي عن محمد بن زيد الأسفاطي ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم ، فقلت : يا رسول الله ، حديث ابن مسعود الذي حدث عنك ، فقال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق . فقال صلى الله عليه وسلم : ” والذي لا إله غيره حدثته به أنا ” يقوله ثلاثا ، ثم قال غفر الله للأعمش كما حدث به ، وغفر الله [ ص: 154 ] لمن حدث به قبل الأعمش ، ولمن حدث به بعده . وقد روي عن ابن مسعود من وجوه أخر . فقوله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة قد روي تفسيره عن ابن مسعود ؛ روى الأعمش ، عن خيثمة ، عن ابن مسعود قال : إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعرة وظفر ، فتمكث أربعين يوما ، ثم تنحدر في الرحم ، فتكون علقة . قال : فذلك جمعها . خرجه ابن أبي حاتم وغيره . وروي تفسير الجمع مرفوعا بمعنى آخر ، فخرج الطبراني وابن منده في كتاب ” التوحيد ” من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد ، فجامع الرجل المرأة ، طار ماؤه في كل عرق وعضو منها ، فإذا كان يوم السابع جمعه الله ، ثم أحضره في كل عرق له دون آدم : في أي صورة ما شاء ركبك قال ابن منده : إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما [ ص: 155 ] وخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني من رواية مطهر بن الهيثم ، عن موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لجده يا فلان ما ولد لك ؟ قال يا رسول الله ، وما عسى أن يولد لي ؟ إما غلام وإما جارية ، قال : فمن يشبه ؟ قال من عسى أن يشبه ؟ يشبه أمه أو أباه ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولن كذا . إن النطفة إذا استقرت في الرحم ، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم ، أما قرأت هذه الآية في أي صورة ما شاء ركبك ( الانفطار : 8 ) قال : سلكك وهذا إسناد ضعيف ومطهر بن الهيثم ضعيف جدا : وقال البخاري : هو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن موسى بن علي ، عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق يعني : أنه لا صحبة له . ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له : ولدت امرأتي غلاما أسود قال : لعله نزعه عرق . و قوله ثم يكون علقة مثل ذلك يعني : أربعين يوما ، والعلقة قطعة من دم . ثم يكون مضغة مثل ذلك يعني : أربعين يوما . والمضغة : قطعة من لحم . ثم يرسل الله إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد . فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يوما ، في ثلاثة أطوار ، في كل أربعين يوما منها يكون في طور ، فيكون في الأربعين الأولى نطفة ، ثم في [ ص: 156 ] الأربعين الثانية علقة ، ثم في الأربعين الثالثة ، مضغة ثم بعد المائة وعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح ، ويكتب له هذه الأربع الكلمات . وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار كقوله تعالى : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ( الحج : 5 ) . وذكر هذه الأطوار الثلاثة : النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة من القرآن ، وفي مواضع أخر ذكر زيادة عليها ، فقال في سورة المؤمنون ( 12 – 14 ) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين . فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه . وكان ابن عباس يقول : خلق ابن آدم من سبع ، ثم يتلو هذه الآية . وسئل عن العزل ، فقرأ هذه الآية ثم قال ، فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة ؟ وفي رواية عنه قال : وهل تموت نفس حتى تمر على هذا الخلق ؟ . وروي عن رفاعة بن رافع قال : جلس إلي عمر وعلي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكروا العزل ، فقالوا لا بأس به ، فقال رجل : إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى فقال علي : لا تكون موءودة حتى تمر على التارات السبع : تكون سلالة من طين ، ثم تكون نطفة ، ثم تكون علقة ، ثم تكون مضغة ، ثم تكون عظاما ، ثم تكون لحما ، ثم تكون خلقا آخر ، فقال عمر : صدقت أطال الله بقاءك . رواه الدارقطني في ” المؤتلف والمختلف ” . [ ص: 157 ] وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح ، وجعلوه كالعزل ، وهو قول ضعيف ؛ لأن الجنين ولد انعقد ، وربما تصور وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية ، وإنما تسبب إلى منع انعقاده ، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه ، كما قال النبي لما سئل عن العزل : قال : لا عليكم أن لا تعزلوا إنه ليس من نفس منفوسة إلا أن الله خلقها . وقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة ، لم يجز للمرأة إسقاطه ؛ لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة ، فإنها لم تنعقد بعد ، وقد لا تنعقد ولدا . وقد ورد في بعض الروايات في حديث ابن مسعود ذكر العظام وأنه يكون عظما أربعين يوما ، فخرج الإمام أحمد من رواية علي بن زيد سمعت أبا عبيدة يحدث قال : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما على حالها لا تغير ، فإذا مضت الأربعون ، صارت علقة ، ثم مضغة كذلك ، ثم عظاما كذلك ، فإذا أراد الله تعالى أن يسوي خلقه ، بعث الله إليها ملكا ، وذكر بقية الحديث . ويروى من حديث عاصم عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن النطفة إذا استقرت في الرحم ، تكون أربعين ليلة نطفة ، ثم تكون علقة أربعين ليلة ، ثم تكون عظاما أربعين ليلة ، ثم يكسو الله العظام لحما . ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يكسى اللحم إلا بعد مائة وستين [ ص: 158 ] يوما ، وهذا غلط بلا ريب ، فإنه بعد مائة وعشرين يوما ينفخ فيه الروح بلا ريب كما سيأتي ذكره ، وعلي بن زيد : هو ابن جدعان لا يحتج به ، وقد ورد في حديث حذيفة بن أسيد ما يدل على خلق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية ، ففي ” صحيح مسلم ” عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يقول : يا رب أجله ؟ فيقول ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يقول يا رب رزقه ؟ فيقضي ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص . وظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أول الأربعين الثانية ، فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وعظاما . وقد تأول بعضهم ذلك على أن الملك يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء ، فيجعل بعضها للجلد ، وبعضها للحم ، وبعضها للعظام ، فيقدر ذلك كله قبل وجوده . وهذا خلاف ظاهر الحديث ، بل ظاهره أن يصورها ويخلق هذه الأجزاء كلها ، وقد يكون خلق ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام ، قد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض . وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على أن التصوير يكون للنطفة أيضا في اليوم السابع ، وقد قال الله عز وجل إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ( الإنسان : 2 ) وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها . قال ابن مسعود : أمشاجها : عروقها [ ص: 159 ] وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك ، وقالوا : إن المني إذا وقع في الرحم ، حصل له زبدية ورغوة ستة أيام أو سبعة ، وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير استمداد من الرحم ، ثم بعد ذلك تستمد منه ، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام ، وقد يتقدم يوما ويتأخر يوما ، ثم بعد ستة أيام – وهو الخامس عشر من وقت العلوق – ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة ، ثم تتميز الأعضاء تميزا ظاهرا ، ويتنحى بعضها عن ممارسة بعض ، وتمتد رطوبة النخاع ، ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزا يستبين في بعض ، ويخفى في بعض . قالوا : وأقل مدة يتصور الذكر فيها ثلاثون يوما ، والزمان المعتدل في تصوير الجنين خمسة وثلاثون يوما ، وقد يتصور في خمسة وأربعين يوما ، قالوا : ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يوما ، ولا أنثى قبل أربعين يوما ، فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد في التخليق في الأربعين الثانية ، ومصيره لحما فيها أيضا . وقد حمل بعضهم حديث ابن مسعود على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين الأولى وصف المني ، وفي الأربعين الثانية وصف العلقة ، وفي الأربعين الثالثة وصف المضغة ، وإن كانت خلقته قد تمت وتم تصويره ، وليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين . وقد روي عن ابن مسعود نفسه ما يدل على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين [ ص: 160 ] الثالثة أيضا ، فروى الشعبي عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه ، فقال : أي رب ، مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة ، لم تكن نسمة ، وقذفتها الأرحام ، وإن قيل مخلقة ، قال : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟ شقي أم سعيد ، ما الأجل وما الأثر ؟ ، وبأي أرض تموت ؟ قال : فيقال للنطفة : من ربك ؟ فتقول : الله ، فيقال : من رازقك ؟ فتقول : الله ، فيقال : اذهب إلى الكتاب ، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة ، قال : فتخلق ، فتعيش في أجلها وتأكل في رزقها ، وتطأ في أثرها ، حتى إذا جاء أجلها ، ماتت ، فدفنت في ذلك ، ثم تلا الشعبي هذه الآية : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ( الحج : 5 ) . فإذا بلغت مضغة ، نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة ، فإن كانت غير مخلقة ، قذفتها الأرحام دما ، وإن كانت مخلقة نكست نسمة . خرجه ابن أبي حاتم وغيره . وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أن لا تصوير قبل ثمانين يوما ، فروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ( آل عمران : 6 ) قال : إذا وقعت النطفة في الأرحام ، طارت في الجسد أربعين يوما ، ثم تكون علقة أربعين يوما ، ثم تكون مضغة أربعين يوما ، فإذا بلغ أن تخلق ، بعث الله ملكا يصورها ، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه ، فيخلطه في المضغة ، ثم يعجنه بها ، ثم يصورها كما يؤمر فيقول : أذكر أم أنثى ؟ أشقي أو سعيد ؟ وما رزقه ، وما عمره ، وما أثره ، وما مصائبه ؟ فيقول الله تبارك وتعالى ، ويكتب الملك ، فإذا مات ذلك الجسد ، دفن حيث [ ص: 161 ] أخذ ذلك التراب ، خرجه ابن جرير الطبري في ” تفسيره ” ولكن السدي مختلف في أمره ، وكان الإمام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد ، كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث الواحد . وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية ، وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها ، وقالوا : أقل ما يتبين خلق الولد أحد وثمانون يوما ، لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة ، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة . وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل : إنه لا تنقضي العدة ، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة ، وأقل ما يمكن أن يتخلق ويتصور في أحد وثمانين يوما . وقال أحمد في العلقة : هي دم لا يستبين فيها الخلق ، فإن كانت المضغة غير مخلقة ، فهل تنقضي بها العدة ، وتصير أم الولد بها مستولدة ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد ، وإن لم يظهر فيها التخطيط ، ولكن كان خفيا لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء ، فشهدن بذلك ، قبلت شهادتين ، ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء ، ونص على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه ، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه . [ ص: 162 ] قال الشعبي : إذا نكس في الخلق الرابع ، كان مخلقا ، انقضت به العدة ، وعتقت به الأمة ، إذا كان لأربعة أشهر ، وكذا نقل عنه حنبل : إذا أسقطت أم الولد ، فإن كان خلقة تامة عتقت ، وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح ، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه ، وقد قال أحمد في رواية عنه : إذا تبين خلقه ، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة ، ونقل عنه أيضا جماعة في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها ، وهو قول النخعي ، وحكى قولا للشافعي ، ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدة به أيضا . وهذا كله مبني على أنه يمكن التخليق في العلقة كما قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدم إلا أن يقال : حديث حذيفة إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظما ، وأن ذلك قد يقع في الأربعين الثانية ، لا في حال كونه علقة ، وفي ذلك نظر ، والله أعلم . وما ذكره الأطباء يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط ، وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك ، وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضا ، والله تعالى أعلم

[ص: 176 ] الحديث الخامس :

عن عائشة رضي الله عنها قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من حديث القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها وألفاظه مختلفة ، ومعناها متقارب ، وفي بعض ألفاظه : ” من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد ” . وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام ، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أن حديث : الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها ، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب ، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله ، فهو مردود على عامله ، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله ، فليس من الدين في شيء . وسيأتي حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين [ ص: 177 ] المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة . وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : ” إن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ” وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه ، ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها . فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع ، فهو مردود ، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود ، والمراد بأمره هاهنا : دينه وشرعه ، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد . فالمعنى إذا : أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع ، فهو مردود . وقوله : ” ليس عليه أمرنا ” إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة ، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها ، فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشرع موافقا لها ، فهو مقبول ، ومن كان خارجا عن ذلك ، فهو مردود .

[ص: 193 ] الحديث السادس :

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير ، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص ، والمعنى واحد أو متقارب . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وعمار بن ياسر ، وجابر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وحديث النعمان أصح أحاديث الباب . [ ص: 194 ] فقوله صلى الله عليه وسلم : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس معناه : أن الحلال المحض بين لا اشتباه فيه ، وكذلك الحرام المحض ، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس ، هل هي من الحلال أم من الحرام ؟ وأما الراسخون في العلم ، فلا يشتبه عليهم ذلك ، ويعلمون من أي القسمين هي . فأما الحلال المحض : فمثل أكل الطيبات من الزروع ، والثمار وبهيمة الأنعام ، وشرب الأشربة الطيبة ، ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان ، أو الصوف أو الشعر ، وكالنكاح ، والتسري وغير ذلك إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع ، أو بميراث ، أو هبة ، أو غنيمة . والحرام المحض : مثل أكل الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وشرب الخمر ، ونكاح المحارم ، ولباس الحرير للرجال ، ومثل الأكساب المحرمة كالربا والميسر وثمن مالا يحل بيعه ، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك . وأما المشتبه : فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه ، إما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير ، والضب ، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها ، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها ، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العينة والتورق ونحو [ ص: 195 ] ذلك ، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة . وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب ، وبين فيه للأمة ما يحتاج إليه من حلال وحرام ، كما قال تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( النحل : 89 ) قال مجاهد وغيره : كل شيء أمروا به أو نهوا عنه ، وقال تعالى في آخر سورة النساء ( الآية : 176 ) التي بين فيها كثيرا من أحكام الأموال والأبضاع : يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم وقال تعالى : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ( الأنعام : 119 ) ، وقال تعالى : وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ( التوبة : 115 ) ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ( النحل : 44 ) وما قبض صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له ولأمته الدين ، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( المائدة : 3 ) . وقال صلى الله عليه وسلم تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك . وقال أبو ذر : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علما . [ ص: 196 ] ولما شك الناس في موته صلى الله عليه وسلم ، قال عمه العباس رضي الله عنه : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجا واضحا ، وأحل الحلال وحرم الحرام ، ونكح وطلق ، وحارب وسالم ، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه بمخبطه ، ويمدر حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم .

[ص: 215 ] الحديث السابع :

عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
الدين النصيحة ثلاثا قلنا :
لمن يا رسول الله ؟ قال :
لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن تميم الداري ، وقد روي عن سهيل وغيره ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه الترمذي من هذا الوجه ، فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعا ، ومنهم من قال : إن الصحيح حديث تميم ، والإسناد الآخر وهم . وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ، وثوبان ، وابن عباس ، وغيرهم . وقد ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه . [ ص: 216 ] وقال الحافظ أبو نعيم : هذا الحديث له شأن ، ذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين . وخرجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لا يهتم بأمر المسلمين ، فليس منهم ، ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ، ولعامة المسلمين فليس منهم . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي . وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموما ، وفي بعضها النصح لولاة أمورهم ، وفي بعضها : نصح ولاة الأمور لرعاياهم . فأما الأول – وهو النصح للمسلمين – عموما ، ففي ” الصحيحين ” عن جرير بن عبد الله قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . وفي ” صحيح مسلم ” عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حق المؤمن على المؤمن ست فذكر منها : وإذا استنصحك فانصح له . وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي ” المسند ” عن حكيم بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا [ ص: 217 ] استنصح أحدكم أخاه ، فلينصح له . وأما الثاني : وهو النصح لولاة الأمور ، ونصحهم لرعاياهم ، ففي ” صحيح مسلم ” عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يرضى لكم ثلاثا : يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم . وفي ” المسند ” وغيره عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في خطبته بالخيف من منى ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين وقد روى هذه الخطبة عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو سعيد الخدري . وقد روي من حديث أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في ” الأفراد ” بإسناد جيد ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : [ ص: 218 ] النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين . وفي ” الصحيحين ” عن معقل بن يسار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل الجنة . وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء عليهم السلام أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر الله بذلك عن نوح ، وعن صالح وقال : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ( التوبة : 91 ) يعني : أن من تخلف عن الجهاد لعذر ، فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله في تخلفه ، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين ، ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة ، فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل ، وسمى ذلك كله دينا ، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها ، وهو مقام الإحسان ، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك ، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة ، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضا . وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان ، فكان أحدهما يطيعه إذا أمره ، ويؤدي إليه إذا ائتمنه ، وينصح له إذا غاب عنه ، وكان الآخر يعصيه إذا أمره ، ويخونه إذا ائتمنه ، ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء ؟ قالوا : لا ، قال : فكذاكم أنتم عند الله عز وجل خرجه ابن أبي الدنيا . [ ص: 219 ] وخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الفضيل بن عياض : الحب أفضل من الخوف ، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك ، والآخر يخافك ، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبه إياك ، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخاف ويغشك إذا غبت ولا ينصحك . قال عبد العزيز بن رفيع : قال الحواريون لعيسى عليه السلام : ما الخالص من العمل ؟ قال : ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه ، قالوا : فما النصح لله ؟ قال : أن تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس ، وإن عرض لك أمران : أحدهما لله ، والآخر للدنيا ، بدأت بحق الله تعالى . قال الخطابي : النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له ، قال : وأصل النصح في اللغة الخلوص ، يقال : نصحت العسل : إذا خلصته من الشمع . فمعنى النصيحة لله سبحانه : صحة الاعتقاد في وحدانيته ، وإخلاص النية [ ص: 220 ] في عبادته ، والنصيحة لكتابه : الإيمان به ، والعمل بما فيه ، والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته ، وبذل الطاعة له فيما أمر به ، ونهى عنه ، والنصيحة لعامة المسلمين : إرشادهم إلى مصالحهم . انتهي . وقد حكى الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه ” تعظيم قدر الصلاة ” عن بعض أهل العلم أنه فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه ، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه . قال محمد بن نصر : قال بعض أهل العلم : جماع تفسير النصيحة هو عناية القلب للمنصوح له من كان ، وهي على وجهين : أحدهما فرض ، والآخر نافلة ، فالنصيحة المفترضة لله : هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض ، ومجانبة ما حرم . وأما النصيحة التي هي نافلة ، فهي إيثار محبته على محبة نفسه ، وذلك أن يعرض أمران ، أحدهما لنفسه ، والآخر لربه ، فيبدأ بما كان لربه ، ويؤخر ما كان لنفسه ، فهذه جملة تفسير النصيحة لله ، الفرض منه والنافلة ، ولذلك تفسير ، وسنذكر بعضه ليفهم بالتفسير من لا يفهم بالجملة . فالفرض منها مجانبة نهيه ، وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له ، فإن عجر عن الإقامة بفرضه لآفة حلت به من مرض ، أو حبس ، أو غير ذلك ، عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له ، قال الله عز وجل ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل ( التوبة : 91 ) ، فسماهم محسنين لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم . وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ، ولا يرفع عنه النصح لله ، فلو كان من المرض بحال لا يمكنه عمل بشيء من جوارحه بلسان ولا [ ص: 221 ] غيره ، غير أن عقله ثابت ، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على ذنوبه ، وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه ، ويجتنب ما نهاه عنه ، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه . وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أوجبه على الناس عن أمر ربه ، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي ، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله . وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض ، فبذل المجهود بإيثار الله على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا يكون في الناصح فضل عن غيره ، لأن الناصح إذا اجتهد ، لم يؤثر نفسه عليه ، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته ، فكذلك الناصح لربه ، ومن تنفل لله بدون الاجتهاد ، فهو ناصح على قدر عمله ، غير مستحق للنصح بكماله .

[ص: 226 ] الحديث الثامن :

عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجاه في ” الصحيحين ” من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمر . وقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم . وقد روي معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي ” صحيح البخاري ” عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وصلوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا ، وأكلوا ذبيحتنا ، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها . وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ويشهدوا أن لا إله إلا [ ص: 227 ] الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك ، فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله عز وجل . وخرجه ابن ماجه مختصرا . وخرج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا ، ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر : إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ففي ” الصحيحين ” عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله عز وجل وفي رواية لمسلم : حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي وبما جئت به . وخرجه مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره : ثم قرأ فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ( الغاشية : 21 ) . [ ص: 228 ] وخرج أيضا من حديث أبي مالك الأشجعي ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل . وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال : كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة ، وهذا ضعيف جدا ، وفي صحته عن سفيان نظر ، فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وبعضهم تأخر إسلامه . ثم قوله عصموا مني دماءهم وأموالهم يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورا بالقتال ، ويقتل من أبى الإسلام ، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة ، ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ، ويعصم دمه بذلك ، ويجعله مسلما ، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال : لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف ، واشتد نكيره عليه . ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة ، بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام ، واشترطوا أن لا يزكوا ، ففي مسند الإمام أحمد ، عن جابر قال : اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ولا جهاد ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيتصدقون ويجاهدون . وفيه أيضا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين ، فقبل منه . [ ص: 229 ] وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث ، وقال : يصح الإسلام على الشرط الفاسد ، ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها ، واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما . قال أحمد : معناه أن يسجد من غير ركوع . وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس قال : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام ، وذلك قول الله عز وجل : فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ( المجادلة : 13 ) وهذا لا يثبت ، وعلى تقدير ثبوته ، فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام [ ص: 230 ] على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق ، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين ، وقال : إن هم أطاعوك لذلك ، فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار مسلما بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ، ثم بإيتاء الزكاة ، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام ، كما قال لجبريل عليه السلام لما سأله عن الإسلام ، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام . وبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ، ويتبين أن كلها حق ، فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ، ويصير بذلك مسلما ، فإذا دخل في الإسلام ، فإن أقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وقام بشرائع الإسلام ، فله ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم ، وإن أخل بشيء من هذه الأركان ، فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا . وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ، ويقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع ، وفي هذا نظر ، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار تدل على خلاف هذا ، وفي ” صحيح مسلم ” عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم خيبر ، فأعطاه الراية وقال : امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار علي شيئا ، ثم وقف ، فصرخ : يا رسول الله ، على ماذا أقاتل الناس ؟ فقال : قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك ، فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله عز وجل فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلا بحقها ، ومن حقها الامتناع من الصلاة والزكاة بعد الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم

[ ص: 238 ] الحديث التاسع :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
ما نهيتكم عنه ، فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ،
فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم .
رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 1
هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، كلاهما عن أبي هريرة ، وخرجاه من رواية أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : دعوني ما تركتكم ، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء ، فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر ، فأتوا منه ما استطعتم وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه . وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم ثم قال : ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم [ ص: 239 ] بشيء ، فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء ، فدعوه . وخرجه الدارقطني من وجه آخر مختصرا ، وقال فيه : فنزل قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ( المائدة : 101 ) . وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج ، وقالوا : أفي كل عام ؟ . وفي ” الصحيحين ” عن أنس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل : من أبي ؟ فقال : ” فلان ” فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء . وفيهما أيضا عن قتادة ، عن أنس قال : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة ، فغضب ، فصعد المنبر ، فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته ، فقام رجل كان إذا لاحى الرجال دعي إلى غير أبيه ، فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : ” أبوك حذافة ” ثم أنشأ عمر ، فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، نعوذ بالله من الفتن . وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . وفي ” صحيح البخاري ” عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ [ ص: 240 ] فأنزل الله هذه الآية ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . وخرج ابن جرير الطبري في ” تفسيره ” من حديث أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارا وجهه ، حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل ، فقال : أين أنا ؟ فقال ” في النار ” فقام إليه آخر فقال : من أبي ؟ قال : ” أبوك حذافة ” فقام عمر فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما ، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا ، قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . وروي أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس ، فقال : يا قوم كتب عليكم الحج فقام رجل ، فقال يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا ، فقال : والذي نفسي بيده ، لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، وإذن لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، فإذا أمرتكم بشيء ، فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شيء ، فانتهوا عنه ، فأنزل الله : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة ، فأصبحوا بها كافرين ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وقال لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ، ولكن انتظروا ، فإذا نزل القرآن ، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه . فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء [ ص: 241 ] السائل جوابه مثل سؤال السائل ؛ هل هو في النار أو في الجنة ، وهل أبوه ما ينسب إليه أو غيره ، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء ، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم . وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت ، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب ، وقال عكرمة وغيره : إن الآية نزلت في ذلك . ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله عن عباده ، ولم يطلعهم عليه ، كالسؤال عن وقت الساعة ، وعن الروح . ودلت أيضا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه ، كالسؤال عن الحج : هل يجب كل عام أم لا ؟ وفي ” الصحيح ” عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته . ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وعابها حتى ابتلي السائل عنه قبل وقوعه بذلك في أهله ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .

[ص: 258 ] الحديث العاشر :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ( المؤمنون : 51 ) ، وقال تعالى : ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ( البقرة : 172 ) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر : أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ؟ . رواه مسلم .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب .

وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري .

وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله طيب هذا قد جاء أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، جواد يحب الجود خرجه الترمذي ، وفي إسناده مقال والطيب هنا : معناه الطاهر .

والمعنى أن الله تعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها ، وهذا كما في [ ص: 259 ] قوله : والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون ( النور : 26 ) ، والمراد : المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها .

وقوله ” لا يقبل إلا طيبا ” قد ورد معناه في حديث الصدقة ، ولفظه : لا يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا . . . . . . . والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا .

وقد قيل : إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله : ” لا يقبل الله إلا طيبا ” أعم من ذلك ، وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا طاهرا من المفسدات كلها ، كالرياء والعجب ، ولا من الأموال إلا ما كان طيبا حلالا ، فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات ، فكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث .

وقد قيل : إنه يدخل في قوله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ول